أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

أجّرتك نفسي ـ قبلت.. صيغة عقد مع “مُلّا” قبل قرنين

محمد السيدالجمعة 19 يونيو 2026، 9:00 ص
أجّرتك نفسي ـ قبلت.. صيغة عقد مع “مُلّا” قبل قرنين

القطيف: صُبرة

ما الذي يمكن أن يتوقعه القارئ حين يعثر على عبارة: «أجّرتك نفسي» داخل مخطوط تراثي قديم؟

قد يظن لأول وهلة أنه أمام عقد بيع، أو إجارة عقار، أو اتفاق بين تاجرين. غير أن المفاجأة مختلفة تماماً؛ إذ تقود العبارة إلى عقد عمل خاص بالخطيب الحسيني، يكشف جانباً اجتماعياً ظل بعيداً عن الذاكرة المعاصرة، رغم حضوره في بعض مجتمعات الخليج خلال القرن الثالث عشر الهجري.

الوثيقة، نص ملحق بمخطوط كتاب «صيغ العقود الشرعية» للشيخ يوسف بن حسين بن أبي الرشالي القطيفي، أحد علماء القرن التاسع الهجري، قبل أن يُعاد تحقيق الكتاب ونشره سنة 2023 على يد الباحث حسين منصور الشيخ.

حسين منصور الشيخ

عقد للخطيب

يكشف النص عن نموذج متكامل لاستئجار قارئ التعزية، أو الخطيب الحسيني بلغة اليوم. ففيه يعلن الخطيب قبوله العمل بعبارة: «أجّرتك نفسي»، بينما يجيب الطرف الآخر: «قبلت الإجارة»، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من البنود الدقيقة التي تحدد مدة العمل ومكانه وبدايته وأجره.

ولا تبدو الصيغة وكأنها اتفاق خاص بحالة منفردة، بل نموذج جاهز للتعاقد، أُعدّ ليستعمل كلما احتاج أصحاب المآتم إلى التعاقد مع قارئ للتعزية.

عشرة أيام

ويحدد العقد مدة القراءة بعشرة أيام تبدأ من أول يوم من شهر محرم، مع النص على مكان إقامة القراءة والمأتم الذي ستقام فيه المجالس.

ويكشف هذا القدر من التفصيل عن اهتمام واضح بتنظيم العلاقة بين الطرفين وتحديد الالتزامات بصورة دقيقة، على نحو لا يختلف كثيراً عن العقود المهنية المعروفة في عصرنا الحاضر.

ماذا يقرأ الخطيب؟

ومن أكثر ما يلفت النظر في الوثيقة تحديدها لما يلتزم الخطيب بقراءته.

فالعقد ينص على أن تكون القراءة «بما سنح من القصائد والروايات والمعيدي»، وهي عبارة تختزن صورة مبكرة لمحتوى المجلس الحسيني في ذلك العصر.

وتكشف هذه الصيغة أيضاً عن الفارق بين الخطابة الحسينية في ذلك الزمن وصورتها المعاصرة. فالنص يركّز على القصائد والروايات والمعيدي بوصفها المكوّن الرئيس للقراءة، وهو ما ينسجم مع مرحلة كان المجلس الحسيني فيها أقرب إلى رواية المقتل وسرد الأخبار التاريخية والمراثي الشعرية.

أما المنبر الحسيني اليوم فقد اتسعت موضوعاته لتشمل التفسير والعقيدة والفكر والتاريخ والاجتماع والتربية، وأصبح الخطيب يؤدي أدواراً معرفية وثقافية تتجاوز حدود السرد والرثاء، بما يعكس التحولات التي شهدتها المجتمعات الشيعية وطبيعة التوقعات المتزايدة من الخطيب والجمهور على حد سواء.

لم يقتصر على محرم

ولا يتوقف العقد عند مجالس محرم فقط، بل يتيح إلزام الخطيب بالقراءة في مناسبات دينية أخرى، منها وفاة النبي محمد (ص)، ووفاة الإمام الحسن بن علي، ووفاة الإمام علي بن موسى الرضا (ع).

وهو ما يشير إلى أن العلاقة التعاقدية كانت تمتد أحياناً إلى ما بعد الموسم العاشورائي، وفق ما يتفق عليه الطرفان.

أجرٌ بالمحمّدية

ومن التفاصيل اللافتة أيضاً أن العقد يحدد الأجرة بعملة «المحمّدية»، وهي عملة فضية ونحاسية فارسية كانت متداولة على نطاق واسع في الخليج وشبه الجزيرة العربية خلال القرن الثالث عشر الهجري.

ويستند الباحثون إلى ورود هذه العملة في النص لترجيح أن إضافة عقد قارئ التعزية إلى المخطوط تمت في القرن الثالث عشر الهجري، لا في زمن مؤلف الكتاب الأصلي.

ليست من تأليف الرشالي

ورغم وجود الوثيقة داخل مخطوط «صيغ العقود الشرعية»، فإنها لا تعود إلى مؤلف الكتاب نفسه.

فالشيخ يوسف بن أبي الرشالي عاش في القرن التاسع الهجري، بينما تشير القرائن التاريخية إلى أن عقد قارئ التعزية أُلحق بالكتاب بعد قرون من تأليفه، ضمن إضافات دوّنها أشخاص مجهولون استجابة لحاجات اجتماعية وقانونية مستجدة في عصور لاحقة.

وتظهر مقارنة النسخ المخطوطة للكتاب أن هذه الإضافات لم تُكتب دفعة واحدة، بل تراكمت عبر فترات زمنية مختلفة، حتى أصبحت جزءاً من المادة المتداولة في بعض النسخ.

كتاب «صيغ العقود الشرعية»

وثيقة صغيرة.. ودلالة كبيرة

قد تبدو الوثيقة قصيرة في حجمها، لكنها تفتح نافذة واسعة على جانب من التاريخ الاجتماعي للخطابة الحسينية، وتكشف أن ثقافة التعاقد كانت حاضرة في تنظيم بعض شؤون المجالس الحسينية، تماماً كما كانت حاضرة في عقود الصلاة والصوم والحج وغيرها من الأعمال التي ضمّها كتاب «صيغ العقود الشرعية».

وبين عبارة الخطيب: «أجّرتك نفسي»، وردّ أصحاب المأتم: «قبلت الإجارة»، تحفظ الوثيقة صورة نادرة لعلاقة اجتماعية ومهنية تعود إلى أكثر من قرن مضى، قبل أن يعيد تحقيق المخطوط إحياءها وإخراجها إلى دائرة الضوء من جديد.