«المثقفون المزيفون».. كيف يتحول الإعلام إلى مصنع للحقائق الجاهزة؟

القطيف: صُبرة
في كتابه «المثقفون المزيفون»، يشنّ المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس هجوماً حاداً على ما يسميه «المثقف الإعلامي»، وهو ذلك النموذج الذي لم يعد ينشغل بالبحث عن الحقيقة بقدر انشغاله بالحضور التلفزيوني وصناعة التأثير الجماهيري.
الكتاب لا يهاجم الثقافة نفسها، ولا المثقف بوصفه صاحب معرفة، بل يوجّه نقده إلى فئة من الكتّاب والمحللين الذين تحوّلوا ــ بحسب المؤلف ــ إلى أدوات دعائية تعمل داخل المنظومة الإعلامية الحديثة، وتقدّم الانحيازات السياسية والأيديولوجية في صورة حقائق أخلاقية مطلقة.
يرى بونيفاس أن الإعلام المعاصر ساهم في صناعة «خبراء دائمين» يظهرون في كل الملفات والقضايا، حتى خارج اختصاصاتهم الأصلية، لأن المعيار لم يعد عمق الفكرة أو دقة التحليل، بل القدرة على إثارة الجدل، والظهور السريع، وإنتاج مواقف حادة قابلة للتداول الجماهيري.
ومن أكثر أفكار الكتاب صدمة، قوله إن الخطر الحقيقي يبدأ حين يصبح الكذب مقبولاً إذا كان يخدم «القضية الصحيحة». هنا، يتحول التضليل إلى ممارسة مبررة أخلاقياً، ويصبح الرأي الشخصي قابلاً للتقديم بوصفه «حقيقة»، بينما يُقدَّم الانحياز السياسي أو الإعلامي في هيئة موقف إنساني أو أخلاقي.
ويشرح المؤلف كيف تصنع الشاشات التلفزيونية نوعاً جديداً من النجومية الفكرية، حيث يتحول بعض المثقفين إلى شخصيات جماهيرية مرتبطة بالصورة والأداء الإعلامي أكثر من ارتباطها بالبحث العلمي أو التفكير العميق. فالإعلام السريع ــ كما يرى ــ لا يحب التعقيد، ولا يحتمل التحليل الطويل، بل يبحث عمّن يتحدث بسرعة، ويطلق أحكاماً قاطعة، ويمنح الجمهور شعوراً فورياً باليقين.
ويتوقف الكتاب مطولاً عند العلاقة بين الإعلام والحروب والسياسة الدولية، خصوصاً حين تُستخدم المفاهيم الإنسانية وحقوق الإنسان لتبرير تدخلات أو مواقف سياسية منحازة. وهنا يطرح بونيفاس واحدة من أكثر أفكاره ثقلاً: أن الخداع يصبح أكثر خطورة حين يُمارَس باسم الإنسانية.
كما يحذر من أن الجمهور نفسه قد يتحول إلى ضحية مزدوجة؛ مرة لأنه يتعرض للتضليل، ومرة لأنه يظن أنه يدافع عن الحقيقة بينما هو يتلقى خطاباً دعائياً مغلفاً بالأخلاق والشعارات الكبرى.
لغة الكتاب مباشرة وصدامية أحياناً، لكنه يطرح أسئلة حساسة حول طبيعة السلطة الإعلامية الحديثة، وحدود تأثير المثقف، والدور الذي تلعبه الشاشات في صناعة «الحقيقة العامة». ولهذا بقي الكتاب حاضراً في النقاشات المرتبطة بالدعاية السياسية والإعلامية، خصوصاً في زمن تتداخل فيه الأخبار بالرأي، وتتحول فيه المنصات الإعلامية إلى ساحات لتوجيه الوعي الجماهيري.
في النهاية، لا يقدّم «المثقفون المزيفون» إجابات نهائية بقدر ما يفتح سؤالاً مقلقاً:
من يصنع الحقيقة اليوم؟
المعرفة… أم الشاشة؟



