القرآن أولاً 6 | القصر بين الرخصة والعزيمة

الشيخ علي الفرج
من المسائل التي طال فيها البحث، وتشعّبت فيها الفقهاء والأخبار، مسألة: هل إنّ تشريع القصر في الصلاة والإفطار في السفر وارد على نحو الرخصة، أم أنّه ثابتٌ بعنوان العزيمة؟
وقد انقسمت كلمات الأعلام إلى مسلكين مشهورين:
أحدهما: القول بالعزيمة، بمعنى أنّ القصر والإفطار حكم إلزامي، لا يسوغ للمكلف العدول عنه إلى التمام أو الصوم، فكما أنّ التمام وظيفة الحاضر، فكذلك القصر وظيفة المسافر، لا على سبيل التخيير.
وثانيهما: القول بالرخصة، وحاصله أنّ الشارع المقدّس خفّف عن المسافر، فجعل له فسحة وسعة، فله أن يقصر أو يتم، وأن يفطر أو يصوم، وإن كان القصر والإفطار أرجح وأوفق بمقام التيسير.
وقد ذهبت الإماميّة ـ تبعاً للنصوص الواردة عن أهل البيت (ع) ـ إلى القول بالعزيمة، وهو أيضاً مذهب الأحناف من أبناء السنة، بينما اشتهر بين جمهور فقهاء أهل السنّة القول بالرخصة، وأنّ القصر والإفطار تخفيف لا إلزام فيه.
إلّا أنّ التأمّل في ظاهر الكتاب قد يورث ميلاً إلى مسلك الرخصة، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
ومن الواضح لغةً وعرفاً أنّ قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ ظاهر في رفع الإثم والحرج، لا في إفادة الوجوب والإلزام، فإنّ الجناح بمعنى المؤاخذة والضيق الشرعي، ومفاد الآية: لا حرج عليكم في القصر.
وقد استُعمِل هذا التعبير القرآني في موارد ظاهرة في الإباحة والرخصة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي لا بأس بالتجارة زمن الحج، وكقوله سبحانه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾، أي لا إثم عليهما في الرجوع بعد الطلاق ضمن شروطه.
فمقتضى الظهور الأوّلي للآية أنّ القصر رخصة شرعية، لا عزيمة إلزامية؛ إذ العزيمة تناسب لسان الحصر والتشديد، لا لسان نفي الجناح ورفع الحرج.
غير أنّ الإمامية استندوا إلى أشهر الروايات وهو ما رواه الشيخ الصدوق بإسناده الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم، قالا: قلنا للإمام أبي جعفر الباقر (ع): ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟
فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر.
فقالا: إنّما قال الله: ﴿فليس عليكم جناح﴾ ولم يقل: افعلوا، فكيف أوجب ذلك؟
فأجاب (ع) بالاستشهاد بقوله تعالى في السعي بين الصفا والمروة: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، مع كون السعي واجباً مفروضاً.
ثم قال (ع): وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي (ص) وذكره الله في كتابه.
ثم بيّن (ع) أنّ من صلّى تماماً مع علمه بالحكم أعاد، وأنّ النبي (ص) سمّى الذين صاموا في السفر مع إفطاره «العصاة». وقد نقلها الصدوق في من لا يحضره الفقيه، ج1، ص434 ـ 435.
إلّا أنّ هذه الرواية ـ مع احترام متنها وسندها عند الإماميّة ـ لا تخلو من مجال للنظر والمناقشة:
أوّلاً: إنّ لفظ «الجناح» ظاهر عرفاً في نفي الحرج والإثم، لا في إفادة الوجوب والإلزام، فالمتبادر من قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ هو التوسعة والرخصة. وعلى مسلك مرجعيّة القرآن يكون الكتاب هو الأصل المحكم، فما وافقه من الأخبار أُخذ به، وما خالف ظاهره احتاج إلى تأويل أو توقف، فلا يرفع اليد عن الظهور القرآني المستقر بخبر محتمل الحمل على الأفضلية أو التشديد بما أن الرسول (ص) حاكم ولائي.
ثانياً: إنّ تشبيه الإمام (ع) بآية الصفا والمروة لا يدل بنفسه لإثبات الوجوب؛ لأنّ وجوب السعي يحتمل أن يكون من دليلٍ آخر مستقل، لا من قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، فالآية بنفسها لا تدل على الإلزام، وإنما غايتها رفع توهم الحرج.
ثالثاً: إنّ الأمر بالإعادة لا يساوق دائماً الحكم بالوجوب النفسي، فقد تكون الإعادة لأجل مزيد الفضل أو لتحصيل الأكمل، كما ورد نظير ذلك في بعض المستحبّات المؤكدة مثل قضاء صلاة الليل.
رابعاً: إنّ توصيف من صام في السفر بـ«العصاة» يمكن حمله على ظرف خاص اقتضته المصلحة الولائية أو الظروف الاجتماعيّة التي أحاطت بالتشريع آنذاك، لا على تأسيس حكم دائم عام لكل الأزمنة والأحوال؛ فإنّ طاعة النبي (ص) بما هو ولي الأمر قد تستوجب امتثال توجيه خاص في ظرف مخصوص.
كلّ ما تقدّم إنّما هو في الاستدلال على خصوص القصر في الصلاة، وأمّا الإفطار في السفر، فيمكن الاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، فإن الآية واردة في سياق أحكام الصيام للمريض والمسافر، وظاهرها أنّ تشريع الإفطار إنّما جُعل توسعةً على المكلف ورفعاً للمشقة والحرج عنه، وهو أنسب بمسلك الرخصة والتخفيف، لا بمسلك العزيمة والإلزام.
والنتيجة أنّ الأرجح والأقرب إلى ظاهر الكتاب هو القول بأنّ القصر والإفطار رخصة لا عزيمة، وأن عنوان السفر يفتح باب السعة للمكلّف، فيجوز له القصر أو التمام، والإفطار أو الصوم، من دون تضييق أو تشديد، ونستكشف عدة أمور:
١– أكثر الفقهاء ـ أطال الله أعمارهم ـ قد بالغ في مسلك الاحتياطات إلى حد أوجبوا فيه على المكلف الجمع بين القصر والتمام في بعض الموارد، مع أنّ ظاهر الآيات قائم على التخفيف والتوسعة، لا على التضييق وإيقاع الناس في العسر والحرج، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، فكيف ينسجم التيسير القرآني مع إلزام المكلف بالجمع بين وظيفتين؟
٢ – إن ما نسمعه عن السيد السيستاني (حفظه الله) في عنوان (كثير السفر) يجب عليه التمام في السفر. وأما على مسلك مرجعية القرآن، فغاية ما تدل عليه الروايات هو استحباب التمام، لا وجوبه، ويبقى القصر جائزًا؛ لأنّ عنوان السفر لا يزال صادقًا عليه عرفًا وقرآنًا.
٣ – من أقام في بلد عشرة أيام فأكثر، فالمعروف عند الفقهاء يوجب عليه التمام، وأما ما دون العشرة فيجب فيه القصر.
لكن بناءً على ترجيح كون القصر رخصة لا عزيمة، يجوز للمكلف في جميع الصور أن يقصر أو يتمّ، غاية الأمر أنّ القصر يكون آكد استحبابًا فيما دون العشرة، والتمام آكد استحبابًا عند إكمال العشرة أو الزيادة عليها، من دون وجوب التمام أو وجوب القصر.
والله أعلم، والخطأ وارد، ومنه سبحانه نستمد العصمة والتوفيق.



