القرآن أولا 7 | الحج أشهر معلومات

الشيخ علي الفرج
قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (البقرة: 197). هذه الآية المباركة من الآيات المحكمة الواضحة الدلالة، التي رسمت الإطار الزماني للحج ببيان جلي لا غموض فيه ولا إبهام.
فقد دلّ ظاهرها على أن للحج ظرفاً زمانياً ممتداً في أشهر مخصوصة معلومة عند المخاطبين، حتى استغنى القرآن عن تسميتها واكتفى بوصفها بأنها “معلومات”، اعتماداً على رسوخ معرفتها في الوعي الديني والاجتماعي للمسلمين.
وكأن الآية تمثل إمضاءً قرآنياً لما كان مستقراً ومجمعاً عليه بينهم من كون الحج واقعاً ضمن ثلاثة أشهر معلومة.
ويرى جمهور أهل السنّة (الشافعية، والحنابلة، والحنفية، ورواية عن مالك) أن “الأشهر المعلومات” هي: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة (أي تسعة أيام والليلة العاشرة التي هي ليلة عيد الأضحى). يُقصد بـ “شهرين وعشرة أيام” أن هذه هي الفترة التي يصح فيها الإحرام بالحج، فمن أحرم قبل الشهرين وعشرة أيام لم يصح حجه، وكذلك بعدها. وخالف مذهب المالكية حيث يرون أن أشهر الحج هي ثلاثة أشهر كاملة.
أما فقهاء الإمامية، فقد استندوا في تحديد أشهر الحج إلى الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، وانتهوا إلى أنها ثلاثة أشهر كاملة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وقد حظي هذا القول بقبول واسع بينهم، بل عدّه السيد الخوئي من أصح الأقوال في المسألة. (موسوعة الإمام الخوئي، مستند العروة الوثقى، كتاب الحج، ج28).
. ونذكر من الأحاديث مثالين على سبيل الشاهد والنموذج، لا على سبيل الحصر:
فمن ذلك ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ قال: «هي شوال وذو القعدة وذو الحجة». (تهذيب الأحكام، ج5، ص24).
وروى أيضاً في الصحيح عنه عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ قال: «والفرض التلبية والإشعار والتقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج، ولا يفرض الحج إلا في هذه الشهور التي قال الله عز وجل: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة». (نفس المصدر)
ومن الواضح أن هذه الرواية – ومسلك مرجعيّة القرآن – ليست في مقام تضييق مدلول الآية أو تقييد امتدادها الزماني، وإنما هي في مقام بيان كيفية تحقق فرض الحج والدخول فيه. والتلبية والإشعار والتقليد ليست حدوداً واجبًا معينًا، وإنما هي مصاديق يتحقق بها فرض الحج ضمن الأشهر الثلاثة التي نصت عليها الآية الكريمة.
وعلى هذا الأساس، فإن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع لم يكن بصدد تعيين هذه الأشهر، ولم يقل ببطلان الحج في يوم آخر في دائرة الأشهر الثلاثة، وإنما كان فعله الشريف تطبيقاً عملياً لبعض الأفراد ويصح أفرادًا أخرى. وكذلك المسلمون من بعده إنما اقتدوا بالرسول (ص) في كيفية أداء المناسك، لا في إنشاء أصل التوقيت الذي ثبت بالكتاب الشريف.
ويُمكن استظهار عدّة أمور مهمّة من هذه الآية الكريمة، منها:
١ – من هنا ينبغي التفريق بين جهتين:
الجهة الأولى: الإطار الزماني العام للحج، وهو ما عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، وهو عنوان يمتد على الأشهر الثلاثة بأسرها.
والجهة الثانية: بعض المناسك الخاصة التي جعل الشارع لها أوقاتاً معينة داخل هذا الإطار العام، كالوقوف بعرفة يوم التاسع، والمبيت بالمزدلفة ليلة العاشر، وأعمال منى في أيام التشريق. فهذه مواقيت تنفيذية لبعض المناسك، وليست تحديداً لأصل زمن الحج ولا حصراً له في أيام معدودة.
