أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

يا رب فرّج للمعلمة أمل

محمد السيدالجمعة 19 يونيو 2026، 6:32 م
يا رب فرّج للمعلمة أمل

ليلى العوامي

رحيل الطيبين يترك في النفوس غصة لا تنطفئ؛ فهم يمرون في حياتنا كالنسمة الباردة، يزرعون الخير ويرحلون بصمت، فيما يبقى أثرهم الجميل حياً في الذاكرة. وأمل عبدالله السنان اسم كانت تردده الأمهات كثيراً، واسمها، واسم غيرها من المعلمات الفاضلات، حاضر في الدعاء والشكر. وفي كل محفل كانت الألسن تلهج بالدعاء لها: «يا رب فرّج لمعلمة أمل».

التقيت بها عدة مرات في مدرستها خلال مناسبات تعليمية، وكانت دائماً مبتسمة. وفي إحدى المرات رأيتها تحتضن إحدى طالباتها وتمسح الرمل عن مريولها، فقلت لها: «ما شاء الله عليّش»، فأجابت بعفوية وأمومة: «حتى يتذكروني إذا كبروا، وهذه طفلة تحتاج الحب».

لم تكن «أم فاطمة» مجرد معلمة في الابتدائية السابعة بالقطيف، بل كانت أماً حنوناً لطالباتها، وقلباً نابضاً بالمحبة والعطاء. احتضنت أجيالاً بعلمها وأخلاقها، فبادلوها حباً صادقاً ووفاءً ممتداً.

وكانت فنانة بريشتها وقلبها؛ تدخل البهجة إلى طالبات الصف الأول الابتدائي، وترسم الفرح والألوان على وجوههن الصغيرة، فتتسع الابتسامات وتتعلق القلوب بها. لذلك لم يكن مستغرباً أن تكون المعلمة الأكثر طلباً في المدرسة؛ إذ يتسابق الأهالي منذ بدء التسجيل ويطلبونها بالاسم لتكون بناتهم في فصلها، وكان الفرح من نصيب من وقعت ابنته عند «معلمة أمل».

وظلت الدعوات ترافقها، من الصغار قبل الكبار، بأن تستعيد عافيتها وروحها المرحة وابتسامتها التي اعتادتها المدرسة، وهي تتنقل بين الفصول وغرف المعلمات بمحبة وألفة. ثم جاء موعد السكينة، وآن للجسد أن يستريح، وللقلب أن يودع الدنيا بعد رحلة طويلة من الصبر.

اليوم الجمعة، 4 محرم 1448هـ، ترجلت المعلمة الفاضلة عن هذه الدنيا بعد رحلة طويلة مع المرض، لتغيب عن أعين محبيها، وتبقى حاضرة في القلوب بما تركته من أثر طيب وسيرة عطرة. فمنذ سنوات مرضها، ظلت حاضرة في دعوات طالباتها وزميلاتها، وبقي السؤال عنها شاهداً على مكانتها الكبيرة في النفوس، كما بقيت الأمهات يترقبن أخبارها ويدعون لها.

وطوال رحلتها مع المرض، حملت في قلبها هاجس الأم وحنانها؛ كانت تفكر في ابنتها وتخشى عليها من قسوة الفقد. واليوم يودعها محبوها وهم يستودعون ابنتها عناية الله ورحمته، ويثقون بأن دعوات الآلاف ممن أحبوا أمها ستظل تحيطها بالمحبة والأمان.

وقبل أيام، وفي حفل تكريم المعلمات المتقاعدات الذي أقيم في مدرستها، كانت الحاضرة الغائبة. فقد كُرّمت وهي على السرير الأبيض، في مشهد مؤثر اختصر سنوات عطائها وإخلاصها، وكأن التكريم رسالة وفاء أخيرة لمن أفنت عمرها في خدمة رسالتها التربوية.

واليوم، وكأنها تودع الجميع بكلماتها الصامتة: «أيتها الغاليات وأيها الطيبون، عنكم أنا رحلت، فاذكروني بخير».

وقبل مغيب شمس هذا اليوم، سيوارى جسدها الثرى، فيما تبقى ذكراها العطرة وأثرها الجميل أمانة في قلوب من عرفوها وأحبوها. فالراحلون بأجسادهم تبقى سيرتهم حيّة في ذاكرة الوفاء، ومن زرع المحبة في النفوس بقي أثره ممتداً في الدعوات والذكريات.

رحم الله المعلمة أمل السنان «أم فاطمة» رحمة واسعة، وأسكنها الفردوس الأعلى، وجعل ما قدمته من علم وتربية وحنان في ميزان حسناتها، وحفظ ابنتها، وجبر قلبها، وأبقى أثرها الطيب ممتداً عبر الأجيال.