هل تسرق السوشال ميديا درجات أبنائنا؟

كفاح بنت حسن المطر
بريق شاشات الأجهزة الذكية، وأضواء أيقوناتها المتلألئة، وبرامجها الساحرة، وإعلاناتها الخلابة، ومحفزاتها الذهنية المصممة بعناية فائقة لجذب الانتباه والاحتفاظ به لأطول وقت ممكن… عالم رقمي آسر، استحوذ على اهتمامات أبنائنا، حتى انتقل تدريجيًا من دائرة الرفاهية والكماليات إلى دائرة الأولويات اليومية.
ومع حلول موسم الاختبارات، يحتدم الصراع، وتدور رحى معركة يومية بين كثير من أولياء الأمور وأبنائهم؛ بسبب انغماسهم الشديد في مشاهدة برامج الهواتف الذكية، والألعاب الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي. مدّ وجزر لا ينتهي مداه، لذا يلجأ الآباء إلى المنع المباشر أو المصادرة الكاملة للأجهزة، لتبدأ بعدها موجة من الجدل والعناد. لكن السؤال الأهم: هل الأزمة في الأجهزة، أم في أسلوب إدارتنا لها؟
مما لا شك فيه أن تطبيقات التواصل والألعاب الحديثة قد صُممت بعناية لاستبقاء انتباه المستخدم أطول مدة ممكنة؛ عبر التمرير اللانهائي، والإشعارات الملونة، والمحتوى المتجدد باستمرار. لذا، فإن مطالبة الابن بإيقافها فجأة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر والمقاومة، لا سيما في فترة المراهقة التي يسعى فيها الأبناء إلى الاستقلالية وإثبات الذات.
وفي ظل هذا الموقف، نجد الحوار الإقناعي أكثر فاعلية وتأثيرًا من المنع والأوامر. فبدلاً من قول: «أغلق الهاتف فورًا»، يمكن لولي الأمر أن يسأل ابنه: «كيف ننجح في تحقيق هدفك في الاختبار، وتنظيم وقت ترفيهك؟» وبهذا التحول تنتقل العلاقة من الصراع إلى الشراكة، ومن الرقابة إلى المسؤولية.
ومن الأساليب الفعّالة ما يُسمى بـ «ميزانية الوقت»، وهي فكرة تربوية تقوم على الموازنة بين الإنجاز والترفيه. فبإمكان الأسرة الاتفاق مع الأبناء على معادلة واضحة؛ حيث يقابل كل ساعة من المذاكرة المركزة ثلاثون دقيقة من الترفيه، أو أن يقابل كل ساعتين من الإنجاز الدراسي عشرون دقيقة لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي. وبهذا يتحول الهاتف من خصمٍ للمذاكرة إلى مكافأة مرتبطة بالإنجاز، ويصبح الالتزام نابعاً من القناعة لا من الخوف أو الرقابة.
ويمكن تعزيز هذا التوجه من خلال عقد اتفاقية «الاستخدام الميسر» التي يشارك الأبناء في صياغتها والتوقيع عليها، وتتوزع الأوقات فيها بين المذاكرة، والترفيه، والنوم، كما تتضمن ضوابط استخدام الهاتف خلال فترة الاختبارات. وتكمن قيمة هذه الاتفاقية في نقل الأبناء من موقع المتلقي للأوامر إلى موقع الشريك في اتخاذ القرار، مما يعزز الشعور بالمسؤولية الذاتية، ويحد من الجدل والصراعات المتكررة داخل المنزل.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر للأجهزة الذكية بوصفها عدوًا مطلقًا؛ كونها أداة فاعلة في دعم التعلم من خلال حضور حصص المراجعة الإلكترونية، ومتابعة الشروح التعليمية المسجلة، واستخدام تطبيقات الخرائط الذهنية، ومؤقتات التركيز، والاختبارات التجريبية. فالتقنية ليست المشكلة، وإنما طريقة توظيفها.
ومن الممارسات التربوية الناجحة أن تخصص الأسرة ساعة يومية خالية من الأجهزة الذكية، يجتمع فيها أفرادها للحديث، أو القراءة، أو ممارسة نشاط مشترك. فهذه اللحظات تعيد دفء التواصل الأسري، وتعزز الروابط العاطفية، وتمنح الأبناء بدائل واقعية أكثر ثراءً من العالم الافتراضي.
عزيزي ولي الأمر، ليست القضية أن ننتزع الهاتف من يد الابن، بل أن نساعده على امتلاك مهارة إدارة الأولويات. فوسائل التواصل الاجتماعي ستبقى، والألعاب لن تختفي، أما فرص النجاح فمواسم محدودة. وحين يتعلم أبناؤنا تأجيل بعض المُتع من أجل أهداف أكبر، فإنهم لا يحققون نجاحًا دراسيًا فحسب، بل يكتسبون واحدة من أهم مهارات الحياة؛ مهارة الاختيار الواعي بين متعة اللحظة وصناعة المستقبل.



