أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
الوطن

حين تعطش قناة بنما.. “إل نينيو” تهدد الغذاء والتجارة

أملالأربعاء 26 أغسطس 2026، 10:31 ص
حين تعطش قناة بنما.. “إل نينيو” تهدد الغذاء والتجارة

متابعات: صُبرة

لا تحتاج السفينة العابرة لقناة بنما إلى محرك قوي فقط كي تنتقل بين المحيطين؛ إنها تحتاج إلى الماء أيضا، فعند دخول السفينة إحدى غرف العبور المائية في القناة، تُفتح البوابات وتتدفق كميات ضخمة من المياه العذبة لرفعها أو خفضها، قبل أن تواصل رحلتها، وتتكرر العملية مع كل سفينة، عشرات المرات يوميا، في ممر تعبره سلع وحاويات تؤثر حركتها في أسواق تبعد آلاف الكيلومترات.

لكن الماء الذي يحمل السفن بدأ ينحسر.

هنا تظهر “إل نينيو” على الأرض، لا بوصفها مصطلحاً مناخياً يُتداول في نشرات الطقس، بل قوة تمتد آثارها من قاع خزان مائي في بنما إلى حقل ذرة في السلفادور، ومن قطيع ماشية في هندوراس إلى أسعار الغذاء وحركة التجارة حول العالم.

بدأت الحكاية بعيدا، فوق مياه المحيط الهادئ الاستوائي، عندما ارتفعت حرارة سطح البحر على نحو غير معتاد، ووفق الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي “نوا”، تؤدي هذه الحرارة إلى تغيير حركة الرياح والضغط الجوي ومسارات الأمطار حول العالم، فتجف مناطق، بينما تواجه مناطق أخرى أمطارا غزيرة وفيضانات.

وفي أمريكا الوسطى، جاء الوجه الأول للظاهرة جافا وقاسيا.

قناة بلا أمطار

ذكرت وكالة “رويترز” أن كمية الأمطار على حوض قناة بنما، بين مايو وأغسطس، انخفضت بنسبة 34% عن معدلها المعتاد، بينما تراجعت تدفقات المياه إلى الحوض بنسبة 44%.

ولم تعد المشكلة متعلقة بحركة السفن وحدها؛ فالمصادر المائية نفسها تغذي المدن بمياه الشرب، وتشغّل محطات الكهرباء، وتروي الأراضي الزراعية.

ومع انخفاض المناسيب، وجدت إدارة القناة نفسها أمام معادلة صعبة: كل سفينة تعبر تحتاج إلى الماء، وكل كمية تُستخدم في الأهوسة (غرف العبور المائية) تعني ضغطا إضافيا على مورد يحتاج إليه السكان أيضا.

وبحسب “رويترز”، قررت هيئة قناة بنما تقليص عدد السفن المسموح لها بالعبور إلى 34 سفينة يوميا بدءاً من 4 سبتمبر، ثم إلى 32 سفينة اعتبارا من 15 سبتمبر.

وكانت القناة تسجل متوسطا يبلغ نحو 35 سفينة يوميا حتى يونيو، في حين تستطيع استقبال قرابة 40 سفينة في الظروف الطبيعية.

وبالنسبة إلى سفينة تنتظر دورها، قد يعني ذلك تأخيرا وتكاليف إضافية، أما بالنسبة إلى الأسواق، فقد تتحول ساعات الانتظار وأيامه إلى زيادة في كلفة الشحن، تمتد لاحقا إلى أسعار السلع التي تحملها السفن.

هكذا يصبح نقص المطر في بنما مشكلة يمكن أن تصل إلى متجر في قارة أخرى.

إجهاد مائي

لم تنتظر الحكومة البنمية تفاقم المشهد، فأعلنت حالة الطوارئ، بعد هندوراس والسلفادور، لتكون الدولة الثالثة في أمريكا الوسطى التي تتخذ هذا الإجراء في مواجهة “إل نينيو”.

ونقلت وكالة “فرانس برس” عن وزيرة الداخلية البنمية دينوسكا مونتالفو أن إعلان الطوارئ سيتيح للسلطات الاستعداد لما قد تحمله الظاهرة، في ظل موجة جفاف ألحقت أضرارا بالمحاصيل وأثارت مخاوف من حدوث مجاعة.

ووفق وكالة “شينخوا”، كشفت مديرة معهد الأرصاد الجوية في بنما لوز دي كالساديلا عن دخول 11 حوضًا مائيًا في حالة “إجهاد مائي”، مع انخفاض مناسيب الأنهار وتأثر تشغيل محطات توليد الكهرباء وتنقية مياه الشرب.

وأفاد مدير النظام الوطني للحماية المدنية في بنما عمر سميث بأن تداعيات الظاهرة طالت 15,453 شخصا منذ بداية عام 2026 حتى أغسطس الجاري.

ولا توحي التوقعات بانفراج قريب؛ إذ توقع معهد الأرصاد البنمي اتساع نقص الأمطار خلال أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2026، واستمراره من يناير حتى مايو 2027، بما يهدد بانخفاض مناسيب البحيرات والخزانات، ويضغط على الزراعة وإمدادات المياه وتشغيل القناة.

لكن السفن، رغم أهميتها، ليست سوى الجزء الأكثر ظهورا من الأزمة، أما الجزء الأشد قسوة فيبدأ حين ينظر المزارع إلى السماء ولا تمطر.

