خطيبة ومعلمة سبقت جيل الـ آي باد الملٌاية زهراء الزاهر.. نبتت في العوامية وأثمرت في البحاري

القطيف: ليلى العوامي
حين تستعيد زهراء آل زاهر طفولتها، تبدأ الحكاية بالماء.
تعود بذاكرتها إلى مسورة العوامية، حيث كانت طفلة تركض بين الأزقة الضيقة، وتعبر السوابيط نحو العيون القديمة؛ الجوهرية والربيانة والطيبة والصغيرة، فيما تتوسط المسورة عين المسيونة التي ارتبطت بذكريات الطفولة والصديقات وأيام السباحة الأولى.
كانت المسورة آنذاك عالماً قائماً بذاته. سور عظيم يحيط بالمنازل، وبرج للمراقبة، وبوابة وحيدة يدخل منها الناس ويخرجون. هناك ولدت زهراء لأب يكافح من أجل أسرته، وأم عصامية آمنت بأن التعليم هو الطريق الوحيد لمستقبل أفضل لابنتها.

ولأن زهراء جاءت بعد محاولات حمل لم يكتب لها الاكتمال، أحاطتها والدتها بعناية خاصة، وأرسلتها إلى إحدى أشهر معلمات القرآن في العوامية، وهي السيدة الكفيفة خاتون بنت سيد جواد.
لم تمض سنوات طويلة حتى أصبحت الطفلة المتفوقة تقرأ للنساء في منازل المسورة، وتجلس ساعات طويلة مع معلمتها التي رأت فيها مشروع قارئة واعدة.
طفلة في حافلة العرس
لكن الحياة كانت أسرع من طفولتها.
في التاسعة من عمرها تزوجت من عدنان الخضراوي، وانتقلت ليلة زفافها إلى البحاري.
لا تتذكر من تلك الليلة تفاصيل كثيرة بقدر ما تتذكر فرحتها بركوب حافلة أرامكو ذات المقاعد الخشبية.
وتضحك وهي تستعيد المشهد قائلة إنها كانت طفلة سعيدة بالرحلة أكثر من إدراكها لمعنى الزواج نفسه.
هناك بدأت حياة جديدة تماماً.
الصنادق التوازي
في البحاري لم تكن الحياة سهلة.
بعد وفاة زوج والدة زوجها اضطرت الأسرة إلى مغادرة المنزل، فبنت مسكناً من الخشب والصفيح وسط النخيل، فيما كانت زهراء، وهي في الخامسة عشرة تقريباً، تقطع الطريق يومياً إلى عين التوازي لجلب الماء.

في ذلك المنزل البسيط أنجبت أبناءها وبناتها، وعاشت سنوات ارتبطت فيها تفاصيل الحياة بالنخيل والسقيا ومواسم الزراعة.
تتذكر ولادة ابنتها بتول في صباح يوم كان المزارعون يسقون فيه النخيل، في زمن كانت فيه دورة المياه الزراعية تنظّم إيقاع الحياة اليومية للناس.
تبحث عن قارئة
في تلك السنوات لم تكن البحاري تعرف وفرة المجالس النسائية التي تعرفها اليوم.
كانت القارئات قليلات، والتعليم محدوداً، والكتب نادرة.

التقت زهراء بسيدة من الخويلدية تُدعى فاطمة الأمرد، وبدأت معها أولى المحاولات لإحياء القراءة بين نساء البلدة.
اقترحت إقامة مجلسين أسبوعيين؛ يوماً لها ويوماً للأخرى.
سرعان ما تحولت المبادرة الصغيرة إلى نقطة جذب للنساء اللواتي كنّ يأتين من أنحاء البلدة، بحثاً عن مجلس قريب، وعن قارئات من بنات المنطقة.
ومع مرور الوقت توسعت التجربة، وتعاونت مع سيدات أخريات حتى أصبحت البحاري تضم عدداً من المجالس النسائية المنتظمة بعد أن كانت تعتمد على قارئات يأتين من خارجها.
المؤلفة والمحررة
لم تكن المشكلة في القارئات فقط. الكتب قليلة، والمطابع بعيدة، وبعض المناسبات تأتي بلا نصوص جاهزة. عندها لجأت زهراء إلى الكتابة بنفسها.
بدأت تؤلف النصوص والرداديات المطلوبة للمناسبات المختلفة، محاولة سد النقص المتكرر في المواد المتاحة آنذاك.

كان ذلك واحداً من أشكال الاجتهاد الشعبي الذي اعتمدت عليه المجتمعات المحلية قبل انتشار الطباعة والنسخ الحديثة.
ظلال النخيل
بعيداً عن المجالس، وجدت زهراء نفسها أمام مهمة أخرى. فتحت منزلها لتعليم الأطفال. بدأ الأمر مع أبناء العائلة، ثم توسع ليشمل أبناء الجيران وأطفال البحاري.
كانت تعلمهم الحروف والهجاء والقراءة والكتابة، مستفيدة مما تعلمته في طفولتها.
جلس عشرات الأطفال أمامها على مدى سنوات طويلة، بعضهم أصبح لاحقاً معلمين وخطباء وموظفين وأصحاب مهن مختلفة.
ومن بين من تتلمذوا على يديها شخصيات ما تزال تتذكر دقتها في التعليم، وإصرارها على إتقان الصفحة قبل الانتقال إلى الصفحة التالية، وهدوءها في معالجة أخطاء الطلاب.
سعف النخيل
تروي زهراء جانباً يكاد يكون مجهولاً من تاريخ التعليم الأهلي. فالطالب لم يكن يحمل دفتراً أو قلماً كما هو الحال اليوم.
كان يحمل كربة من سعف النخيل تُستخدم لوحاً للكتابة، وقوضياً من الطين والجص يتحول إلى حبر، بينما تُصنع الأقلام من أجزاء النخلة نفسها.
وكان تعلم كتابة “بسم الله الرحمن الرحيم” يستغرق مراحل طويلة من التدريب على الحروف والحركات والإعراب. أما يوم الأربعاء فكان مخصصاً لتحسين الخط.
إنها تفاصيل تبدو بعيدة جداً عن عالم الأجهزة اللوحية والشاشات الرقمية، لكنها كانت أساس التعليم الأول لأجيال كاملة.
خياطة وحناء وأسفار
لم تتوقف حياة زهراء عند التعليم. فقد عملت في الخياطة، وكانت تجلب الأقمشة من الكويت خلال رحلات العودة من العراق، وتتابع أحدث الأقمشة والعباءات المتوافرة آنذاك.

كما احترفت نقش الحناء للعروس، وعملت في التجميل النسائي في زمن لم تكن فيه صالونات التجميل قد انتشرت بعد.
وهكذا تنقلت بين أدوار متعددة؛ معلمة، وقارئة، وخياطة، ومؤلفة، وامرأة تدير شؤون أسرتها الكبيرة التي ضمت اثني عشر ابناً وابنة.
ذاكرة مكانين
في حديثها لا تفصل زهراء بين العوامية والبحاري. فالأولى منحتها طفولة العيون والسوابيط والمعلمات الأوليات، والثانية منحتها النخيل والتوازي والتعليم والعمل العام.
وبين المكانين تمتد سيرة امرأة تختصر جانباً من التحولات الاجتماعية التي عاشتها قرى القطيف خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ حين كان الماء يُجلب من العيون، والتعليم يُقام في البيوت، والنساء يصنعن بأيديهن شبكات المعرفة والتكافل التي بقي أثرها في أجيال لاحقة حتى اليوم.



