نذير الماجد: لا أحد حزين.. في صورة سيلفي

القطيف: صُبرة
لا أحد حزين في صورة «سيلفي». قد يكون صاحب الصورة مثقلاً بهمومه، أو عائداً من يوم سيئ، أو يعيش مشكلة لا يعرف عنها متابعوه شيئاً، لكنه حين يرفع هاتفه ويختار الزاوية وينظر إلى العدسة؛ فالابتسامة هي الاحتمال الأقرب. وبعبارة الكاتب نذير حمزة الماجد: «الابتسامة ضرورة حتى وإن كانت زائفة».
هذه الملاحظة اليومية كانت واحدة من الصور التي حضرت في محاضرة ألقاها الماجد بعنوان «التقنيات الرقمية المعاصرة بين قلق الثقافة وانكشاف التفاوت الطبقي.. محاولة لبناء رؤية جدلية»، بدعوة من جمعية علم الاجتماع المهني، في 27 أغسطس الماضي، وأدارها إبراهيم فهد الحربي.
وعلى الرغم من العنوان الأكاديمي للمحاضرة؛ فإن كثيراً مما ناقشه الماجد يجري كل يوم في هواتفنا: صور «السيلفي» التي نلتقطها، والمقاطع التي نقلب بينها بإصبع واحد، وحياة الآخرين التي نراقبها، والمقارنات التي تبدأ حين نرى بيتاً أجمل، وسيارة أغلى، ورحلة أبعد، ووجهاً يبدو أكثر سعادة.
الابتسامة ضرورة
توقف الماجد عند ما وصفه بـ«طوفان من التصوير الذاتي أو السيلفي»، بوصفه أحد مظاهر الحياة الرقمية الجديدة. فالإنسان لم يعد يعيش اللحظة فحسب، بل أصبح يختار منها ما يريد عرضه على الآخرين، ويحدد الزاوية والصورة والتوقيت الذي يقدم من خلاله نفسه إلى العالم.
وفي هذا العالم المصور، يحضر الفرح أكثر من الحزن، والنجاح أكثر من الفشل، والسفر أكثر من الأيام العادية. تظهر الموائد الجميلة والاحتفالات والأماكن الجذابة والوجوه المبتسمة، فيما تبقى مساحات واسعة من الحياة خارج الكادر.
وهنا تظهر المفارقة التي يلتقطها الماجد. فالحزين والمتعب والقلق موجودون بطبيعة الحال، لكنهم حين يرفعون هواتفهم لالتقاط صورة لأنفسهم قد يبتسمون هم أيضاً. وبذلك لا تصبح الصورة كاذبة بالضرورة، لكنها لا تقدم إلا لحظة منتقاة من حياة أكثر اتساعاً وتعقيداً.
نرى أكثر مما نعيش
ويمتد أثر الشاشة، في قراءة الماجد، إلى علاقتنا بالعالم نفسه، وهو ما يناقشه من خلال التمييز بين «الحاضر المرئي» و«الحاضر المعيش». فالهاتف أتاح للإنسان أن يرى، في اللحظة نفسها تقريباً، أحداثاً وأشخاصاً وأماكن تقع على بعد آلاف الكيلومترات منه.
ويستطيع شخص جالس في منزله أن ينتقل خلال دقائق من حرب في بلد بعيد إلى حفل في مدينة أخرى، ومن مباراة إلى مطعم، ثم إلى صديق يقضي إجازته على شاطئ لم يزره. إنه حاضر في كل هذه المشاهد بعينيه، لكنه لا يعيش أياً منها فعلياً.
بهذا المعنى، وسعت التقنية مجال ما يستطيع الإنسان رؤيته إلى درجة هائلة، وقلصت المسافات إلى حركة إصبع على شاشة صغيرة. غير أن هذا الاتساع خلق مسافة جديدة بين العالم الذي نراه والعالم الذي نعيشه.
«مزايا الآخرين» أمامنا
وللشاشة أثر اجتماعي آخر يتوقف عنده الماجد مطولاً، يتعلق بانكشاف التفاوت الطبقي. فالمقارنة لم تعد محصورة في الجيران والأقارب وزملاء العمل والمحيط الاجتماعي القريب؛ إذ بات الإنسان يشاهد يومياً أنماط حياة لا تشبه حياته وربما تتجاوز قدراته المالية بمراحل.
فالبيت الفخم والسيارة الباهظة والرحلة البعيدة والفندق الفاخر والمطعم المكلف لم تعد صوراً نادرة. إنها محتوى يومي يصل إلى الهاتف، ويضع صاحبه باستمرار أمام ما يسميه الماجد «مزايا الآخرين».
