الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

​99 عاماً.. مفقود في القطيف عُثر عليه في البحرين

صُبرةالخميس 18 يونيو 2026، 9:00 ص
​99 عاماً.. مفقود في القطيف عُثر عليه في البحرين

​القطيف: معصومة المقرقش

​ما بين سنة 1345 وسنة 1444 فارق زمني هائل قوامه 99 سنة..!

هذا الرقم هو الفاصل الزمني بين تاريخ وفاة الشاعر الملا عبدالله بن علي بن علي المادح — الذي غيّبه الموت عام 1345هـ عن عمر ناهز الستين عاماً — وتاريخ العثور على ديوانه الذي اختفى أثره منذ رحيل الشاعر..!

​فقد الأثر الأدبي الأبرز للشاعر في القطيف السعودية؛ وعُثر عليه في مملكة البحرين..

​هذا هو الملخص؛ وإليكم التفاصيل، مسرودة عن حفيد الشاعر شخصياً؛ الشاعر علي المادح.

الصفحة الأولى وفيها نصوص تملك عامي 1355 هـ، و1399 هـ، وتاريخ استرداد المخطوطة في 2023م.

​رحلة أطول من المسافة

​تحتاج بعض الكتب إلى أسابيع لتصل من مدينة إلى أخرى. أما ديوان الشاعر والخطيب القطيفي الملا عبدالله المادح فاحتاج 99 عاماً ليعود إلى أهله ومسقطه… ​تلك هي المفارقة الأولى.

​أما الثانية، فتتمثل في أن المسافة بين القطيف والبحرين لا تتجاوز رحلة قصيرة عبر البحر، بينما أمضى الديوان قرابة قرن متنقلاً بين الأيدي، والمكتبات الشخصية، والذكريات، وعلاقات المصاهرة الممتدة في شرق الجزيرة العربية، قبل أن يُعثر عليه هناك ويعود إلى موطنه الأصلي الذي خرج منه، لتبدأ عائلة المادح في تحقيق أثره ونشره للعموم؛ التزاماً بوصايا وشروط دينية وثقافية بارزة اشترطت طباعة الأثر مقابل استرداده.

ذاكرة مفقودة

​خلال العقود الطويلة التي أعقبت وفاة الملا عبدالله المادح سنة 1345هـ، رحل الشاعر نفسه، ورحل أبناؤه وأحفاده المعاصرون له، ورحل أشخاص كثيرون كانوا يعرفون بوجود الديوان أو سمعوا عنه أو تداولوه بين أيديهم أو أوصوا بالبحث عنه.

​ومع كل وفاة كانت قطعة من الحكاية تتوارى وتغيب، حتى بدا أن الأثر الأدبي الأهم للشاعر — الذي يختزل حركة أدبية كاملة لشرق الجزيرة العربية وعلاقاتها بمراكز العلم في النجف وكربلاء والحلة — يسير هو الآخر نحو النسيان، ليبقى اسم المادح مُعلّقاً في سيرة ترحاله بين القرى الأربع، وفي كتاب «شعراء القطيف» للعلامة الشيخ علي المرهون الذي خلّد ذكره وذكر خطابتها الفريدة، ومؤلفه الآخر في أحوال أهل البيت «سلوة الأخلاء»، وشعره الذي طالما ردده الواعون:

​جَلَّ خَطبٌ عَرَا الوُجُودَ كُدُورَا

يَا مَلِيكَ الأَقدَارِ عَجِّل ظُهُورَا

​ولكن المفارقة الثالثة جاءت من حيث توقع الجميع أو تفاجأوا بها؛ فبينما كانت رحلة البحث تقترب من طريق مسدود بعد سنوات من السؤال والتقصي ومراجعة المكتبات الخاصة والصناديق القديمة، قادت مصادفة في البحرين إلى اكتشاف أن النسخة الأصلية ما زالت موجودة، وأنها نجت من الضياع الذي ابتلع كثيراً من تراث المنطقة المكتوب. وكانت العودة بمثابة استرجاع كتاب قديم واستعادة جزء غني من ذاكرة ثقافية كاملة.

​وظل اسم الديوان يظهر بين حين وآخر في أحاديث المهتمين بالأدب والتراث. وكان الأديب الراحل الشيخ عبدالمجيد أبو المكارم من أكثر الذين أثاروا السؤال وألحّوا به حول مصيره، إذ ظل يسأل الحاج مهدي بن سعيد المادح عن ديوان عمه الشاعر، وعن إمكان العثور عليه وإعادة نشره.

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

​ومع تكرار السؤال تحول الأمر من أمنية ثقافية إلى مهمة عائلية وأمانة علمية، ليتولى الشاعر علي المادح مهمة التتبع والبحث ميدانياً بتوجيهٍ من والده الحاج مهدي (ابن أخ الشاعر صاحب المخطوطة).

​كما أكد الملا حسن الباقر في وقت لاحق معرفته بوجود نسخة من الديوان في مرحلة سابقة، ما عزز القناعة بأن المخطوط موجود في مكان ما ومحفوظ من الاندثار.

