حين يصبح البحر ذاكرة كونية

نزار المصطفى
هذا النص لا تكتبه كاتبة النص البحر بوصفه مكانًا، وإنما تكتبه بوصفه ذاكرةً كونية تحفظ ما فقده الإنسان من براءته الأولى. ومنذ السطر الأول تعلن أن موضوعها الحقيقي ليس البحر ولا الحوريات، بل العلاقة العميقة بين الخيال والحقيقة، وبين الطفولة والمعنى. فالجملة: «البحر يعرف أن الأطفال لا يأتون إليه ليجمعوا الأصداف وإنما ليطمئنوا أن الحكايات ما زالت تتنفس تحت الماء» تنقل البحر من كونه عنصرًا طبيعيًا إلى كائن يمتلك وعيًا وإدراكًا، لكنه وعي لا يقوم على المعرفة العقلية، بل على الحكمة الوجودية. إنه يعرف ما لا يعرفه البشر عن أنفسهم، ويقرأ دوافعهم التي قد يجهلونها هم.
ولعل أجمل ما تحققه الكاتبة أنه تعيد تعريف الطفولة. فالطفل هنا لا يبحث عن لعبة، ولا عن متعة عابرة، وإنما يبحث عن الدليل الأخير على أن العالم لم يفقد سحره. إن الأصداف ليست غاية، وإنما علامة. والحكايات ليست للتسلية، وإنما ضرورة وجودية. فالإنسان، في رؤية هذا النص، لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا فقد يقينه بأن في الكون أسرارًا لم تُكشف بعد. ولهذا يصبح البحر حارسًا لهذا اليقين، لا لأنه يخفي الحوريات، بل لأنه يخفي إمكانية وجودهن.
ثم تبدأ الكاتبة ببناء علاقة إنسانية عجيبة بين البحر والأطفال. فهي لا تمنحهم الحقيقة، وإنما تمنحهم ما هو أثمن من الحقيقة: الإشارة إليها. لذلك «يرسل إليهم موجة أهدأ من سواها، ويترك على الرمل صدفة مفتوحة». إن هذه الصدفة ليست شيئًا ماديًا، بل رسالة. ويبلغ النص ذروة رهافتها حين تشبهها بكلمة سقطت من فم حورية عادت إلى الأعماق قبل أن يراها أحد. هنا تتحول اللغة نفسها إلى كائن بحري، وتصبح الكلمة صدفة، والصدفة كلمة. وهذه من أجمل عمليات التبادل الرمزي في النص؛ إذ تذيب الكاتبة الحدود بين اللغة والطبيعة حتى يغدو الكون كله خطابًا ينتظر من يصغي إليه.
وتستثمر الكاتبة عنصر الانتظار بوصفه فعلًا وجوديًا لا زمنيًا. فالأطفال لا ينتظرون ظهور الحورية لأنهم يتوقعون حدوثه، بل لأن الانتظار نفسه هو شكل من أشكال الإيمان. إنهم «يحدقون في البعيد حيث تفتح للماء أبواب لا نراها». وهذه العبارة من أكثر العبارات عمقًا في النص؛ لأنها تؤسس لعالمين متداخلين: عالم الرؤية المحدودة، وعالم الإمكان اللامحدود. فهناك أبواب، لكنها ليست من شأن العين أن تراها، وإنما من شأن القلب أن يصدق بوجودها.
ثم تأتي صورة المرأة التي تمشط شعرها بموجة لا تنكسر، فتتجاوز حدود الأسطورة الموروثة إلى بناء أسطورة جديدة. فالحورية هنا ليست شخصية حكائية، وإنما صورة للكمال الذي لا يقع في قبضة الواقع. ولذلك لا تصف الكاتبة ملامحها، ولا صوتها، ولا جمالها المباشر، وإنما تصف أفعالها الهادئة. فهي تمشط شعرها، وتعلق لآلئ لم تعرفها يد. وكأن النص يريد أن يقول إن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى أن يُرى، وإنما يكفي أن يترك أثرًا في المخيلة.
ومن أبدع ما في النص أن الكاتبة تجعل البحر نفسه شريكًا في هذه الأسطورة. فهو حين يشعر باقترابها «يبطئ الموج، ويجمع الضوء على صفحة الماء». وهذه ليست صورة جمالية فحسب، بل هي أنسنة كاملة للطبيعة. فالبحر هنا يتصرف كما يتصرف العاشق الذي يرتب المكان قبل وصول محبوبته. إنه يهيئ المشهد، ويخفض صوته، ويجمع الضوء كما يجمع المضيف الزهور قبل قدوم ضيف كريم. وهكذا يغدو البحر شخصية فاعلة، لا خلفية للأحداث.
