الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

فكيف أنسى.. وهل تنسى دجلةُ فراتَها؟

صُبرةالأحد 14 يونيو 2026، 7:35 م
فكيف أنسى.. وهل تنسى دجلةُ فراتَها؟

عبدالله أبو رشيد

“كتبتُ هذا بصوتِ دجلة.. وشجنِ الفرات”

إضاءة: في بهو الفنادق الحديثة، حيث يمتد الرخام البارد، قد تفقد الأماكن أحياناً أرواحها. لكن، ثمة ذاكرة عصية على الشيب، تحرس شباب اللحظات وتستدعي دفء الطين والرضا العتيق من أزقة الكاظمية وضفاف دجلة والفرات، لتعيد رسم ملامح وفاء عمره خمسون عام ونيف.

برودة الرخام.. ودفء الطين

قبل ثلاثة أعوام، كنت أجلس في بهو أحد فنادق الكاظمية الفخمة. كان المكان غارق في مظاهر الترف والأناقة, لكنه بدا بارد في روحي؛ يفتقد شيئ من دفء “خان السِّمَجْ” العتيق ورحابته. ذلك الخان الذي كانت كل زاوية فيه تروي حكاية من شظف العيش وقسوته، غير أن الرضا كان يملأ قلوب ساكنيه، والطهر يفيض من نفوس أولئك الذين خدموا الزائرين بمحبة خالصة، لا ينتظرون جزاء ولا شكورا.

كنت غارق في تلك الذكريات، أتنقل بين تفاصيلها كمن يعبر أزقة الزمن، حتى قطع شرودي صديقي الحاج أبو زكي محمد اسماعيل قائلاً: “ما بالك شارد الذهن يا أبا علي ؟”. فأجبته وقد غلبني الحنين: “أشتاق إلى رؤية خان السِّمَجْ”. ولم يتردد؛ نهض بوفائه المعهود، وأخذني في رحلة بحث عن المكان، نسأل هذا وذاك، ونتتبع ما بقي من ملامح زمن أحببناه وتعاهدنا ألا ننساه.

حنين يقابله أطلال

وفي غمرة البحث والسؤال، وصلنا إلى المبتغى، لكن الصدمة كانت بانتظار الحنين؛ لقد وجدنا السِّمَجْ.. ولم نجد الخَان!

كان سوق السمك وحركته قائمين في جغرافيا المكان، أما البناء العتيق الذي لمّ شملنا وقاسمنا فيه الطيبون خبز الأيام والرضا، فقد غاب واندثر. وقفنا هناك، حنينٌ جارف في الصدور يقابله أطلالٌ صامتة، ومبانٍ حديثة غيّرت ملامح الركن الدافئ، وغاب عنها أهلها الذين كانوا يمنحونها الروح والمعنى.

بوارح السنين.. ولم تكن جوارح

ورغم غياب البناء، لا يزال ذلك الشعور غضّ طريّ في داخلي، كأنه وُلد بالأمس. خمسون عام ونيف مضت بحساب السنين والفصول، وتعاقبت خلالها البوارح برياحها القاسية، لكنها حين مرّت على القلب لم تكن جوارح؛ لم تنل من تلك الصور الجميلة الراسخة في الذاكرة، بل زادتها صفاء ونقاء.

فكيف أنسى؟ وهل تنسى دجلةُ فراتَها حين يلتقيان في مجرى واحد؟

لقد حملت الأيام أولئك الطيبين من الناصرية، من ضفاف الفرات، إلى الكاظمية حيث دجلة. وهناك امتزجت حكاياتهم بالمكان حتى أصبحوا جزء من روحه وتاريخه. كانت الخانچية وبناتها، علياء ولطيفة، صورة صادقة لهذا الامتزاج الجميل؛ بين الجنوب الذي أنجبهم والكاظمية التي احتضنتهم.

في محراب الإمامين.. الخدمة عبادة

كنّ صغيرات في العمر، كبيرات في الخلق والشموخ. لم يكنّ مجرد رفيقات طفولة على سطح الخان، بل كنّ دليلاتنا إلى أنوار الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام). وعلى أيديهن تعلّمت خطواتي الأولى نحو المقام، ومنهن تلقيت آداب الزيارة ومعانيها. ولم تكن خدمة الزائر عند أهل الخان عمل يُبتغى منه الكسب، بل عبادة خالصة وقربة إلى الله؛ يستقبلون الوافدين بالمحبة والترحاب, ويؤدون واجبهم بصمتٍ نبيل، تاركين أجرهم عند الله.

واليوم أغتسل بذكراهن كما اغتسلت يوماً بماء دجلة قبل التوجه إلى الضريح. ومهما تقدمت السنون، وتبدلت الأمكنة، وفقدت الجدران معناها برحيل أهلها، واستحالت أطلال صامتة لا خانچية فيها، تبقى تلك الصور فتية في الذاكرة، عصيّة على الذبول.

الوفاء الثابت

فالذاكرة تحرس شباب اللحظات، وإن شاخ العمر.

ولهذا، كلما استعدت تلك الأيام، لا أرى مكانين منفصلين، بل أرى نهرا واحدا تشكّل من التقاء نهرين؛ فرات الناصرية الذي جاءوا منه، ودجلة الكاظمية الذي عاشوا على ضفافه.

وكما لا تنسى دجلةُ فراتَها إذا التقيا، لا ينسى القلبُ أولئك الذين تركوا فيه أثرا من المحبة والوفاء والطهر.