الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

«احْلُو»… كيف اختفت كلمة اختصرت ضيافة عاشوراء؟

صُبرةالإثنين 29 يونيو 2026، 9:00 ص
«احْلُو»… كيف اختفت كلمة اختصرت ضيافة عاشوراء؟

القطيف: زينب آل محسن

“احْلُو..”

كلمة قصيرة، يعرفها رواد المآتم العاشورائية في القطيف جيدًا. وما إن تتردد في أرجاء المجلس حتى يفهم الجميع أن الضيافة جاهزة، دون حاجة إلى سؤال عن نوع المشروب أو مكوناته.

لأكثر من جيل، اختصرت “احْلُو” كل ما يُقدَّم للمعزين من مشروبات، ثم بدأت تتراجع بهدوء، بالتزامن مع اتساع قائمة الضيافة، وتغير الأذواق، ودخول عشرات المشروبات الجديدة إلى المآتم، حتى أصبحت أسماء المشروبات نفسها تتصدر المشهد، فيما بقيت الكلمة في ذاكرة من عاشوا زمنها.

من اللومي إلى القهوة

في بداياتها، ارتبطت ضيافة المآتم بما تنتجه البيئة المحلية.

في الصيف، كان اللومي المحلي يُعصر ويُقدَّم مع الماء البارد، وفي الشتاء يُستخدم اللومي المجفف ليُغلى في الماء الساخن، إلى جانب الدارسين والهيل، بينما احتفظت القهوة بمكانها الدائم في كل المواسم.

ولم يكن الحاضرون يسألون عمّا سيُقدَّم، فكل تلك المشروبات كانت تُعرف باسم واحد هو «احْلُو».

الشاي المخدر على الجمر في البحاري

الحليب… ثم بدأت التحولات

تستعيد الحاجة عطية أم زكي، التي تشرف على مأتم والديها منذ أكثر من خمسين عامًا، تلك المرحلة، وتقول إن الحليب الساخن كان المشروب الرئيس إلى جانب القهوة في المجلسين الصباحي والمسائي.

وتوضح أن والدها كان يعد الحليب بإضافة قليل من الشاي المركز والهيل، واستمرت العائلة في تقديم الوصفة نفسها سنوات طويلة في مأتم «بيت أم هلال».

كما كان خبز «الشريك» حاضرًا مع الضيافة، قبل أن يتوجه العاملون إلى إعداد «بركة» الغداء اليومية التي كانت توزع في قرية الخويلدية.

وتضيف أن الضيافة اليوم تعدها بناتها، وأصبحت تعتمد على الليمون القطيفي بالنعناع والشربت الأحمر، تلبية للإقبال المتزايد على المشروبات الباردة خلال فصل الصيف.

شربت أصفر

سنكويك… بداية عصر جديد

ومع تغير أنماط الحياة، دخلت المشروبات المعلبة إلى المآتم، وكان شراب «سنكويك» من أوائل المشروبات التي لفتت الأنظار، فاتحًا الباب أمام مرحلة جديدة اتسعت فيها خيارات الضيافة عامًا بعد عام.

ومع كل مشروب جديد، بدأت كلمة «احْلُو» تخسر شيئًا من حضورها، بعدما أصبح اسم المشروب نفسه هو وسيلة الدعوة إلى الضيافة.

… إلى 22 نوعًا

ويصف الحاج حبيب شهاب «أبو محمد»، القائم على مأتم «شهاب» في سيهات منذ تسعينيات القرن الماضي، هذا التحول بأنه امتد إلى تفاصيل الضيافة نفسها.

ويقول إن الشربت الأحمر والأصفر كانا الأكثر انتشارًا قبل أربعة عقود، إلى جانب الشاي والقهوة، ثم اتسعت القائمة تدريجيًا، وازدادت شعبية المشروبات الساخنة مع تنامي الاهتمام بالخيارات الغذائية.

