حين يصبح السؤال قصيدة في حضرة الاستاذ محمد العلي

نزأر المصطفى
في العاشرة من صباح أمس الأربعاء، لم تكن الزيارة إلى الأستاذ الكبير الشاعر والمفكر محمد العلي زيارةً عابرة لشاعر إلى شاعر، ولا لقاءً اجتماعياً يضاف إلى ما سبقه من لقاءات؛ كانت أقرب إلى أن تكون ساعةً ونصف الساعة من الإصغاء إلى ذاكرة الأدب، ومن الوقوف في حضرة تجربةٍ امتدت عقوداً وهي تنظر إلى الشعر لا بوصفه صناعةً للكلام، وإنما بوصفه بحثاً شاقاً عن الإنسان والمعنى والحقيقة.
كان اللقاء الذي سعدت بتنظيمه قد جمع نخبةً من الشعراء والأدباء: الشاعر الكبير عدنان العوامي، والشاعر المبدع جاسم الصحيح، والشاعر شفيق العبادي، والشاعر حيدر العبد الله، والأستاذ محمد حسن الجشي، وكاتب هذه السطور نزار المصطفى، في ضيافة الأستاذ محمد العلي، الذي ظل طوال اللقاء في موقع الأب الذي لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يصغي إليه الجميع؛ فبعض القامات لا تتصدر المجلس، وإنما يجعل حضورها المجلس أكثر ارتفاعاً.
بدأت اللقاء بكلمة ترحيبية بالأستاذ العلي، لم تكن في حقيقتها ترحيباً بشخصه بقدر ما كانت تحيةً لمسيرة طويلة من العطاء الشعري والفكري والأدبي، لمسيرة لم يكن فيها الشعر عنده زينةً لغوية، ولا تمريناً على البلاغة، وإنما كان موقفاً من الوجود، وطريقةً في النظر إلى الإنسان والعالم واللغة. رحبت به كما يرحب المرء بتاريخ حي، وبذاكرة ما زالت قادرة على أن تحاور الحاضر، لا من موقع الماضي، وإنما من موقع التجربة التي عبرت الماضي ولم تتوقف عنده.
ثم انتقل اللقاء إلى الشعر.
قرأ جاسم الصحيح قصيدته، وقرأ شفيق العبادي قصيدته، وقرأ حيدر العبد الله قصيدته، فكان لكل واحد منهم صوته ومساحته وطريقته في بناء القصيدة. ولم تكن القصائد الثلاث متشابهة في نبرتها أو رؤيتها، وهذا هو أجمل ما في الشعر حين يكون شعراً حقيقياً؛ إذ لا يدخل الشعراء إلى اللغة من باب واحد، ولا يبحثون عن الحقيقة بالطريق نفسها، وإنما يحمل كل شاعر تجربته الخاصة، ويأتي بها إلى المجلس كما يأتي المسافر من جهة مختلفة من العالم.
كانت القصائد حاضرةً بجمالها، وكان الإصغاء إليها جزءاً من جمالها. وحين ينصت الشعراء إلى الشعراء، لا يعود المستمع مستمعاً عادياً؛ إذ إن كل بيت يمر في أذن شاعر يمر عبر تاريخ طويل من الأسئلة والتجارب والمخيلة واللغة. ولهذا كان إعجاب الحاضرين بالقصائد الثلاث إعجاباً يتجاوز المجاملة، لأنه كان إعجاباً بالشعر حين يجد أمامه من يقدر على حمله.
لكن اللقاء بلغ ذروته الحقيقية في الفقرة الثالثة، حين طرحت السؤال الذي كنت أريد أن أضعه في قلب هذه الجلسة، لا لأستدرج إجابات جاهزة، وإنما لأفتح نافذة على ما وراء القصيدة.