مهمة عائلية

​احتفظ مهدي المادح بذكرى قديمة تعود إلى طفولته، حين شاهد الديوان الأصلي محفوظاً لدى زوجة جده سعيد المادح -وهي خالة والده- وبعد وفاتها انتقلت مقتنياتها إلى الورثة من أبناءها من آل المهنا، واختفى الديوان بين ما انتقل من كتب وأوراق ومخطوطات… ​ومن هنا بدأت رحلة التتبع.

​تحولت الروايات الشفهية المتوارثة بين أفراد الأسرة جيلاً بعد جيل إلى خيوط بحث حقيقية، وانتقلت المسؤولية من جيل إلى آخر أملاً في العثور على المخطوط المفقود.

المرحوم الشيخ عبد المجيد أبو المكارم – سيهات

​تتبع الأثر

​قادت بعض الخيوط الأولى إلى مكتبة عائلية آلت إلى الملا طاهر المهنا، ثم إلى ابنه أحمد, ثم إلى حفيده محمد. جرى التنسيق عبر حسن بن مهدي الجنبي، وفُتحت الصناديق القديمة المغلقة لسنوات، وفُحصت محتويات المكتبة كاملة في رحلة فحص شاقة على يد الشاعر علي المادح، وتبيّن خلوّها من الديوان في ذلك الوقت.

​انتهى خيط، وبدأ آخر.

​لاحقاً ظهرت معلومة تفيد بأن الملا حسن الباقر كان يملك نسخة من الديوان. وعندما جرى التواصل معه أكد معرفته بوجودها في مرحلة سابقة، إلا أن انتقال مكتبته وتوزع محتوياتها وتشتتها بين منزله القديم والجديد ومستودع آخر جعلا العثور عليها أمراً متعذراً حتى وفاته.

​ومع كل محاولة كانت صورة الديوان تزداد غموضاً. الجميع سمع عنه، وكثيرون رأوه في وقت ما، وكان مكانه النهائي مجهولاً لدى الجميع.

المرحوم الملا حسن الباقر ـ حلة محيش

​إشارات من البحرين

​بعد سنوات من البحث ظهرت إشارات متفرقة ومختلفة أضاءت عتمة البحث وتفيد بوجود نسخة من الديوان في البحرين.

​وتحدث الباحث نزار العبدالجبار عن نسخة مطبوعة طباعة حجرية هناك، وتزامن ذلك مع اهتمام الباحث لؤي آل سنبل بتراث الملا عبدالله وتحقيق نسبة بعض قصائده. ثم وصلت معلومة أخرى عبر أحمد العبدالله تفيد بأن إحدى النسخ موجودة لدى أحد مشايخ البحرين متبوعة برقم هاتفه.

​جرى التواصل وتحدد موعد للقاء، غير أن جائحة كورونا وإغلاق الحدود أوقفا كل شيء، فعاد الملف إلى الانتظار مرة أخرى.

​بعد إعادة فتح الحدود وتكرر التأجيل، استؤنف البحث بنبض ميداني؛ وسافر الشاعر علي المادح برفقة شقيقه الأكبر الحاج سعيد إلى البحرين أملاً في إنهاء ملف استمر سنوات طويلة.

السيد علوي عرب الشهركاني- البحرين

​المصادفة الحاسمة

​هناك، وقعت المصادفة التي أنهت رحلة البحث كلها وغيّرت مجرى القصة.

​فخلال مشوار عابر وعادي لاستلام مركبة من ورشة صيانة، كان الشاعر علي المادح برفقة علي العويناتي، الذي لاحظ انشغاله المتكرر بالاتصالات الهاتفية والملحّة والاستفسارات المتعلقة بالديوان.

​عندما استمع إلى القصة كاملة وعن صلة قرابته بالشاعر الشاهد على العصر، كانت المفاجأة فورية وتلقائية؛ إذ أخبره أن شقيقه المحقق الشيخ ماجد العويناتي يملك النسخة الأصلية نفسها، وأنه اطلع عليها ورآها عنده منذ سنوات، ​أُجري اتصال هاتفي في اللحظة نفسها، وجاء الرد حاسماً.

​أكد الشيخ ماجد العويناتي أن المخطوط موجود لديه بالفعل، وأنه استعار النسخة قبل أكثر من ست سنوات من الخطيب المعروف السيد علوي العرب الشهركاني بقصد دراستها وتحقيقها.

الشيخ ماجد العويناتي

​وبعد بحث قصير وسريع بين رفوف مكتبته عثر عليها، ودعاهم للحضور فوراً. ​وفي ساعات قليلة انتهت رحلة بحث استمرت عقوداً.

