أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

للسعوديين فقط.. مسرحية ما زالت أسئلتها حاضرة

محمد السيدالثلاثاء 23 يونيو 2026، 1:32 م
للسعوديين فقط.. مسرحية ما زالت أسئلتها حاضرة

بيان البشيري

في تاريخ المسرح السعودي أعمالٌ ارتبطت بمرحلتها الزمنية وانتهى أثرها بانتهاء عروضها، وأعمالٌ أخرى تجاوزت حدود زمنها لتبقى حاضرة في الذاكرة الثقافية بما طرحته من قضايا وأسئلة،

ومن بين هذه الأعمال تبرز مسرحية «للسعوديين فقط»، التي قُدمت عام 1992م، من تأليف الكاتب المسرحي ماضي الماضي وإخراج سمعان العاني، وبطولة نخبة من نجوم المسرح السعودي، من أبرزهم عبدالله السدحان، و د. بكر الشدي -رحمه الله-، ويوسف الجراح، و الدكتور عبدالإله السناني، إلى جانب عدد من الأسماء التي أسهمت في تقديم عملٍ ظل حاضراً في ذاكرة المتلقي السعودي حتى اليوم.

جاءت المسرحية في قالب كوميدي اجتماعي، لكنها لم تكن مجرد عملٍ يسعى إلى إضحاك الجمهور أو توفير لحظات من الترفيه العابر؛ بل انطلقت من قضية مجتمعية واقتصادية شديدة الأهمية، تمثلت في العلاقة بين العمالة الوافدة وفرص العمل المتاحة للمواطنين السعوديين، وفي وقتٍ لم تكن فيه مفاهيم التوطين وتمكين الكفاءات الوطنية مطروحة بالصورة التي نعرفها اليوم، سعى النص إلى فتح باب النقاش حول هذه القضية، مستفيداً من قدرة المسرح على الوصول إلى الجمهور وإثارة التفكير في القضايا التي تمس حياته اليومية.

وتكمن أهمية «للسعوديين فقط» في أنها تنتمي إلى ما يُعرف بالمسرح الاجتماعي؛ ذلك المسرح الذي يتخذ من الواقع مادةً له، ويسعى إلى مساءلة الظواهر الاجتماعية والكشف عن أبعادها المختلفة، فالنص لم يقدم القضية بوصفها مشكلة اقتصادية فحسب، بل بوصفها قضية ترتبط بالمجتمع ومستقبله وتطلعاته، وهو ما منح العمل بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المناسبة أو اللحظة الآنية.

لقد نجح ماضي الماضي في توظيف الكوميديا بوصفها أداةً فنية لطرح موضوع جاد، بعيداً عن الخطاب المباشر أو الطرح الوعظي، فالكوميديا في هذا العمل لم تكن غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتمرير الأفكار وإثارة التساؤلات، وهو ما منح المسرحية قدرة أكبر على التواصل مع الجمهور، كما أن إخراج سمعان العاني أسهم في تقديم هذه الأفكار ضمن إطار مسرحي متماسك حافظ على حيوية العرض وإيقاعه، وجعل القضية المطروحة أكثر قرباً من المتلقي.

وعند إعادة مشاهدة المسرحية اليوم، يلفت الانتباه أن كثيراً من الأسئلة التي طرحتها ما زالت حاضرة، وإن اختلفت الظروف والسياقات، فالمجتمعات تتغير، والأنظمة الاقتصادية تتطور، لكن بعض القضايا المرتبطة بسوق العمل وتأهيل الكفاءات الوطنية واستثمار الطاقات البشرية تبقى موضوعاً للنقاش والتطوير المستمر، ومن هنا تكتسب المسرحية قيمتها الحقيقية؛ إذ لم تكن منشغلة بحدثٍ عابر، بل بقضية ذات امتداد اجتماعي وتنموي طويل.

ولا يمكن قراءة «للسعوديين فقط» بمعزل عن السياق الثقافي الذي أُنتجت فيه، فقد جاءت في مرحلة كان المسرح السعودي يسعى خلالها إلى ترسيخ حضوره بوصفه منصةً للتعبير عن قضايا المجتمع وهمومه، وبرغم الإمكانات المحدودة آنذاك مقارنة بما يشهده القطاع الثقافي اليوم من دعم وتوسع، فإن المسرحيين السعوديين قدموا أعمالاً حرصت على الارتباط بالواقع المحلي، وهو ما منحها صدقاً فنياً وقرباً من الجمهور.

ومن منظور نقدي، تكشف المسرحية عن إحدى الوظائف الأساسية للفن المسرحي، وهي المساهمة في تشكيل الوعي المجتمعي، فالمسرح لا يقتصر دوره على عكس الواقع، بل يتجاوزه إلى طرح الأسئلة وتحفيز التفكير وفتح مساحات للحوار، ولهذا فإن قيمة «للسعوديين فقط» لا تكمن فقط في نجاحها الجماهيري أو في مشاركة مجموعة من أبرز نجوم المسرح السعودي فيها، وإنما في قدرتها على تحويل قضية اجتماعية إلى خطاب فني قابل للنقاش والتأمل.

إن الأعمال المسرحية التي تبقى في الذاكرة ليست بالضرورة تلك التي حققت أكبر قدر من الضحك أو الشهرة، بل تلك التي استطاعت أن تمس واقع الناس وتطرح قضاياهم بلغة فنية مؤثرة، وهذا ما تحقق في «لسعوديين فقط»، التي قدمت نموذجاً للمسرح المرتبط بمجتمعه، والمنشغل بقضاياه، والمؤمن بدوره الثقافي والتوعوي.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على عرضها، ما تزال هذه المسرحية تذكرنا بأن المسرح السعودي كان حاضراً في قلب النقاشات الاجتماعية منذ وقت مبكر، وأن الخشبة لم تكن مساحة للفرجة وحدها، بل منبراً للحوار وطرح الأسئلة الكبرى، ولعل هذه القدرة على البقاء في الذاكرة، واستمرار صلاحية الأسئلة التي أثارتها، هي ما يجعل «للسعوديين فقط» واحدة من الأعمال التي تستحق العودة إليها بوصفها تجربة فنية وثقافية مهمة في تاريخ المسرح السعودي.