سألت الشعراء جاسم الصحيح وشفيق العبادي وحيدر العبد الله: أيهما أسبق في التجربة الشعرية: المعنى والحقيقة أم اللغة؟ هل تأتي الحقيقة أولاً ثم تبحث عن لغتها، أم أن اللغة هي التي تكشف المعنى وتوصله إلى الشاعر؟ أم أن الاثنين يتخلقان معاً بحيث لا نستطيع أن نفصل أحدهما عن الآخر؟ ثم دفعت السؤال إلى منطقة أكثر حساسية: هل يصل الشاعر أحياناً إلى لحظة يشعر فيها أن اللغة لا تتسع لما يريد قوله، وأن في داخله إحساساً أو معنى أو تجربة أكبر من الكلمات التي يملكها؟
لم يكن السؤال عن اللغة بوصفها مفردات وقواعد، وإنما عن اللغة في أعمق معناها: عن قدرتها على حمل التجربة الإنسانية عندما تبلغ التجربة أقصى كثافتها.
أجاب الشعراء الثلاثة، وكل واحد منهم من موقعه وتجربته ورؤيته. لم تكن الإجابات تكراراً لصوت واحد، وإنما كانت ثلاث محاولات للاقتراب من السؤال نفسه من جهات مختلفة. وهنا بدا لي أن قيمة السؤال لم تكن في أن نصل إلى إجابة واحدة، بل في أنه كشف اختلاف الطرق التي يسلكها الشعراء للوصول إلى الحقيقة.
فالمعنى عند شاعر قد يكون هو الشرارة الأولى، وقد تكون اللغة عند شاعر آخر هي التي تفتح باب المعنى، وقد لا يكون هناك في التجربة الشعرية الفعلية فصلٌ بين الاثنين أصلاً؛ لأن الشاعر حين يعيش التجربة لا يعيشها في ترتيب فلسفي: معنى أولاً، ثم لغة ثانياً، وإنما يعيش لحظة غامضة تتداخل فيها الرؤية بالإحساس، والإحساس بالصورة، والصورة بالكلمة، حتى يصبح من الصعب أن نعرف أين انتهى الشعور وبدأت اللغة، وأين انتهت اللغة وبدأ المعنى.
وهنا تحديداً كان السؤال يقود إلى سؤال أكبر: هل اللغة وعاء للمعنى، أم أن المعنى لا يوجد أصلاً إلا حين تمنحه اللغة شكله؟
ولعل الشاعر الحقيقي يعرف أن الكلمات ليست مجرد أدوات يحمل بها ما في داخله، بل إنها في كثير من الأحيان هي التي تكشف له ما في داخله. قد يظن الشاعر أنه يعرف ما يريد قوله، ثم يبدأ الكتابة، فإذا باللغة تأخذه إلى مكان لم يكن يعرف أنه موجود. وقد يملك إحساساً شديد الوضوح في داخله، لكنه يعجز عن العثور على الكلمة التي تساويه. عندها يشعر أن اللغة ضاقت، لا لأنها فقيرة، وإنما لأن التجربة أصبحت أكبر من حدود التعبير المتاح.
وربما هنا تحديداً تبدأ مأساة الشعر الجميلة: أن الشاعر يعرف أكثر مما يستطيع أن يقول.
فالقصيدة ليست ما قاله الشاعر فقط، وإنما أيضاً ما عجز عن قوله، وما ظل واقفاً خلف الكلمات، وما أحس به ولم يجد له اسماً، وما حاول أن يقترب منه باللغة فانفلت منه إلى الصمت.
ومن هنا كان السؤال الثاني في عمقه سؤالاً عن حدود اللغة نفسها: هل اللغة عاجزة عن التجربة، أم أن التجربة حين تبلغ أقصى عمقها تصبح بطبيعتها عصيةً على الاكتمال اللغوي؟
كانت إجابات الشعراء الثلاثة مختلفة، ولكن اختلافها لم يبدد السؤال؛ بل زاده اتساعاً. وهذه هي قيمة الحوار حين يكون بين شعراء حقيقيين: لا ينتهي السؤال حين تبدأ الإجابة، وإنما يولد من الإجابة سؤال آخر.
ثم تركت التعليق الأخير للأستاذ الكبير محمد العلي.
وكان اختيار أن يكون التعليق في النهاية مقصوداً؛ لأنني كنت أريد أن تستقر الإجابات أولاً في فضاء المجلس، وأن نسمع أصوات الشعراء الثلاثة قبل أن نعود إلى صوت الأستاذ الذي أمضى عمره في ملاحقة الأسئلة الكبرى للغة والشعر والفكر.