التقييدات

​واستمرت المفاجآت عند هذا الحد، فالصفحة الأولى من المخطوط كانت تحمل سجل سفره الطويل وتاريخه المادي والتداولي عبر تملكين واضحين؛ إذ أظهر التقييد الأول في وسط الصفحة تملك السيد ناصر بن سيد محمد بن سيد حسن المشهور كافي سنة 1355هـ (الموافق شباط/ 25 شعبان)، بينما دُوّن أسفله بصيغة أخرى التملك الثاني الذي يُثبت خروجه ودخوله في ملكية علوي بن سيد علي بن سيد أحمد الموسوي البحريني الشهركاني بتاريخ 21 محرم 1399هـ تقريباً.

​كما أوضحت التدوينات اللاحقة أن المخطوط عاد إلى أسرة المادح في مايو 2023م بعد غياب طويل بموافق كريمة من السيد علوي الشهركاني الذي أهداه للعائلة بشرط طباعته.

صفحة من المخطوطة مكتوبة بخط نَسخي واضح

​كيف وصل إلى البحرين؟

​كشفت زيارة لاحقة للسيد علوي الشهركاني قام بها الشاعر علي المادح جانباً آخر من الحكاية.

​فقد أوضح أن المخلوط وصل إلى أسرته قديماً كهدية من الملا جاسم زكريا في حلة محيش.

​وهنا التقت وتلاقت الروايات الشفهية التي احتفظت بها الأسرة طوال عقود مع الشواهد المكتوبة الموجودة داخل المخطوط نفسه؛ حيث استحضرت والدة الشاعر علي المادح في وقت سابق صلات النسب والعلاقات القديمة التي جمعت الملا طاهر المهنا بالملا جاسم زكريا.

​ولاحقاً قرر الشهركاني التنازل عن المخطوط وإهداءه إلى أسرة المادح بواسطة الشيخ ماجد العويناتي، لتكتمل بذلك رحلة العودة بعد 99 عاماً من وفاة صاحب الديوان.

​362 صفحة من الأدب

​المخطوطة العائدة إلى القطيف عبارة عن عمل تاريخي مادي ضخم وكبير يقع في 362 صفحة بقياس (24.5 × 18 سم). وقد نسخها سنة 1340هـ الملا علي الرمضان، وهو أحد أبرز وأشهر خطاطي القطيف، ومعلمي الكتّاب في زمانه، الذي حظي بثقة العلماء والخطباء لنسخ دواوينهم.

​وتتجاوز قيمة المخطوط شعر مؤلفه وحده لتشمل محتويات إضافية غنية.

​فقد رتب الملا عبدالله المادح كتابه على هيئة فنية صاغها في «روضات» ودوائر وخاتمة، وجمع فيه قصائده إلى جانب مختارات انتخبها بعناية من الشعر الفصيح والنبطي (الشعبي) والمراثي الحسينية والملاحم والنصوص الأدبية المتداولة في عصره.

حرْديّة (خاتمة) المخطوطة بخط الملا الرمضان في عصر يوم الجمعة 21 جمادى الأولى سنة 1340 هـ

مختارات شعرية

​خصص المؤلف بعض أقسام الكتاب لمختارات من شعر كبار الشعراء، ومن أبرزهم: ​السيد حيدر الحلي، ​ابن الكواز، ​السيد جعفر، ​ابن الأعسم. ​كما أورد عددًا من القصائد دون نسبة.

​أكثر من ديوان

​ينظر الباحثون إلى «كنوز الفوائد المنظومة» بوصفه أكثر من ديوان شخصي، فهو سجل أدبي يوثق ذائقة مجتمع كامل، ويوثق جانباً من الحياة الثقافية والاجتماعية في القطيف وشرق الجزيرة العربية خلال أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرحمن عشر الهجريين، كما يقدم صورة واضحة للذائقة الأدبية والاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك العصر قبل أكثر من قرن.

​العودة الأخيرة والختام

​وفي الساعة الثانية والربع فجر يوم الأحد الأول من ذي القعدة 1444هـ، الموافق 21 مايو 2023م، عاد المخطوط ووصلت النسخة أخيراً لتستقر في منزل الحاج مهدي بن سعيد المادح (منزل أسرة المادح).

​وهنا اكتملت المفارقة الاستثنائية الأخيرة والدائرة الزمنية في القصة.

​فالمخطوط الذي خرج قبل نحو تسعين عاماً من بيت سعيد المادح الجد، عاد ليستقر في بيت سعيد المادح الحفيد (الشاعر علي المادح)، في ليلة وافقت تماماً يوم ميلاده ودخوله عامه الخامس والأربعين.

​أما الشاعر الملا عبدالله المادح، الذي ترك وراءه ديواناً شارف على الضياع الأبدي، فقد عاد اسمه إلى الواجهة من جديد؛ متجسداً في الأثر المادي والمخطوط نفسه الذي كتبه وجمعه قبل أكثر من قرن، ليُبعث من جديد بعد انتظار دام تسعين عاماً، حاملاً معه ذاكرة أدبية نجت من الضياع، وقصة بحث امتدت بين القطيف والبحرين وانتهت بعودة «كنوز الفوائد المنظومة» إلى أهله من جديد.

بلدات:القطيف