الرازقي.. زينة العروس في موسمين

القطيف: زينب آل محسن
قبل أن تزدحم محال الورد بالباقات الحديثة، وقبل أن تتحول تنسيقات الزهور إلى جزء ثابت من حفلات الزفاف والمناسبات، كان الرازقي يحضر بطريقة مختلفة في حياة نساء القطيف. خيوط بيضاء صغيرة تُشك بعناية، تلتف حول الأعناق، وتستقر على الضفائر، حاملة معها عبق البساتين ودفء المواسم.

كان الرازقي زهرةً وعطراً وقطعةً من الحياة اليومية. فمن النخيل والبساتين التي احتضنت زراعته، إلى أفنية المنازل التي ازدانت به، ظل حضوره ممتداً عبر الأجيال. واليوم يواصل الرازقي رحلته، محتفظاً بجاذبيته، ومتجدداً في صور وأشكال تواكب الزمن.

عبقٌ باقٍ
في أحد مزارع سيهات، يقف المزارع عبدالأمير مساعد إلى جوار شجيرات الرازقي، مستعيداً ذاكرة أربعة عقود من العناية بهذه الزهرة.
ويقول لـ«صُبرة» إن الرازقي الذي عرفه قبل أربعين عاماً يختلف عن كثير من الأصناف المنتشرة حالياً في المشاتل وأفنية المنازل.
ويصف تلك الزهرة قائلاً: «كان الرازقي القديم أقوى وأكثر تماسكاً، وبتلاته تتداخل حول بعضها بشكل جميل، كما كانت رائحته نفاذة وتبقى لأيام حتى بعد أن يصفر لون الزهرة وتجف، أما الرازقي اليوم فهو خفيف جداً وسريع الذبول».

وتقوده الذاكرة إلى مشهد آخر من سنوات مضت، حين كانت سيدات من الدواسر في الدمام، خصوصاً كبيرات السن، يتوجهن إلى القطيف لشراء الرازقي واستخدامه في الزينة والتعطر.
كما يشرح طريقة إكثاره قديماً، موضحاً أن الشتلة تُزرع أولاً في التربة، وبعد نحو أسبوعين يُؤخذ الغصن الأكبر ويُعاد غرسه، وهي طريقة تجعل شتلة واحدة قادرة على إنتاج عدد كبير من النباتات يغطي مساحة قد تصل إلى خمسين متراً مربعاً.

هويةٌ نباتية
يُعد الرازقي من أشهر النباتات العطرية في المنطقة، وينتمي في الغالب إلى نوع الياسمين العربي (Jasminum sambac).
وتتميز أزهاره البيضاء متعددة البتلات برائحة قوية تزداد حضوراً خلال ساعات المساء، ما جعله خياراً مفضلاً للزينة والاستمتاع بالعبير في المنازل والحدائق.

وتتنوع تسمياته بين منطقة وأخرى، فيُعرف أحياناً باسم الفل أو الياسمين، كما تجاوز حضوره المجال الزراعي إلى الأدب والشعر والرواية، حيث استلهمت أعمال عديدة رمزيته وجماله وعلاقته بالمكان.
وخلال جولة ميدانية لـ«صُبرة» في عدد من المشاتل، رُصدت شتلات الرازقي بأسعار تبدأ من 10 ريالات للشتلة الواحدة.

زراعةٌ مزدهرة
ويؤكد المزارع وصاحب أحد المشاتل الزراعية في تاروت، عبدالكريم هلال، أن الإقبال على شراء الرازقي ما زال مرتفعاً، مشيراً إلى أنه من أفضل النباتات العطرية المناسبة للحدائق المنزلية وأكثرها رغبة في القطيف.
ويضيف أن كثيراً من محبي الزراعة يفضلون غرسه بالقرب من المجالس والمداخل، حيث ينتشر عبيره في المكان خلال فترة الإزهار ويمنح الأجواء لمسة من الانتعاش والعطر.

ويبين أن للرازقي موسمين مناسبين للزراعة؛ الأول مع بداية الربيع خلال شهر أبريل، والثاني في أواخر سبتمبر، فيما يبدأ بالإزهار عادة من شهر مايو وحتى أكتوبر.
كما يشير إلى وجود صنفين شائعين؛ أحدهما شجيري يصل ارتفاعه إلى مترين تقريباً مع العناية والتقليم، والآخر متسلق يشبه الياسمين البلدي، وكلاهما يحمل الأزهار البيضاء العطرة ذاتها.
ويحتاج النبات إلى ما بين أربع وست ساعات من التعرض اليومي للشمس، مع ري منتظم، واستخدام سماد متوازن كل أسبوعين خلال موسم النمو، إضافة إلى التقليم بعد انتهاء الإزهار للحفاظ على كثافته وحيويته.

رائحةُ المكان
اليوم يحضر الرازقي بروح جديدة. فبينما انتقلت تفاصيل كثيرة من حياة الأمس إلى صفحات الذاكرة، وجدت هذه الزهرة طريقها إلى مشهد معاصر يليق بها.
فقد انتقلت من عقود الورد التي تزينت بها النساء في الماضي إلى باقات الأعراس الحديثة، لتجاور الورود المستوردة وتمنحها لمسة محلية تحمل رائحة المكان وملامح الربيع.
وهكذا يواصل الرازقي إزهاره بين البساتين والحدائق والمناسبات، محتفظاً بمكانته كواحد من أكثر النباتات ارتباطاً بالذاكرة والعطر والحياة اليومية في القطيف.



