الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حصاد السنين

صُبرةالثلاثاء 1 سبتمبر 2026، 3:00 م
حصاد السنين

أكملتُ ستةً وخمسين عاماً من العمل المتواصل، كأنني عبرتُ خلالها قاراتٍ من البشر ومواسمَ من التجارب.

سنواتٌ حملتُ فيها وجوهاً لا تُنسى، من عاملٍ بسيطٍ يطمئن القلب لحديثه، إلى رئيسِ دولةٍ عظمى شعرتُ أمامه بأن رهبة العالم كلّه تجمّعت في يدي لحظة المصافحة. وفي كل تلك الرحلة، كنتُ خزاناً لأسرار الناس؛ أسرارٌ دخلت قلبي ولم تخرج، وحلفتُ أن تبقى فيه، لا يطّلع عليها قريبٌ ولا بعيد.

أقابل الناس خارج إطار العمل بما يليق بهم، حتى وإن كنتُ أعرف عنهم ما لا يعرفه غيري؛ فلكلّ إنسانٍ حقّه في الصورة التي يختار أن يظهر بها.

وخلال خمسة عقودٍ ونيف، تعلّمتُ أن الحياة ليست عدّاداً للأيام، بل أثرٌ نتركه في الأرواح، وقدرةٌ على التكيّف مع رياحها المتقلّبة. رأيتُ الأقنعة تتساقط عند أول امتحانٍ حقيقي، ورأيتُ البساطةَ ترتفع إلى مقامٍ لا يبلغه أصحاب القصور والقرار. وتعلّمتُ أن الإنصات فنٌّ لا يتقنه إلا من عاش كثيراً؛ فالناس لا يريدون حلولاً دائماً، بل يريدون قلباً يفهمهم دون أن يحاكمهم، وأذناً تحفظ السرّ كأنها تحفظ ماء الروح.

واليوم، وأنا أعتبُ عتبة العام السابع والخمسين، أقف أمام شريطٍ طويلٍ من الذكريات التي صاغتني كما تُصاغ المعادن في النار. رهبةُ التحديات الجديدة لا أخفيها؛ فهي وقودٌ يبقي الحواس يقظة، ويذكّرني بأن الحياة لا تُعطى لمن ينام على خبرته. لكنّ التجربة المتراكمة تقف في الجهة الأخرى كجبلٍ هادئ، تُشير إليّ ببوصلةٍ داخلية لا تخطئ الاتجاه، مهما علا ضجيج المفاجآت.

أدخل هذا العام بروحِ شابٍ لا يزال يؤمن بالدهشة، وبحكمةِ شيخٍ يعرف أن العطاء لا ينتهي ما دامت الشعلة متقدة. أمضي متسلّحاً بالتواضع، مستنداً إلى إرثٍ من المحبة واحترام الإنسان لأجل إنسانيته فقط، ومستعداً لامتحان الحياة الجديد… فما دام القلب ينبض، فإن الطريق لا يزال مفتوحاً أمامي.

أحبكم جميعا.