أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

عائشة الحجاج.. طبيبة أعصاب تتنفس تحت الماء

تامر السيدالثلاثاء 1 سبتمبر 2026، 3:33 م
عائشة الحجاج.. طبيبة أعصاب تتنفس تحت الماء

القطيف: ليلى العوامي

بين دماغ الإنسان وأعماق البحر، بنت الدكتورة عائشة الحجاج مسارين مهنيين يبدوان، للوهلة الأولى، بعيدين تماماً عن بعضهما؛ فهي استشارية جراحة مخ وأعصاب، وفي الوقت نفسه مدربة مدربين في الغوص، ومتخصصة في طب الغوص، تهبط إلى أعماق وصلت معها إلى نحو 80 متراً.

بدأ البحر بالنسبة إليها متنفساً من ضغط التخصص الدقيق في كندا، ثم تحول من هواية إلى مجال آخر للتخصص والتدريب. وفي الأعماق وجدت الحجاج أن شيئاً من عقلية غرفة العمليات يرافقها: الهدوء، والانتباه للتفاصيل، وترتيب الأولويات، والأهم ألا يكون القرار أسرع من فهم الموقف.

إلى البحر

عملت الحجاج سنوات في جراحة المخ والأعصاب، وشملت خبرتها الجراحة العامة للمخ والأعصاب، وجراحات العمود الفقري، والجراحات الوعائية العصبية، كما تولت سابقاً رئاسة قسم جراحة المخ والأعصاب.

وبالتوازي مع ذلك، بنت مساراً متخصصاً في طب الغوص، وحصلت على تأهيلات مهنية تشمل OEUK Medical Examiner وIMCA-listed Diving Medical Examiner وUHMS-listed Diving Physician، إلى جانب كونها SSI Instructor Trainer ومدربة في الغوص التقني والتكيفي.

كما حصلت على درجة الماجستير في Sport Industry & Lifestyle Management. لكن علاقتها بالغوص بدأت في ظرف مختلف تماماً.

تقول الحجاج: «بدأت الغوص أثناء فترة التخصص الدقيق في كندا. كانت فترة شديدة الضغط، والغوص كان تقريباً المتنفس الوحيد الذي أستطيع أن أمارسه وسط متطلبات الـ fellowship».

وعندما عادت إلى السعودية، قررت الانتقال خطوة أخرى، وحصلت عام 2018 على اعتماد التدريب.

كان الدافع الأول بسيطاً: أن ترى نساء أكثر في البحر، لكن الفكرة اتسعت لاحقاً.

تقول: «لم يعد هدفي أن أضع نساء أكثر في البحر فقط، بل أصبحت أؤمن بأن المحيط للجميع، وأن علينا أن نغيّر طريقة التعليم عندما يحتاج الإنسان إلى طريقة مختلفة للوصول إلى نفس التجربة».

ومن هنا اتجهت إلى الغوص التكيفي، وحصلت على اعتماد التدريب فيه عام 2023، ثم أسست مركز Corals & Shells Diving Center في المنطقة الشرقية، لتقديم الغوص بوصفه مهارة تُبنى تدريجياً، لا مجرد تجربة ترفيهية تنتهي بالحصول على رخصة.

الجرّاحة لا تندفع.. والغواصة أيضاً

أين يلتقي مشرط جراحة الأعصاب بأسطوانة الهواء؟ بالنسبة إلى الحجاج، ليس التشابه في الخطورة، بل في طريقة التفكير. تقول: «في غرفة العمليات وتحت الماء، البيئة لا تكافئ الاندفاع. تحتاج أن تعرف أين أنت، وما الذي يحدث حولك، وما الذي تغير، وما الخطوة التالية التي يجب اتخاذها».

والتفاصيل الصغيرة حاسمة في العالمين؛ فملاحظة واحدة في توقيتها الصحيح قد تفصل بين موقف عابر ومشكلة حقيقية.

ومع ذلك، ترفض الحجاج المبالغة في تشبيه الغوص بالجراحة، موضحة أن الغوص الترفيهي، حين يُدرّس ويُمارس بطريقة صحيحة، نشاط منظم وآمن نسبياً، بينما تحمل الجراحة مستوى مختلفاً تماماً من المسؤولية والنتائج.