الشاي والمهلبية في حسينية شهاب في سيهات

واليوم تختلف قوائم الضيافة بين مآتم الرجال والنساء، بل بين مأتم وآخر، وفق ذائقة القائمين عليها وما يلقى رواجًا بين الزوار، حتى أصبحت تضم نحو 22 نوعًا من المشروبات والأطعمة الخفيفة، من بينها:

ليمون بالنعناع.
كركديه.
خواجة إبراهيم.
ليمون عماني بارد.
عصائر الرمان والبرتقال والتفاح.
الشربت الأحمر”الفيمتو”.
الشربت الأصفر (تانج).
الشاي.
الكرك.
الدارسين.
اللومي الساخن.
النعناع.
فوطن.
حليب الزعفران.
اليانسون.
الزنجبيل بالليمون.
المهلبية.
السحلب.
الزعفران.
علك البان.
القروف (ماء اللقاح).
الشوربة.

كرك، لومي، زعفران، شاي، دارسين، مهلبية

الضيافة تدخل مرحلة جديدة

ومع هذا التنوع، لم تعد كلمة «احْلُو» حاضرة كما كانت في السابق، إذ حلّت محلها أسماء المشروبات نفسها، فأصبحت الدعوة إلى الضيافة مرتبطة بالكرك أو السحلب أو الكركديه أو الليمون بالنعناع، بعد أن كانت كلمة واحدة تجمعها جميعًا.

كما حملت هذه المرحلة أسئلة جديدة تتعلق بالمكونات والقيمة الغذائية، خصوصًا مع انتشار المشروبات العشبية.

في الخويلدية: شوربة، كرك، شاي، حليب

صحية ولكن..

ومع تنامي حضور المشروبات العشبية، بدأت تبرز الحاجة إلى مزيد من الوعي بمكوناتها، إذ قد تحمل بعض الأعشاب آثارًا لا تلتفت إليها “المِسْتِمْعهْ” إلا بعد تناولها، خصوصًا لمن يعانون حالات صحية مزمنة.

تروي نرجس علي أنها شعرت بإرهاق شديد بعد تناول مشروب إكليل الجبل في إحدى المناسبات، قبل أن تكتشف عبر مراجعة المصادر الطبية أن الجرعات المركزة قد تؤثر في مستوى ضغط الدم، وهو ما دفعها إلى تنبيه القائمين على الضيافة إلى مراعاة الحالات الصحية المختلفة.

كما تذكر زهراء المسجن أنها تناولت السحلب في أحد مآتم حي البحر بالقطيف، ورغم إصابتها بالسكري رغبت في تذوقه، ثم شعرت بدوار وزغللة في العين ونعاس، ما اضطرها إلى شرب كميات من الماء حتى استعادت توازنها.

الاعتدال يصاحب تنوع الخيارات

ويؤكد استشاري طب الأسرة الدكتور عقيل آل فردان أن المشروبات العشبية تناسب غالبية الناس عند الاعتدال في استهلاكها، مع أهمية مراعاة مستخدمي أدوية القلب ومميعات الدم لاحتمال حدوث تداخلات دوائية مع بعض الأعشاب.

الدكتور عقيل آل فردان

ويشير إلى أن استجابة الجسم تختلف من شخص إلى آخر، كما تلعب جودة الأعشاب وطرق حفظها دورًا مهمًا في سلامة استخدامها.

من جانبها، تدعو أخصائية التغذية سمية شكري آل سيف إلى مراعاة الحالات الصحية عند إعداد الضيافة، مع الانتباه إلى تأثير بعض الأعشاب في ضغط الدم أو الجهاز الهضمي، واستشارة الطبيب بالنسبة للحوامل عند الرغبة في تناول المشروبات العشبية بصورة منتظمة.

كلمة بقيت في الذاكرة

تغيرت المشروبات مرات كثيرة، واتسعت موائد الضيافة، ودخلت إلى المآتم وصفات جديدة مع تغير الأذواق والعادات.

أما «احْلُو»، فقد أدت دورها لعقود طويلة بوصفها الكلمة التي تختصر الضيافة كلها، قبل أن تترك مكانها لأسماء المشروبات التي أصبحت تتصدر المشهد.

وبين ذاكرة الكبار ومجالس اليوم، تبقى «احْلُو» واحدة من المفردات الشعبية التي تروي جانبًا من تاريخ المآتم العاشورائية في القطيف، وتكشف كيف يمكن لكلمة واحدة أن تحمل حكاية مجتمع كامل.