“مهدية الخويلدية”.. بنت الملالي.. أم الملّايات الست

القطيف: زينب آل محسن
“مهدية”.. هكذا عُرفت “خديجة” آل أنتيف. ملّاية بنت ملّا، ومن أسرةٍ أنجبت ملالي وشعراء وخطباء، حتى بدا المنبر جزءاً من تاريخها العائلي قبل أن يصبح جزءاً من حياتها الشخصية.
غلب الاسم المستعار الاسم الحقيقي، وغلبت المهابة الأنوثة، وغلب الصوت مجالس النعي والرثاء، حتى صار اسم “مهدية” علماً على واحدة من أشهر القارئات في الخويلدية وما حولها، ووجهاً ارتبط بذاكرة المجالس النسائية على مدى أكثر من سبعة عقود.

صوت مبكر
وحين قرأت وخطبت خطابها الديني للمرة الأولى كانت في التاسعة من عمرها. لم تكن تعرف أن تلك الطفلة ستصبح امتداداً لإرث عائلي عريق، وأنها ستتحول لاحقاً إلى حلقة جديدة في سلسلة من الخطباء والشعراء والقارئات الذين حملوا الخطابة الدينية جيلاً بعد جيل.
فالبيت الذي ولدت فيه لم يكن بيتاً عادياً؛ حيث يشير الباحث لؤي سنبل في كتابه «على أعتاب الحسين عليه السلام» إلى أن أسرة آل أنتيف عُرفت بكوكبة من الخطباء والشعراء، وأن عدداً من أفرادها تنقلوا بين القطيف والبحرين لإحياء المجالس، تاركين أثراً واسعاً في المنابر والخطاب الديني.

والدها الملا مهدي آل انتيف
بيت الملالي
وفي قلب هذه البيئة نشأت مهدية. والدها الملا مهدي آل أنتيف شاعر وخطيب ديني معروف، وعمّاها الملا محمد والملا عبد الله آل أنتيف من الأسماء البارزة في الشعر والخطابة. وبين هؤلاء جميعاً تشكلت ملامح مشروع خطيبة صغيرة لم تتجاوز التاسعة من عمرها.

عمها الملا عبدالله آل انتيف
حفظت القرآن الكريم على يد عمها الملا عبد الله آل أنتيف، فيما تولى عمها الملا محمد تعليمها أصول الخطابة الدينية. أما والدها فكان يرى فيها امتداداً للإرث الذي حمله هو ومن سبقه من رجال الأسرة، فحرص على رعاية موهبتها منذ وقت مبكر.

عمها الملا محمد انتيف
وتروي شقيقاتها أن الأب لم يكتفِ بالتشجيع، بل خصص لها مجلساً في منزل والدتها حورية منصور الشراح لتبدأ القراءة أمام النساء وهي طفلة. وكانت الأم تتولى إعداد المكان واستقبال الحاضرات وإعداد القهوة وفرش المجلس، فيما تجلس الابنة الصغيرة في صدر المجلس لتخوض تجربتها الأولى مع الجمهور.
ومن ذلك المجلس الصغير بدأت رحلة طويلة لم تتوقف.
امرأة قوية
تزوجت مهدية وهي في الثالثة عشرة من عمرها، ودخلت مبكراً في مسؤوليات الحياة الأسرية. غير أن الزواج لم يقطع صلتها بالخطابة، بل مضت في الجمع بين واجبات الأسرة ورسالة الخطابة.
وتستعيد شقيقاتها صورة أخرى لمهدية خارج المجلس؛ امرأة نشطة تدير منزلها، وتخيط الملابس النسائية والرجالية، وتبيع بعض المنتجات القادمة من البحرين، وتتابع تعليم بناتها، فيما تواصل حضورها الدائم في مجالس الخطابة والعزاء.
حضور مؤثر
ومع مرور السنوات اتسعت دائرة حضورها، وتكوّن حولها جمهور من المستمعات ارتبط بأسلوبها وشخصيتها. وكانت نساء كثيرات يحرصن على حضور المجالس التي تقرأ فيها، بل ينتقل بعضهن معها من مجلس إلى آخر.
وعُرفت بقدرتها على التأثير الوجداني في المستمعات، وبأسلوب يجمع بين الخطابة والإنشاد والنعي، إلى جانب شخصية منحت مجالسها هيبة خاصة؛ فارتبط اسمها لدى كثيرات بمجالس يسودها الانضباط والاحترام والحضور المؤثر.