أما الثبات الذي يحتاجه الجرّاح والغواص، فتصفه بـ«الهدوء المنظم». وتختصر فلسفتها في جملة: «لا تتصرف أسرع من قدرتك على فهم الموقف». فالخوف والتوتر قد يحدثان، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبحان هما من يتخذ القرار.

البحر يصغّر العالم

عادة ما يهرب الإنسان من ضغط عمله إلى هواية سهلة، لكن الحجاج اختارت هواية تحتاج بدورها إلى تركيز وانضباط. وتضحك من المفارقة: «الغريب أنني على ما يبدو لا أجيد اختيار الهوايات السهلة». ومع ذلك، يختلف التركيز في البحر عنه داخل غرفة العمليات.

هناك، يرتبط القرار بمسؤولية مباشرة عن إنسان آخر. أما تحت الماء، خصوصاً عندما تغوص لنفسها، فإن العالم كله يصغر إلى عناصر محدودة: التنفس، الحركة، المكان، الضوء، والحياة البحرية.

تقول: «أكون حاضرة بالكامل في البيئة الموجودة أمامي. ربما لهذا أجد البحر مريحاً رغم أنه يحتاج إلى تركيز. هو لا يطلب مني ألا أفكر؛ بل يجعلني أفكر في شيء واحد في اللحظة نفسها».

غواصة مفقودة

لكن البحر لا يمنح دائماً هذا الهدوء. في نصف القمر، واجهت الحجاج واحداً من أصعب المواقف في مسيرتها التدريبية حين فقدت متدربة تحت الماء. كان الفريق يصعد، ثم اختفت المتدربة من مجال الرؤية. وكانت غواصة جديدة لم يستقر بعد تحكمها في الاتجاه وحركة الزعانف.

استغرق العثور عليها قرابة 5 دقائق. تقول الحجاج: «كانت خمس دقائق طويلة جداً بالنسبة للمدرب». وهنا ظهر ما تتحدث عنه دائماً: منع القلق من التحول إلى حركة عشوائية. عادت إلى آخر نقطة شوهدت فيها المتدربة، وبدأ البحث بطريقة منظمة ومنهجية، حتى عُثر عليها بخير.

لكن الدقائق الخمس بقيت في ذاكرتها، ورسخت لديها أهمية ما قد يبدو للمتدرب تفاصيل صغيرة: موقع الزميل، التواصل، والاتجاه.

تحت الماء؟

ترفض الحجاج صناعة بطولة لم تحدث. فعندما سُئلت عن مهارة جراحية أنقذتها يوماً تحت الماء، أجابت بأنها لا تتذكر موقفاً يمكن وصفه بذلك، وأضافت بروح ساخرة: «لو وصلنا إلى موقف يحتاج إلى مهارات جراحة المخ والأعصاب تحت الماء، فنحن على الأرجح في مشكلة كبيرة جداً».

لكن الجراحة انتقلت معها إلى البحر بطريقة أخرى: تحديد المشكلة، والسيطرة على الممكن، وترتيب الأولويات، ومنع التوتر من جعل القرار أسرع من التفكير.

أدرينالين الدهشة

حتى الأدرينالين مختلف بين العالمين. في العمليات الحرجة، لا تبحث الحجاج عنه؛ فالمطلوب من الجرّاح أن يبقى حاضر الذهن وقادراً على قيادة الفريق مهما ارتفع مستوى الخطر. أما تحت الماء، فأدرينالينها المفضل هو الدهشة. وتتذكر لقاء سمكة Mola Mola في بالي، وغوصات الانجراف وسط التيارات في السودان، وتصوير الأخطبوط ذي الحلقات الزرقاء ليلاً في إندونيسيا.

«هناك لحظات تحت الماء تجعلك تفكر: هل أنا فعلاً أرى هذا الآن؟».

80 متراً..

وصلت الحجاج في إحدى غوصاتها التقنية العميقة إلى قرابة 80 متراً. ولا تتذكر تجربة تستطيع الجزم بأنها كانت «سكر أعماق» بالصورة الكلاسيكية، لكنها تتذكر بوضوح الإجهاد والتحميل المعرفي في ذلك العمق. فكلما ازداد العمق، تضاعفت المعلومات والقرارات والمتابعة المطلوبة من الغواص.

