دمعة العوامية ما زالت ساخنة في “القوع”

القطيف: زينب آل محسن
في مسجد العباس بالعوامية، المعروف لدى الأهالي باسم «مسجد القوع»، ثمة شيء ناقص هذه الأيام.
الأبواب تُفتح في موعدها، والمصلون يأتون كما اعتادوا، والمآذن ترفع النداء ذاته، لكن الوجوه التي تعرف المكان جيداً تلتفت تلقائياً نحو الزاوية التي كان يقف فيها الحاج جعفر محمد آل ربح «أبو محمد»؛ ثم تتذكر أنه لن يأتي.
لأكثر من ثلاثة عقود، كان الرجل جزءاً من تفاصيل المسجد الصغيرة قبل الكبيرة. حضوره اليومي كان من ثوابت المكان، حتى بدا لكثيرين أن المسجد وأبا محمد يكبران معاً، ويشيخان معاً، ويعيشان الحكاية نفسها.
قبل أشهر، غادر المسجد إلى سرير المستشفى بعد رحلة طويلة مع المرض. ومن هناك بدأت رحلة الغياب التي انتهت يوم السبت الماضي، تاركة خلفها فراغاً أكبر من أن يُقاس بعدد السنوات التي قضاها في الخدمة.

في شمال العوامية، حيث يقع المسجد، اعتاد المصلون رؤية أبي محمد أول الحاضرين وآخر المغادرين. لم يكن موظفاً يؤدي مهمة محددة، بل كان روحاً تسري في المكان، تعرف مفاتيحه وأسراره ووجوه رواده وتفاصيل أيامه.
أما إمام المسجد الشيخ علي آل زايد، فيصف الراحل بكلمات تختصر سنوات طويلة من العمل المشترك.
يقول: «كان الساعد الأيمن والركن الأساس في المسجد».

ويضيف أن كثيراً من أبناء البلدة كانوا يشاهدون الأنشطة والمحاضرات والبرامج الثقافية والاجتماعية، لكنهم لم يكونوا يرون الشخص الذي يقف خلف نجاحها.
«كان مثل المضخة التي تعمل خلف الجدار»، يقول الشيخ آل زايد، موضحاً أن الرجل أحب العمل بعيداً عن الأضواء، لذلك بقيت أعمال كثيرة أنجزها مجهولة لدى الناس رغم أثرها الكبير.
ومن زاوية أخرى يقول رياض العبادي، أحد كوادر المسجد، إن أبا محمد لم يكن مجرد مسؤول عن المسجد، بل كان أباً ومعلماً ومربياً لأجيال من المتطوعين والعاملين فيه.

ويضيف: «كثير من آداب خدمة المسجد والعمل فيه تعلمناها منه. كان صبوراً ومخلصاً، يعمل بصمت، ولا يسمح للعمر أو التعب أن يكونا عذراً للتراجع عن واجبه».
ويمتد حديث العبادي إلى نحو خمسة عشر عاماً من المعرفة اليومية بالرجل، مؤكداً أن أثره تجاوز حدود المسجد إلى المجتمع كله، وأن آخر حضوره بين المصلين كان في شهر رمضان، قبل أن يدخل المستشفى في رحلته العلاجية الأخيرة.

المسجد بيتاً للشباب
ومن الصفات التي يتوقف عندها كل من عرف أبا محمد، قدرته على احتواء الشباب.
فبدلاً من لغة المنع والتشدد، كان يميل إلى التوجيه الهادئ والنصيحة غير المباشرة. وكان يرى أن المسجد بيت مفتوح للأجيال الجديدة، ومكاناً لصناعة الإنسان قبل أي شيء آخر.
لهذا شجع الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وساند المبادرات التطوعية، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة وتحمل المسؤولية، مؤمناً بأن المجتمع يُبنى بالثقة قبل التعليمات.

حارس الأمانة
ولم تكن مسؤولياته تقتصر على البرامج والأنشطة.
فبحسب الشيخ آل زايد، كان يتابع أعمال الصيانة والسلامة، ويهتم بتجهيزات المسجد ومرافقه، ويراقب كل ما يتعلق بممتلكاته وأمواله باعتبارها أمانة يجب أن تُصان.
كان يرى أن خدمة المسجد تبدأ من التفاصيل الصغيرة، ولذلك عرفه الجميع حريصاً على كل ما يخص المكان الذي أفنى سنوات عمره فيه.
وللمساجد أن تبكي
ورحل أبو محمد، تاركاً ستة أبناء وخمس بنات، وسيرة طويلة من العطاء الهادئ.
لكن الحزن لم يبق داخل جدران مسجد العباس. فقد امتلأت منصات النعي في العوامية بكلمات الرثاء والاستذكار، وتسابقت اللجان الأهلية والحسينيات والمؤسسات الاجتماعية والدينية إلى استحضار سيرته.
وفي قصيدة بعنوان «كونٌ باتساع الحب»، لخّص الشاعر حسين آل عمار مشهد الفقد كله في بيت واحد:
«وللمساجد أن تبكي على رجلٍ ..
ملءَ العبادةِ بالتقوى تكفّلها»
واليوم، ما زالت أبواب مسجد القوع تُفتح كما كانت دائماً، وما زال المصلون يتوافدون إلى المكان نفسه، لكن ثمة وجهاً غاب عن المشهد الذي اعتادته العوامية لعقود.
غاب أبو محمد، وبقي أثره في مفاتيح الأبواب التي حملها، وفي الأنشطة التي ساندها، وفي الأجيال التي تعلمت منه أن خدمة المسجد ليست عملاً يُؤدى، بل أمانة تُعاش.
ولهذا، لم يكن رحيله خبراً عن وفاة رجل فحسب، بل قصة فقدٍ شعرت بها العوامية كلها.

كونٌ باتّساع الحب
إلى الرجل الذي وزع الحب على قلوب الناس حتى صار كونًا باتساعه؛ إلى أبي محمد آل ربح في رحلة عروجه الأبدي …
أَشْهَدتَ أرواحَنا البيضاء أنَّ لها
قلبًا إذا دقَّ بالأحلام جلَّلها
وأنَّ بسمتك الكبرى إذا انعتقت
فوق الوجودِ سقت بالحب سنبلَها
وأنك الغائبُ الموجودُ عن ثقةٍ
إذا سماؤك لم تترك تنزّلَها
يا فكرةَ المنحِ يا (ربحًا) نسيرُ بهِ
ويا (مكانًا)رأتك الروحُ منزلَها
ويا (حسينيَّةً) تبكي بمفردِها
ويا سماءً حوت في الأرض أجملَها
قل للترابِ الذي ينهال: كن مطرًا
فأنت من رشّف الدنيا وبلَّلها
(أبا محمدَ) لا أنعاكَ محضَ رؤىً
تشكَّلَت فيك أبياتًا لتقبلَها
لكنني والكلام المرّ يخنقني
تفوقُ حسرةُ أنفاسي معدَّلها
وتشهقُ الحزنَ لا حزنًا على قدرٍ
فقد مضيتَ على خيرٍ (وأنتَ لها)
و (للمساجدِ) أن تبكي على رجلٍ
ملءَ العبادةِ بالتقوى تكفَّلها