غير أن الكاتبة لا تقع في غواية تحقيق الأسطورة، بل تمتلك شجاعة إبقائها بعيدة. فالحورية تعرف أن الأسطورة إذا ظهرت انتهت. لذلك لا تمنح الإنسان حضورها، وإنما تمنحه أثرها. وهذه من أعمق الرؤى الفلسفية في النص. فالأسطورة لا تعيش باليقين، وإنما بالاحتمال. وما إن تتحول إلى حقيقة ملموسة حتى تفقد قدرتها على الإلهام. ولهذا لا تترك إلا «دليلًا صغيرًا، لمعانًا عابرًا، أو أغنية لا يكملها أحد». وهذه الثلاثية ليست اعتباطية؛ فاللمعان يخص العين، والأغنية تخص السمع، والدليل يخص العقل، وكأن الحورية تمر على الحواس كلها دون أن تمنح أيًّا منها الاكتمال.
وتكشف الخاتمة عن التحول الأكبر في النص. فالزمن يمضي، والأطفال يكبرون، لكن البحر لا يتغير. وليس ثبات البحر هنا ثباتًا فيزيائيًا، وإنما ثبات في الوظيفة الرمزية. إنه ما يزال يؤدي المهمة نفسها: حفظ السر. وهذا يعني أن العالم، مهما تبدلت العصور، يحتاج دائمًا إلى مساحة لا تُفسَّر، وإلى غموض نبيل يحفظ للروح قدرتها على الدهشة.
ولهذا تبدو العبارة الأخيرة: «ويترك في قلب كل من جلس على شاطئه يقينًا صغيرًا أن الحوريات لم يرحلن يومًا، وأن البحر ما زال يحفظ موعدهن» أكثر من خاتمة شعرية؛ إنها خلاصة فلسفة النص كلها. فالكاتبة لا تطالب القارئ بأن يؤمن بالحوريات، بل بأن يؤمن بالقدرة الإنسانية على الاحتفاظ بجزء من الطفولة، وبأن العالم لا يزال أكبر من تفسيراتنا. إن «اليقين الصغير» ليس يقينًا بوجود الحورية، بل يقين بأن الحياة تفقد جزءًا من جمالها حين نفقد استعدادنا لتصديق المستحيل الجميل.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذا النص لا تكمن في جمال صوره وحده، ولا في رهافة لغته، بل في أنه يوقظ داخل القارئ منطقة نائمة طالما غطاها صخب الواقع. إنه يعيد الاعتبار للمخيلة بوصفها طريقًا إلى الحقيقة، لا نقيضًا لها، ويجعل الأسطورة شكلًا من أشكال المعرفة، لا نقيضًا للعقل. فالأسطورة هنا ليست هروبًا من العالم، بل وسيلة لاكتشاف طبقته الأعمق؛ تلك الطبقة التي لا تُرى بالعين، وإنما تُبصر بالقلب حين يظل، رغم الأعوام، قادرًا على الجلوس أمام البحر منتظرًا لمعانًا عابرًا، أو أغنيةً لم تُكملها أحد.
النص
ذاكرة البحر
ازدهار علي المصطفى
البحرُ يعرفُ
أنَّ الأطفالَ لا يأتونَ إليه
ليجمعوا الأصداف
وإنَّما ليطمئنُّوا
أنَّ الحكاياتِ
ما زالتْ تتنفَّسُ
تحتَ الماء.
لذلك
كان يُرسِلُ إليهم
موجةً أهدأَ من سواها
ويتركُ على الرملِ
صدفةً مفتوحةً،
كأنَّها كلمةٌ
سقطتْ من فمِ حوريَّةٍ
عادتْ إلى الأعماقِ
قبلَ أن يراها أحد.
وكنَّا ننتظرُ طويلًا
نُحدِّقُ في البعيد
حيثُ تُفتَحُ للماءِ
أبوابٌ لا نراها
واثقينَ
أنَّ البحرَ
يُخفي امرأةً
تُمشِّطُ شعرَها
بموجةٍ لا تنكسر
وتعلِّقُ في عنقِها
لآلئَ
لم تعرفْها يدٌ
وكان البحرُ
كلَّما شعرَ باقترابِها
يُبطئُ الموجَ
ويجمعُ الضوء
على صفحةِ الماء
حتى نظنَّ
أنَّها ستخرجُ
في اللحظةِ التالية
لكنَّها
كانت تعرفُ
أنَّ الأسطورةَ
لا تظهرُ أبدًا
وإنَّما تتركُ
دليلًا صغيرًا
لمعانًا عابرًا
أو أغنيةً
لا يُكمِلُها أحد
وحين مضتِ الأعوام
بقي البحرُ
على عادتِه
يُخفي سرَّهُ بإتقان
ويتركُ في قلبِ كلِّ من جلسَ على شاطئِه
يقينًا صغيرًا
أنَّ الحورياتِ
لم يرحلنْ يومًا
وأنَّ البحرَ
ما زالَ
يحفظُ موعدَهنّ



