ملالي القطيف.. لقبٌ يتراجع ولا يختفي

القطيف: صُبرة
في أحياء القطيف القديمة، كان من الصعب أن تمضي في زقاق أو تدخل مجلساً دون أن تسمع اسم أحد مسبوقاً بلقب «المُلّا». الملا علي، الملا حسن، الملا أحمد، الملا عبدالله.
لقبٌ ارتبط بالحياة اليومية كما ارتبط بالمسجد والكتّاب والمنبر والمجالس الدينية، حتى بدا جزءاً من الهوية الاجتماعية والثقافية للمنطقة.
واليوم، ما زال اللقب حاضراً في الذاكرة والأسماء، لكنه لم يعد يحتل المساحة نفسها التي كان يشغلها قبل عقود، بعدما تقدمت ألقاب أخرى إلى الواجهة، وفي مقدمتها لقب «الشيخ».
وتكشف رحلة هذا اللقب عن قصة أوسع من مجرد تسمية محلية، إذ تمتد جذوره عبر مساحة واسعة من العالم الإسلامي، حاملاً معاني متعددة تتدرج من التعليم الديني البسيط إلى مواقع النفوذ الديني والسياسي.
من آسيا الوسطى إلى الخليج
كلمة «مُلّا» انتقلت إلى العربية من لغات آسيوية استخدمتها بدورها للدلالة على العالم أو رجل الدين أو المتعلم في العلوم الشرعية.
ومع انتشار الثقافة الإسلامية في مناطق واسعة من آسيا، أصبحت الكلمة معروفة في إيران وأفغانستان وباكستان والهند وبلدان أخرى، مع اختلافات في الدلالة من مجتمع إلى آخر.
وفي بعض البيئات الآسيوية، اكتسب اللقب مكانة كبيرة، حتى أصبح مرتبطاً برجال الدين البارزين أو الشخصيات المؤثرة في الشأن العام، وهو ما جعل الكلمة تحظى بحضور واسع في الأدبيات السياسية والإعلامية الحديثة.
أما في المنطقة الشرقية ودول الخليج، فقد استقر معنى الكلمة في نطاق أبسط وأكثر محلية، بعيداً عن تلك الدلالات السياسية أو المؤسساتية.
أكثر من وظيفة
في المجتمع القطيفي التقليدي، لم يكن «المُلّا» وظيفة واحدة، بل مجموعة أدوار متداخلة.
فقد يكون خطيباً دينياً يعتلي المنبر في المناسبات الدينية، أو مرشداً دينياً يلجأ إليه الناس في شؤونهم اليومية، أو معلماً للصبيان في الكتاتيب قبل ظهور المدارس النظامية، كما حمل اللقب أحياناً أشخاص مارسوا مهام اجتماعية أو دينية أخرى داخل المجتمع المحلي.
وكان التعليم أحد أبرز مجالات حضور اللقب. فقبل انتشار المدارس الحكومية، مثّل الكتّاب المؤسسة التعليمية الأولى في القرى والمدن، وتولى «المُلّا» مهمة تعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن ومبادئ الدين لأجيال متعاقبة من الأطفال.
ومع توسع التعليم النظامي وتأسيس المدارس الحديثة، انحسر هذا الجانب من دور «المُلّا»، بينما استمرت أدواره الأخرى بدرجات متفاوتة.
السنة والشيعة
ولم يكن استخدام اللقب مقتصراً على بيئة مذهبية بعينها، إذ عرفه السنة والشيعة على السواء، واستُخدم في الحالتين للدلالة على المرشد الديني أو المتخصص في الشأن الديني الذي يأتي في مرتبة أدنى من «الشيخ» في السلم الاجتماعي والعلمي المتعارف عليه.
ولهذا ظل اللقب متداولاً في مناطق عديدة من الخليج، وإن اختلف حجم حضوره من مجتمع إلى آخر.
صعود لقب الشيخ
خلال العقود الأخيرة، أخذ لقب «الشيخ» يتقدم تدريجياً في الاستخدام العام، سواء في الخطاب الاجتماعي أو الإعلامي أو الديني.
ومع هذا التحول، أصبح كثير من رجال الدين والخطباء يُعرفون بلقب الشيخ، حتى لو كانت الأجيال السابقة ستمنحهم لقب «المُلّا» في الظروف نفسها.
هذا التغير لم يؤدِّ إلى اختفاء اللقب القديم، لكنه قلّص حضوره مقارنة بما كان عليه في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله.
ذاكرة حية
ورغم هذا التراجع، ما زالت القطيف تحتفظ بعشرات الأسماء التي ارتبطت باللقب، وما زالت الوثائق والمخطوطات والقصائد والذكريات الشفهية تستعيده بوصفه جزءاً من تاريخ المجتمع المحلي.
فـ«المُلّا» لم يكن مجرد لقب ديني، بل كان معلماً ومربياً وخطيباً ومرشداً وشخصية اجتماعية تركت أثراً في حياة الناس اليومية.
ولهذا يبقى اللقب حاضراً في الذاكرة الثقافية للمنطقة، حتى وإن أصبح حضوره في الواقع أقل مما كان عليه في زمنٍ كان فيه «المُلّا» واحداً من أكثر الألقاب تداولاً واحتراماً في القطيف.



