الخويلدية فقدت أم سيد أنور بعد 56 عاماً من الخطابة

الخويلدية: ليلى العوامي
جاء شهر محرم هذا العام مختلفاً في بيت الخطيبة فخرية علي عبدالله السمّاك «أم سيد أنور». فكل شيء بدا مهيأً كما اعتادت أن تهيئه بنفسها في كل عام؛ الكتب مرتبة، والمحاضرات جاهزة، والسواد حاضر في مكانه، وتفاصيل المجلس تسير وفق ما خططت له صاحبة البيت منذ سنوات طويلة. وحده صوتها غاب عن المكان.

قبل أسابيع قليلة من دخول محرم 1448هـ، أكملت أم سيد أنور استعداداتها للموسم العاشورائي كما كانت تفعل دائماً.
رتبت الكتب الخاصة بكل ليلة، وأعدت ما يحتاج إليه المجلس، واهتمت بالتفاصيل الصغيرة التي كانت ترى فيها جزءاً من خدمة الإمام الحسين عليه السلام. ثم رحلت في الثلاثين من ذي القعدة 1447هـ، تاركة خلفها موسماً كاملاً من الترتيبات التي لم تكن تعلم أسرتها أنها ستكون الأخيرة.

وبرحيلها، طويت صفحة امتدت ستة وخمسين عاماً في خدمة المنبر الحسيني، وهي مسيرة جعلت من اسمها واحداً من الأسماء المعروفة في مجالس الخويلدية، وارتبطت خلالها بالقراءة والخطابة وخدمة المجالس وتربية أجيال من النساء على محبة المنبر والارتباط برسالته.
وُلدت أم سيد أنور عام 1377هـ، وبدأت رحلتها مع الخطابة وهي في الرابعة عشرة من عمرها.
وتروي شقيقتها عواطف السمّاك أن شغفها بالمجالس الحسينية ظهر مبكراً، فتلقت بداياتها على أيدي عدد من خطيبات الخويلدية المعروفات آنذاك، ومنهن فاطمة الجساس «أم حسن»، وأم علوي السادة، وزهراء أنتيف. وبين تلك المجالس الأولى تشكلت ملامح شخصيتها، واكتسبت خبرتها الأولى في القراءة والخطابة.

ومع مرور السنوات، تحولت الفتاة الصغيرة التي كانت تتعلم بين أيدي الخطيبات إلى صاحبة مجلس مستقل، يحمل بصمتها الخاصة وأسلوبها المعروف. فأسست مجلسها في منزل والدها بالخويلدية، وواصلت القراءة في عدد من المجالس والمنازل، فيما بقي مجلس يوم الجمعة في منزل الأسرة محطة ثابتة ارتبطت باسمها على مدى عقود.
لم تكن الخطابة بالنسبة إليها مجرد قراءة نصوص أو نقل روايات، بل كانت رسالة تعيشها بكل تفاصيلها. اعتمدت في قراءاتها على ما توفر لها من كتب ومصادر، وأضافت إليها من تجربتها وتأملاتها وخبرتها الطويلة. وعاصرت التحولات التي شهدها المنبر الحسيني خلال العقود الماضية، فواكبتها بأسلوبها الخاص، محافظة على روح المجلس وقربه من الناس.

وكان شهر محرم يشغل مساحة واسعة من حياتها. فبمجرد انتهاء موسم، تبدأ التفكير في الموسم الذي يليه. تجمع الكتب، وتراجع المحاضرات، وتدوّن الملاحظات، وتستعد مبكراً لكل ليلة من ليالي العشرة الأولى، وكأنها تتعامل مع الموسم باعتباره مشروع عمر يتجدد كل عام.
ويستذكر ابنها عباس آل زواد تلك التفاصيل التي كانت تتكرر في البيت مع اقتراب محرم. يقول إن والدته كانت تبدأ مبكراً بتجهيز مبالغ مالية لدعم مآتم الخويلدية، كما كانت تهيئ البهارات الخاصة بالطعام، وترتب الكتب والمحاضرات الخاصة بكل ليلة، وتحرص على أن يكون كل شيء جاهزاً قبل دخول الشهر.
ولم تكن هذه الاستعدادات تقتصر على الجانب التنظيمي فحسب، بل كانت تمتد إلى أجواء البيت نفسه. فالسواد يُجهز مبكراً، والضيافة تُرتب بعناية، وأفراد الأسرة يعيشون معها تفاصيل الموسم لحظة بلحظة.
وكان الجميع يعرف أن محرم بالنسبة إلى أم سيد أنور ليس مناسبة عابرة، بل جزء من هويتها وحياتها اليومية.