وتوضح أن Nitrogen Narcosis لا يعني بالضرورة الهلوسة أو النشوة؛ فقد يظهر في صورة تغير في الحكم، أو بطء التفكير، أو الثقة الزائدة، أو تراجع الانتباه والأداء. والأخطر أن الغواص نفسه قد لا يدرك أن قدراته تغيرت.

ولهذا خرجت من تجربة الأعماق باحترام أكبر للغوص التقني، وقناعة بأن كفاءة الفريق في الأعماق الكبيرة «ليست رفاهية».

100 صورة لكائن

ومن اللقاءات التي بقيت في ذاكرتها، الأخطبوط ذو الحلقات الزرقاء في إندونيسيا. كائن صغير، شديد السمية، لكن رد فعل الطبيبة أمامه لم يكن الخوف، بل الفرح. تقول إنها التقطت له نحو 100 صورة، بينما كان الأخطبوط يحاول الهرب والاختباء منها. وتلخص المفارقة: «بعض الكائنات التي نراها نحن مذهلة ونادرة، هي غالباً لا تريد منا إلا أن نتركها وشأنها».

غوصة لا تريد تكرارها

الحطام البحري جزء آخر من رحلات الحجاج، لكن له عندها قاعدة صارمة: «لا نأخذ من البحر شيئاً إلا النفايات». فالحطام، كما تقول، «ليس متجر هدايا»، وما يوجد فيه جزء من المكان وتاريخه. غاصت في حطام Thistlegorm، حيث ما زالت المركبات والمعدات والأجزاء الغارقة تروي قصة السفينة. لكن تجربة Salem Express كانت مختلفة. هناك اختفى فضول الغواصة أمام ثقل المأساة. تقول: «لم أشعر أنني أستكشف سفينة. شعرت كأنني أمر داخل مقبرة». خرجت من الغوصة وهي تعرف شيئاً واحداً: لا تريد العودة إليها مرة أخرى.

الغوص ليس وصفة طبية

ورغم تخصصها الطبي، تتحفظ الحجاج على تحميل الغوص فوائد صحية ونفسية غير مثبتة. فالهدوء الذي يشعر به شخص تحت الماء شيء، والقول إن الغوص يعالج اضطراباً نفسياً أو يحسن وظائف الدماغ طبياً شيء آخر.

وترى أن الغوص يجمع عناصر قد تمنح الإنسان شعوراً جيداً: النشاط البدني، والتركيز في اللحظة، وتعلم مهارة، والوجود في الطبيعة، وتنظيم التنفس والحركة. لكن ما يلفت اهتمامها كطبيبة هو الانتباه. فالغواص المبتدئ يستهلك جزءاً كبيراً من انتباهه في المعدات والتنفس والحركة. ومع تراكم الخبرة تصبح هذه المهارات أكثر تلقائية، ويتحرر الانتباه لمراقبة البيئة واتخاذ القرارات.

عين واحدة

هل تنظر الحجاج إلى البحر بعين الطبيبة أم بعين الغواصة؟

يصعب عليها الفصل بينهما. تراقب تفاعل الأسماك، وتغير سلوكها، وبنية الشعاب المرجانية، وتوزع الكائنات فوقها. المكان الذي يبدو للوهلة الأولى كتلة واحدة يتحول، مع التوقف والتأمل، إلى طبقات من الحياة. ولذلك لا تبحث عن «ظاهرة» واحدة توقظ الطبيبة داخل الغواصة. تقول ببساطة: «الطبيبة والغواصة عندي تنظران معاً». وعند الهبوط إلى الأعماق، لا تصفه الحجاج بأنه هروب من الحياة أو مواجهة درامية مع الذات.

في البداية ينشغل الغواص بنفسه: هل يتنفس جيداً؟ هل ساوى الضغط؟ أين زميله؟ هل هو مرتاح؟ ثم تأتي الخبرة، فيهدأ هذا الضجيج الداخلي. وهنا تبدأ، بالنسبة إلى عائشة الحجاج، أجمل لحظة في الغوص:

أن يصبح وجودها تحت الماء طبيعياً بما يكفي لكي تتوقف عن التفكير في نفسها.. وتبدأ في رؤية العالم من حولها.