أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولًا 8 | العقائد الإمامية أم العقائد القرآنية؟

محرر صُبرةالجمعة 12 يونيو 2026، 1:00 م
القرآن أولًا 8 | العقائد الإمامية أم العقائد القرآنية؟

الشيخ علي الفرج

من أهمّ ما تفتقر إليه البحوث العقدية هو إرجاع مسائل الاعتقاد إلى الضابط القرآني، باعتباره هو المحور والمرجع الأعلى والميزان الحاكم في إثبات الأصول ونفي الدعاوى؛ إذ هو الحجّة الإلهية الباقية، والفرقان الذي تعرض عليه المعارف والآراء، فما وافقه أُخذ به، وما خالفه أو عارض ظهوره أُعيد النظر فيه.

وإنّ كل دعوى عقدية لا بدّ أن توزن بميزان القرآن ومحكماته وقواعده الكلية، ولا يكفي في كونه من ضروريات المذهب أو الدين أو التسالم أو الروايات المتواترة أو المشهورة أو شيوع القول بين العلماء؛ فإنّ الحجّة ـ عند الله تعالى ـ إنّما هي ما دلّ عليه كتابه فقط.

ولعل من اللافت أنّ كثيراً من المصنّفات الكلامية حملت عناوين من قبيل: «العقائد الإمامية»، أو «العقائد الإسلامية»، أو «في رحاب العقيدة»، ونحو ذلك، مع أنّ الأمر في حقيقته ينبغي أن يكون عن «العقيدة القرآنية»؛ لا بمعنى إقصاء تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما لأنّهم أنفسهم جعلوا القرآن المرجع الأعلى، وأكدوا مراراً عرض الأخبار عليه، كما ورد عنهم (عليهم السلام): (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)، فهم أهل القرآن الناطق، وحملة بيانه، ويصح بعد ذلك أن أهل البيت (ع) هم قرآنيون حقًا.

وإذا بنينا على أنّ الآيات المحكمة هي الأصل الأصيل لزم أن تكون الروايات تابعة له في الفهم والاستدلال، لا حاكمة عليه ولا رافعة لظهوراته المحكمة. فالأخبار ـ مهما بلغت من حيث التسالم أو الشهرة أو دعوى التواتر ـ إنّما تؤيد في ضوء الكتاب وتعرض على موازينه، ولا العكس.

مثالان من مئات الأمثلة

سنعرض في هذا المقال المثال الأول، ونؤجل المثال الثاني إلى مقال لاحق. ومن الموارد التي تطرح في هذا السياق ما اشتهر من أخبار رد الشمس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أو حبسها ليوشع بن نون (عليه السلام).

فإنّ ظاهر القرآن لا يساعد على ذلك، بل يظهر معارضته لثبوت النظام الكوني وانتظامه، كما في قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40].

والظاهر أنّ الآية كناية عن بيان سنة كونية مطّردة لا يحيد ولا يتوقف، ويشهد لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، الدالّ على دوام النظام وجريانه وفق التقدير الإلهي.

والمستفاد من قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أنّ ذلك سنة تكوينية جارية أبدًا، تكشف عن دقّة هذا النظام الكوني وثباته، وأنّ حركة الأجرام السماوية تسير وفق نظام محكم لا يعتريه الاضطراب أو الاختلال أو توقّف أو رجوع.

وقد يقال: إنّ قدرة الله تعالى مطلقة لا يعجزها شيء، وإنّ الآية ناظرة إلى النظام الاعتيادي للكون، أمّا خوارق العادات والمعجزات فهي خارجة عن دائرة السنن المألوفة، والله سبحانه إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون. ويُستشهد لذلك بما أثبته القرآن من المعجزات كإحياء الموتى على يد عيسى (عليه السلام)، وانفلاق البحر لموسى (عليه السلام)، وغير ذلك من الآيات الباهرات.

والجواب يرتكز إلى ثلاث جهات أساسية:

الأولى:

أنّ البحث ليس في أصل القدرة الإلهية؛ فإنّ الإيمان بأنّ الله تعالى على كلّ شيء قدير من أوضح ضرورات القرآن، ولا ينازع فيه مؤمن. وإنّما الكلام في أنّ القرآن هل دلّ على وقوع مثل هذا التغيير في النظام الكوني أم لا؟

فهناك فرق بيّن بين إمكان الشيء في نفسه لكونه داخلاً تحت القدرة الإلهية، وبين ثبوت وقوعه بدليل قرآني مفترض.

فالقدرة الإلهية شيء، وإثبات وقوع المقدور شيء آخر. والظاهر من الآية أنّها في مقام بيان سنة كونية مطّردة، لا في مقام القدرة الإلهية النافدة أن يمحو هذا الكون أو يبدله بين حين وآخر.

الثانية:

أنّ رفع اليد عن هذا الظهور القرآني لا بدّ أن يستند إلى دليل قرآني مماثل في الحجّية والوضوح، ولا يكفي في ذلك التمسك بأخبار وقع الكلام في ثبوتها أو دلالتها، ولا سيّما إذا بدت غير منسجمة مع السياق العام الذي ترسمه الآيات في بيان انتظام النظام الكوني واستمراره.

الثالثة:

أنّ التشكيك في أخبار ردّ الشمس ليس أمراً مستحدثاً لنا، وإنّما ذهب إليه بعض الباحثين والعلماء، ومنهم السيد هاشم معروف الحسني، حيث عدّ هذه الروايات من موضوعات الغلاة،

وقال: «هذه الروايات من موضوعات الغلاة، وهي إما من الأخبار التي دسّها أصحاب المغيرة بن سعيد في كتب أصحاب الباقر، أو مما دسّه أصحاب أبي الخطاب في كتب الصادق وجعلوا لها أسانيد من أصحاب الأئمة» (الموضوعات في الآثار والأخبار، ص260).

والحاصل: أنّ القرآن يبقى الأصل الأول والآخير في العقائد، والمحكّ الذي تُوزن به الروايات والأقوال. فما انسجم مع محكماته قُبل، وما عارض ظواهره الواضحة استوجب التوقّف، إذ لا يعلو على سلطان القرآن شيء في مقام بناء العقيدة وتمييز الحق من الباطل.