أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

قبل 115 عاماً.. كيف عبر حاج عراقي الصحراء إلى مكة؟

محمد السيدالثلاثاء 26 مايو 2026، 9:00 ص
قبل 115 عاماً.. كيف عبر حاج عراقي الصحراء إلى مكة؟

القطيف: صُبرة

في مساء الخميس الرابع من شوال سنة 1329 للهجرة، الموافق 28 سبتمبر 1911م تقريباً، كانت الكاظمية تبدو كأنها تودّع رجلاً ذاهباً إلى سفرٍ لا يُعرف متى ينتهي.

الكاظمية سنة 1919

داخل البيت ازدحم العلماء والتجار والأصدقاء، وخارج الأبواب كانت الجمال تُحمّل الخيام والقِرب وأكياس الزاد، بينما يسجل الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء تفاصيل اللحظة بهدوء رجل يعرف أن الطريق إلى مكة ليس رحلة عابرة، بل عبور طويل عبر الصحراء والخوف والتعب.

كتب الشيخ أن الليلة الأخيرة امتلأت بالزائرين «من أهل بغداد والكاظمية»، ثم انشغل الجميع بتهيئة «الخيام والقِربوات والمؤن والأزواد». لم يكن أحد يتحدث عن موعد وصول دقيق، فالحج آنذاك يبدأ من لحظة الخروج، لا من رؤية الكعبة.

مع الفجر تحركت القافلة غرباً. كانت الجمال الوسيلة الأولى لعبور العراق، تحمل فوق ظهورها الماء والطعام وأمتعة المسافرين، بينما تتقدمها الأدلاء الذين يحفظون الطريق بين الفرات والبادية. وعند الفلوجة عبرت القافلة الجسر فوق فرع الوشاش المتفرع من الفرات، وهناك بدأ الإحساس الحقيقي بالمغادرة؛ فالماء الذي ظل يرافقهم أخذ يبتعد تدريجياً، والنخيل صار أقل كثافة كلما اتجهوا نحو الرمادي.

ظلمات الصحراء

بعد الرمادي دخلت الرحلة وجهها الأصعب. الصحراء لم تكن فراغاً جغرافياً فقط، بل زمناً آخر. كانت القافلة تسير ساعات طويلة بين أرض مفتوحة لا يُرى في أطرافها سوى السراب، ثم تتوقف ليلاً قرب ماء قليل أو شاطئ ضيق من الفرات، حيث تُنصب الخيام وتُفك الأحمال عن ظهور الجمال.

وفي بعض الليالي كانوا يواصلون السير في الظلام هرباً من حر النهار، حتى كتب الشيخ عن إحدى المراحل: «دخلنا السرى في ظلمات حالكة».

نار تخرج من الأرض

وفي الطريق إلى هيت، فوجئ الحاج العراقي بمشهد لم يكن مألوفاً حتى في كتب الرحلات.

رائحة نفط وكبريت تملأ الهواء، ودخان أسود يتصاعد من الأرض. اقترب الشيخ من العيون الحارة وأخذ يصفها بعين متأملة؛ ماء يغلي من باطن الأرض، وقير يطفو على السطح، ومدينة تحيط بها سحابة سوداء من دخان النفط. كان يسير إلى مكة، لكنه توقف طويلاً أمام هذه الأرض التي تشتعل من داخلها، قبل عقود طويلة من اكتشاف النفط بوصفه ثروة تغيّر وجه المنطقة كلها.

وادي حوران

ممرات النجاة

كلما اقتربت القافلة من بادية الشام، صار الطريق أكثر قسوة.

في وادي حوران دخل المسافرون بين جبال ضيقة شديدة الانحدار، حتى كتب الشيخ أن بعضها «لا تسع إلا مرور حيوان واحد». هناك لم تعد الرحلة مجرد انتقال بين المدن، بل صارت اختبار نجاة يومي. كان الحاج يرى الجمل يتحرك بحذر فوق الحافة الصخرية، ويشعر أن الراكب والمركوب معاً «على خطر».

المدينة المنورة 1907

أول ملامح الحجاز

ثم، بعد أسابيع من الغبار والسير الليلي، بدأت ملامح الحجاز تظهر أخيراً.

النخيل عاد إلى المشهد من جديد، والماء صار أقرب، والقوافل القادمة من جهات مختلفة أخذت تتكاثر كلما اقتربوا من المدينة المنورة. هنا خفّ توتر الطريق قليلاً، وكأن القافلة خرجت من قسوة البادية إلى طمأنينة المقصد الأول.

المدينة المنورة 1918

المدينة.. سكينة بعد الصحراء

في المدينة، تغيّر إيقاع الرحلة بالكامل.

لم يعد الشيخ يكتب عن الصخور والممرات الضيقة، بل عن الزيارة والسكينة والحشود القادمة من أنحاء العالم الإسلامي. كانت المدينة تمتلئ بحجاج يختلفون في اللغة واللباس والملامح، لكنهم يتحركون جميعاً نحو غاية واحدة.

وبعد أيام من الراحة والاستعداد، تحركت القوافل مرة أخرى نحو مكة، على ظهور الجمال نفسها التي قطعت صحارى العراق والشام.

الطريق الأخير إلى مكة

الطريق بين المدينة ومكة كان أقل رهبة من البادية الأولى، لكنه أكثر ازدحاماً.

قوافل متتابعة، ومحامل كبيرة، وأصوات تلبية ترتفع من جماعات جاءت من بلاد بعيدة. وكلما اقتربوا من مكة، صار الشعور بأن الرحلة الطويلة توشك أن تنتهي أكثر حضوراً من التعب نفسه.

مكة.. نهاية المشقة

وحين ظهرت مكة أخيراً، لم يصفها الشيخ بوصف المدن، بل بوصف اللحظة التي يصل فيها المسافر إلى نهاية المشقة.

أسابيع من السير بين الجبال والظلام والصحراء انتهت عند الحرم، حيث اختلطت أصوات الطواف بلغات لا يعرفها، وتحولت مكة إلى صورة مصغّرة للعالم الإسلامي كله.

مدينة من الخيام

ثم جاءت المشاعر؛ منى وعرفات ومزدلفة، وقد تحولت الصحراء فيها إلى مدينة مؤقتة من الخيام والجمال والجموع البشرية.

هناك لم يعد الحاج العراقي جزءاً من قافلة صغيرة خرجت من الكاظمية، بل واحداً من مئات آلاف البشر الذين اجتمعوا في أرض واحدة بعد رحلات طويلة عبر البر والبحر والقطارات والسفن والجمال.

قطار الحجاز في الشام سنة 1914

رحلة عبر العالم الإسلامي

ولهذا تبدو «الرحلة الحجازية» اليوم أكثر من مجرد مذكرات حج.

إنها شهادة على زمنٍ كان الوصول فيه إلى مكة رحلة كاملة عبر العالم الإسلامي، لا مجرد انتقال إلى مدينة مقدسة.