ومن أكثر ما ارتبط باسمها بين الأهالي «المحموص» الذي كانت تعدّه بنفسها وتحرص على توزيعه في أول جمعة من محرم. وقد تحول هذا تقليد مع مرور السنوات إلى علامة يعرفها رواد المجلس وأصدقاؤها وجيرانها، الذين اعتادوا انتظار تلك البركة التي كانت تقدمها بمحبة وكرم واهتمام بالتفاصيل.
وتتجلى علاقتها العميقة بخدمة المنبر في السنوات الأخيرة من حياتها. فحتى عندما أصبحت ظروفها الصحية أكثر صعوبة، بقي المجلس حاضراً في يومها. كانت تتابع شؤونه، وتسأل عن احتياجاته، وتشرف على تفاصيله، وتحرص على استمرار رسالته التي رافقتها أكثر من نصف قرن.
وتكشف الأسرة جانباً مؤثراً من هذه الرحلة، إذ واصلت القراءة حتى أثناء معاناتها الصحية، وكانت تتابع شؤون إعداد الطعام والضيافة وهي جالسة على كرسيها، محافظة على ذلك الخيط المتين الذي ربطها بالمجالس الحسينية طوال عمرها.
وكانت آخر قراءة حسينية لها خلال شهر محرم 1447هـ، لتبقى تلك القراءة شاهدة على رحلة طويلة امتدت منذ سنوات المراهقة وحتى الأيام الأخيرة من حياتها.
وعُرفت أم سيد أنور بين أهالي الخويلدية بطيبة القلب وبشاشة الوجه وحسن المعاملة. وكانت حاضرة في المناسبات الاجتماعية، قريبة من الناس، حريصة على الكلمة الطيبة والإصلاح وتعزيز القيم الأخلاقية. كما امتد أثرها إلى عدد من الخطيبات اللاتي تعلمن منها أو تأثرن بتجربتها، وأسهمت في إعدادهن لخدمة المنبر الحسيني.

وتقول شقيقتها عواطف السمّاك إن الراحلة تركت أثراً عميقاً في نفوس من عرفوها، واستطاعت بإخلاصها وعطائها المتواصل أن تبني مكانة راسخة في المجتمع، وأن تترك ذكراً طيباً ما زال يتردد في المجالس والبيوت.
واليوم، مع حلول أول محرم بعد رحيلها، تشعر الأسرة بأن المكان يستحضر حضورها في كل زاوية. فالكتب التي رتبتها ما زالت في أماكنها، والمحاضرات التي أعدتها تنتظر قارئتها، والسواد الذي حرصت على تجهيزه يروي بصماتها الأخيرة في البيت والمجلس.
ويصف ابنها عباس آل زواد هذا الشعور بأن المجلس يفتقد روحه المعتادة، وأن الشوق يتسلل إلى تفاصيل المكان الذي ارتبط لعقود بصوت والدته وهي تذكر أهل البيت عليهم السلام. فالأماكن ما زالت كما هي، غير أن صاحبة الحضور الدائم غابت عن المشهد، تاركة وراءها صمتاً مفعماً بالذكرى.
ورغم ألم الفقد، يبقى الاعتزاز بسيرتها حاضراً في نفوس أسرتها ومحبيها. فقد غرست في أبنائها حب خدمة الإمام الحسين عليه السلام، وربطت هذه الخدمة بقيم الصدقة والعطاء ومساندة الآخرين. وكانت وصيتها الدائمة لهم أن يواصلوا هذا الطريق، وأن يبقى المجلس منارة تجمع الناس على الخير والمحبة.
رحلت أم سيد أنور قبل أن تدرك محرم الذي استعدت له، لكن أثرها بقي حاضراً في كل ليلة من لياليه. بقي في المجالس التي أحيتها، وفي الخطيبات اللاتي تعلمن منها، وفي الأبناء الذين يحملون اليوم إرثها المعنوي، وفي ذاكرة الخويلدية التي تحتفظ باسم امرأة أمضت ستة وخمسين عاماً في خدمة المنبر، ثم تركت خلفها سيرة تواصل حضورها مع كل موسم عاشورائي جديد.