لكن المقارنة هنا تجري بين طرفين غير متكافئين. فالإنسان يعرف عن نفسه كل شيء تقريباً؛ دخله ومشكلاته وديونه وأيامه العادية ونجاحاته وإخفاقاته، بينما لا يعرف عن الشخص الذي يتابعه إلا الجزء الذي اختار نشره. وبذلك قد يقارن حياته بكل تفاصيلها بلقطات منتقاة من حياة شخص آخر.
ومن هذه الزاوية، لم تخلق التقنية التفاوت الطبقي، لكنها جعلته أكثر ظهوراً وأقرب إلى العين. فما كان بعيداً أو مجهولاً أصبح يمر يومياً على الشاشة، وقد أصبح بإمكان الإنسان أن يتفرج من غرفته على أنماط استهلاك ورفاهية في أي مكان من العالم.
من الحرب إلى النكتة
ويتناول الماجد أيضاً الطريقة التي يتدفق بها المحتوى إلى مستخدم الهاتف، خصوصاً في بيئة الفيديوهات القصيرة. ففي جلسة واحدة قد ينتقل المستخدم بين خبر حرب، ومقطع ساخر، ووصفة طبخ، وموعظة، وإعلان، وحادث، وقصة إنسانية، من دون وجود رابط بين هذه الموضوعات سوى أنها ظهرت متتابعة على الشاشة نفسها.
هذا الانتقال المتسارع يضع الانتباه أمام اختبار مستمر. فكل محتوى يحصل على ثوان أو دقائق قليلة قبل أن يحل محله محتوى آخر، في الوقت الذي يحتاج فيه التفكير في القضايا المعقدة إلى قدر من البطء والتركيز والاستمرار.
ومن هنا يصل الماجد إلى جانب من «قلق الثقافة» في البيئة الرقمية؛ فالمشكلة ليست في كثرة المعلومات وحدها، وإنما في الطريقة التي تصل بها، والسرعة التي تستهلك بها، وقدرة المستخدم على الانتقال من موضوع شديد الجدية إلى آخر ترفيهي خلال ثانية واحدة.
سقراط الذي لم يقل ذلك
والاختصار يصيب المعرفة نفسها. فالفكرة التي احتاجت كتاباً يمكن أن تتحول إلى سطرين، والقضية المعقدة إلى مقطع لا يتجاوز دقيقة، فيما تتداول أقوال منسوبة إلى شخصيات شهيرة لأن العبارة جذابة وقابلة للنشر، بصرف النظر عن صحة نسبتها.
ويشير الماجد في هذا السياق إلى تداول مقولات تنسب إلى أسماء مثل سقراط وأينشتاين، لتصبح شهرة الاسم بديلاً أحياناً عن التحقق من أصل العبارة وسياقها. والمعلومة التي تصل بهذه الطريقة سهلة وسريعة وقابلة للمشاركة، لكنها قد تكون مقطوعة عن جذورها التي تمنحها معناها.
الهاتف ليس متهماً
ومع كل هذا القلق، لا تنتهي محاضرة الماجد إلى إدانة التقنية أو الدعوة إلى الانسحاب من العالم الرقمي. فالهاتف نفسه الذي كشف الفوارق الاجتماعية وساهم في تسارع تدفق المحتوى منح الإنسان أيضاً قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة والتواصل، وقلص قيود المكان والزمان.
ولهذا وصف الماجد محاضرته بأنها «محاولة لبناء رؤية جدلية»؛ فالتقنية في هذه القراءة ليست خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً، وإنما واقعاً أعاد تشكيل جانب واسع من حياة الإنسان، وفتح إمكانات جديدة بالتزامن مع إنتاج مشكلات جديدة.
وفي مواجهة ذلك، يطرح الماجد تعميق الثقافة وزيادة الوعي والانخراط المسؤول، بدلاً من الانغلاق والانسحاب. فالعودة إلى عالم ما قبل الهاتف لم تعد خياراً عملياً، لكن التعامل مع العالم الذي وضعه الهاتف في جيوبنا يظل خياراً يومياً.
وربما تكفي صورة «السيلفي» نفسها لتذكيرنا بالمسافة بين العالمين؛ فالابتسامة التي نراها حقيقية في لحظتها، لكنها ليست الحياة كلها. ولهذا يبدو الجميع تقريباً سعداء في الصور، فيما يعرف كل واحد منا، بعيداً عن الكاميرا، أن للحياة وجوهاً أخرى.