وحين تحدث أبو عادل، لم يكن تعليقه مجرد تعليق على إجابات سمعها، ولم يكن حكماً على هذا الرأي أو ذاك؛ كان أشبه بإعادة وضع السؤال في موضعه الصحيح. أخذ ما قيل، ونظر إليه من مسافة التجربة الطويلة، ثم أعاده إلينا أكثر عمقاً واتساعاً. كان تعليقه شافياً وافياً راقياً، كما عهدناه دائماً؛ لا يجيب السؤال بحيث يغلقه، وإنما يضيء جوانبه بحيث يصبح السؤال نفسه أكثر وضوحاً.
وهنا شعرت أن اللقاء كله كان يتحرك في دائرة جميلة: شعراء في بداية السؤال، وقامة شعرية وفكرية في نهايته، وبين البداية والنهاية كانت اللغة تبحث عن الحقيقة، والحقيقة تبحث عن اللغة.
لم يكن الأستاذ محمد العلي في تلك اللحظة مجرد من يعلّق على إجابات الشعراء؛ كان حضور التجربة نفسها. كان الرجل الذي عاش مع اللغة طويلاً حتى لم تعد اللغة عنده شيئاً خارجياً يمكن الحديث عنه من بعيد. ولهذا بدا حديثه امتداداً طبيعياً لما سبق، لا خاتمةً مفروضة عليه.
وأجمل ما في اللقاء أن أحداً لم يكن يريد الانتصار لرأي على رأي. لم يكن ثمة امتحان ولا إجابة نموذجية. كان هناك شعراء يتأملون في سر مهنتهم، وفي ذلك المكان الخفي الذي تولد فيه القصيدة قبل أن تصبح قصيدة.
وحين خرجنا من اللقاء، بدا لي أن السؤال الذي طرحته لم يكن قد انتهى، وربما كان هذا هو النجاح الحقيقي له.
فالسؤال الكبير ليس هو الذي يمنحنا جواباً نهائياً، وإنما هو الذي يجعلنا بعد الإجابة أكثر وعياً بما كنا نظنه واضحاً.
لقد جمعنا في ذلك الصباح الشعر، والفكر، والتجربة، واللغة، ووضعناها جميعاً أمام سؤال واحد: حين يريد الشاعر أن يقول الحقيقة التي في داخله، من الذي يقود الآخر، المعنى أم اللغة؟
وربما كانت الإجابة الأعمق التي خرج بها اللقاء أن الشاعر لا يملك دائماً أن يحدد من بدأ أولاً؛ لأن لحظة الشعر الحقيقية لا تعرف هذا الفصل. هناك شيء يتخلق في الداخل، ثم تأتي اللغة لا لتكسوه فقط، بل لتكتشفه. وربما يكون المعنى يبحث عن لغته، وتكون اللغة في الوقت نفسه تبحث عن معناها، حتى يلتقيا في القصيدة.
وحين يحدث ذلك اللقاء النادر، لا تعود اللغة مجرد وسيلة، ولا يعود المعنى مجرد فكرة؛ يتحولان معاً إلى شعر.
وهكذا كانت ساعة ونصف الساعة من العاشرة صباحاً حتى الحادية عشرة والنصف أكثر من وقتٍ مر في مجلس أدبي؛ كانت وقفةً أمام الشعر وهو يفكر في نفسه، وأمام اللغة وهي تسأل عن حدودها، وأمام تجربةٍ كبيرة يمثلها محمد العلي، وأمام أجيال شعرية مختلفة اجتمعت حول سؤال واحد، لتكتشف أن الشعر، كلما ظنناه جواباً، عاد فأثبت لنا أنه السؤال الأجمل الذي لا يريد أن ينتهي.
وفي حضرة أبي عادل، أدركنا مرة أخرى أن بعض اللقاءات لا تنتهي حين يغادر أصحابها المكان؛ لأنها تترك في النفس سؤالاً يواصل الجلوس معنا، ويظل يبحث، مثل قصيدة لم تجد بعد كلمتها الأخيرة.