الممر الجاف

إلى الشمال من بنما، تمتد أجزاء من السلفادور وهندوراس ونيكاراغوا وغواتيمالا داخل نطاق يُعرف باسم “الممر الجاف في أمريكا الوسطى”.

ووفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو”، يُعد هذا النطاق من أكثر المناطق عرضةً لتداعيات “إل نينيو”، ويعتمد كثير من سكانه على الزراعة لتأمين الغذاء والدخل.

هناك، تنتظر الأسر الريفية المطر كي تبدأ زراعة الذرة والفاصولياء وغيرهما من المحاصيل الأساسية، وعندما يتأخر المطر، لا يتأخر موسم الزراعة فقط؛ فقد تُدفن البذور ثم تموت في التربة، أو تنمو النباتات ضعيفة قبل أن تجف، فيخسر المزارع محصوله وغذاء أسرته ومصدر دخله في وقت واحد.

وذكرت “فرانس برس” أن نقص الأمطار في السلفادور قضى على محاصيل زراعية، ودفع السلطات إلى إعلان حالة تأهب قصوى لتفعيل عمليات الرصد وتقديم المساعدات إلى المجتمعات المتضررة.

وأعلنت وزارة الزراعة السلفادورية تقديم مساعدات غذائية إلى الأسر الريفية التي لا تمتلك أنظمة للري، وسط مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء واتساع آثار الجفاف.

أما هندوراس، فوضعت نحو 80% من أراضيها في حالة تأهب، بعدما هدد نقص المياه المحاصيل والماشية والإمدادات الغذائية. ووصلت خسائر المحاصيل في بعض أجزاء “الممر الجاف” إلى ما بين 90 و100%.

هنا لا يعود الجفاف مجرد أرض متشققة تُلتقط لها الصور. إنه مخزن حبوب يفرغ، وبئر ينخفض ماؤها، وماشية يصعب توفير العلف لها، وأسرة تضطر إلى شراء ما كانت تنتجه بنفسها.

ومع تسجيل درجات حرارة قياسية خلال يونيو ويوليو في بنما والسلفادور وهندوراس، ازدادت سرعة فقدان التربة للمياه، وتضاعف الضغط على المزروعات ومصادر الشرب، وارتفعت المخاوف من تحول الأزمة المناخية إلى أزمة غذائية، خصوصا لدى الأسر التي لا تمتلك مدخرات أو وسائل ري أو مصدر دخل بديلا.

البيرو.. النتيجة معكوسة

وعلى امتداد الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، تعرض “إل نينيو” وجهاً مختلفاً.

فبينما تسحب الأمطار من مناطق في أمريكا الوسطى، قد تدفع بها بكثافة نحو البيرو، مصحوبةً بحرارة مرتفعة وسيول وانهيارات أرضية وأضرار بالمزارع والماشية.

وذكرت “رويترز” أن حكومة البيرو أعلنت مطلع يوليو حالة الطوارئ في 796 منطقة، تمثل نحو 40% من البلاد، بسبب الخطر الوشيك لأمطار غزيرة مرتبطة بالظاهرة.

وأوضحت الحكومة البيروفية أن الإجراء يهدف إلى حماية السكان والزراعة والثروة الحيوانية، وتمكين السلطات المحلية من التنسيق مع الحكومة المركزية للحد من الأخطار المتوقعة.

إنها المفارقة التي تفسر خطورة “إل نينيو”: الظاهرة واحدة، لكن آثارها ليست واحدة. بلد يبحث عن المطر، وآخر يستعد لصدّه. حقول تموت عطشًا، وأخرى قد تجرفها المياه.

من المحيط إلى المائدة

توضح منظمة الأرصاد الجوية العالمية أن “إل نينيو” ظاهرة طبيعية تتكرر عادةً كل عامين إلى 7 أعوام، وتنشأ عند ارتفاع حرارة المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، قبل أن تؤثر في أنماط الرياح والضغط الجوي والأمطار على نطاق عالمي.

لكن الدورة الحالية تثير قلقا أكبر؛ ويرجح مركز التنبؤات المناخية الأمريكي، بنسبة تتجاوز 90%، أن تصبح “إل نينيو” شديدة جدا خلال خريف وشتاء 2026 و2027، فيما يبلغ احتمال وصولها إلى قوة تاريخية بين أكتوبر وديسمبر المقبلين 69%.

ويتجاوز الخطر حدود أمريكا اللاتينية. فقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن الظاهرة قد تعرض ما لا يقل عن 49 مليون شخص إضافي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول نهاية 2027، مع توقع ظهور أشد التداعيات في أمريكا الوسطى وجنوب وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

ولا تعني هذه التوقعات أن الجوع أو الفيضانات سيقعان بالمستوى نفسه في كل مكان؛ فالنتائج ترتبط بقوة الظاهرة ومدتها، وكميات الأمطار، وقدرة الحكومات والمجتمعات على الاستعداد. لكنها تفسر لماذا بدأت الدول إعلان الطوارئ قبل بلوغ الأزمة ذروتها.

فحين يبدأ سطح المحيط الهادئ في الاحترار، لا تبقى الحرارة في البحر، تتحرك الرياح، وتتبدل السحب، ويجف نهر، ويتعطل موسم زراعي، وتنخفض بحيرة، وتتأخر سفينة.

لذا؛ قد يجد إنسان بعيد عن بنما والسلفادور نفسه يدفع ثمن ظاهرة بدأت بتغير درجات قليلة في مياه المحيط.