٢ – ويؤكد ذلك
أن لفظ “الأشهر” ظاهر عرفاً ولغةً في الامتداد الزماني، ولا موجب لصرفه إلى معنى الأيام أو حمله على بعض أجزاء الزمن دون بعض. كما أن الروايات الواردة في المقام جاءت لتفسير المراد من الأشهر المعلومة وتعيين مصداقها الخارجي، لا لتخصيص الآية أو رفع اليد عن ظهورها.
ومن هنا كانت كلمات أهل البيت عليهم السلام تأكيداً لما كان معلوماً بين المسلمين، وتثبيتاً للمفهوم القرآني، لا إنشاءً لحكم جديد خارج دائرة النص الكريم.
٣ – من المعلوم عند فقها الإماميّة
أنّ المراد بأشهر الحج هي: شوّال وذو القعدة وذو الحجّة، إذ يبدأ زمن عمرة التمتّع بدخول شهر شوّال، كما أنّ طواف الحج يمتدّ إلى أواخر ذي الحجّة. وعلى هذا الأساس حدّدوا أشهر الحج بهذه الأشهر الثلاثة، ولكنهم قيدوا يوم عرفة ومزدلفة ومنى.
غير أنّ التأمّل في ظاهر الآية المباركة يكشف أنّها وردت بصيغة الإطلاق في كل الأعمال، من دون تقييدٍ لبعض أيّام هذه الأشهر دون بعض. ومن هنا لا يظهر وجه لتقييد هذا الإطلاق بالروايات، بناءً على عدم قبول أصل القاعدة القائلة بتقييد إطلاق الآية القرآنية بخبر الرواية في مثل هذا المورد. فإذن يبقى إطلاق الآية على حاله، فيكون الحج مشروعًا في جميع أيّام أشهر الحج من أوّلها إلى آخرها، من غير موجب لتخصيص بعضها دون بعض.
٤ – قد يستدل بطلان الحج
في غير ما اعتاد عليه الناس، فبقوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (التوبة – ٣). فيقال: إن التعبير بـ”يوم الحج الأكبر” يدل على أن الحج منحصر في يوم معين، سواء أريد به يوم عرفة أو يوم النحر.
والجواب أن الآية ليست واردة في مقام بيان زمن الحج وحدوده، وإنما وردت في سياق إعلان البراءة من المشركين وإبلاغ هذا الحكم إلى الناس. فمحور الكلام هو الأذان والبلاغ، لا تحديد مدة الحج. فلا دلالة فيها على حصر الحج في يوم واحد لجميع الحجاج.
بل يحتمل أيضاً أن يكون عنوان “يوم الحج الأكبر” عنواناً إضافياً يصدق على اليوم الذي يبلغ فيه الحاج ذروة أعماله وأهم مناسكه، فيختلف باختلاف الحجاج.
وعلى أي حال، فليست الآية في مقام تقييد قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، فلا تصلح لمعارضة ظهوره الواضح في الامتداد الزماني للأشهر الثلاثة.
٥ – وقد يستدل
بقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ (البقرة – ٢٠٢). فيقال: إن التعبير بالأيام المعدودات يناسب كون الحج أياماً محدودة لا أشهراً ممتدة.
والجواب أن الآية ناظرة إلى كل حاج بمفرده لا بمجموع الحجاج في يوم معين، ولا سيما أن هذه الاية بتحديد الحضور بمنى، كما يشهد له قوله تعالى بعدها: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾.، فهي تتحدث عن ظرف تلك الأعمال الجزئية للحاج، لا عن مجموع المدة التي يصدق عليها عنوان الحج.
وبعبارة أخرى: لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وبين قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾، لأن الأولى في مقام بيان الظرف الزماني العام للحج، بينما الثانية في مقام بيان ظرف بعض المناسك الواقعة ضمن ذلك الإطار العام. ومع اختلاف الموضوع يرتفع توهم التعارض من أساسه.
والحاصل أن الأصل القرآني المحكم هو أن الحج واقع ضمن ثلاثة أشهر معلومة، نص عليها القرآن بعنوان واضح لا لبس فيه. وأما الأيام الخاصة الواردة في بعض الآيات أو التي دل عليها التطبيق العملي للمناسك، فإنما هي مواقيت لبعض الأعمال الداخلة في الحج، لا أنها ناسخة لهذا الأصل القرآني أو مقيّدة لإطلاقه.