عطاء استثنائي
وفي ذروة عطائها، وصلت كثافة نشاطها إلى مستوى استثنائي. ووفق روايات الأسرة، كانت تقرأ خلال أيام عاشوراء ما يصل إلى اثني عشر مجلساً في اليوم الواحد؛ سبعة مجالس صباحية، ومجلساً عصراً، وأربعة مجالس ليلاً.
ولم يقتصر حضورها على الخويلدية، بل امتد إلى الحلة والجارودية، كما قرأت في الدمام في عدد من المجالس المعروفة، من بينها مجلس السيد أمين السيد موسى ومجلس شقيقه السيد حسن.
أثر باقٍ
غير أن أثر مهدية لم يتوقف عند الخطابة وحدها؛ فقد حرصت على أن تترك للمجالس الحسينية فضاءً دائماً يحتضنها. وتمتلك اليوم حسينيتين في الخويلدية؛ الأولى حسينية الزهراء التي مضى على وقفها نحو ستة عقود، والثانية حسينية أم البنين التي تأسست قبل نحو ستة عشر عاماً.
وتحمل حسينية الزهراء قصة خاصة؛ إذ تشير الروايات العائلية إلى أنها طلبت من زوجها المرحوم إبراهيم آل أنتيف أن يُخصص جزءاً من المنزل وقفاً للمجالس الدينية، فوافق على ذلك، وتحولت مساحة من البيت إلى مجلس ظل قائماً عبر السنين.
لكن الإرث الأهم الذي تركته مهدية لم يكن بناءً أو حسينية، بل الخطابة نفسها.
بنات المنبر
فكما تسلمت هذا الإرث من والدها وعمّيها، قامت بنقله إلى الجيل التالي. فقد أنجبت ثلاثة أبناء وثماني بنات، وسارت ست من بناتها على نهجها في القراءة والخطابة بعد أن تلقين التدريب والتوجيه على يديها.
ومع مرور السنوات أصبحت البنات شريكات لها في إحياء المجالس والمناسبات الدينية، لتتحول تجربة مهدية من مسيرة فردية إلى مدرسة عائلية امتد أثرها إلى جيل جديد من القارئات.

غياب موجع
وكانت ابنتها الكبرى الملاية مكية “أم رائد” الأقرب إليها في هذا المسار؛ فقد عُرفت مكية بخطابتها الدينية المتمكنة وكتابة الشعر، وتميزت بصوتها وأدائها، ما جعلها امتداداً طبيعياً لتجربة والدتها التي رقت منبر حسينياتها.
لكن رحيلها قبل نحو ستة عشر عاماً ترك أثراً بالغاً في نفس مهدية، وشكل واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في حياتها، كما ترك بصمته على صحتها وسنواتها اللاحقة.
راية مستمرة
واليوم، وبعد أكثر من سبعين عاماً على أول مجلس قرأته طفلةً في الخويلدية، ما تزال الملاية مهدية آل أنتيف محافظة على حضورها في المجالس رغم المرض ومتاعب العمر.
وبين والدٍ شاعر وخطيب، وعمّين علّماها القرآن والخطابة، وست بنات حملن الراية بعدها، تمتد سيرة مهدية آل أنتيف بوصفها حكاية إرث منبري انتقل من جيل إلى جيل؛ إرثٍ تسلمته طفلة في التاسعة، وحافظت عليه طوال عمرها، ثم سلمته إلى من بعدها.



