حين يزرع الأب حديقة في قلب ابنته

نزأر المصطفى
أزدهار قرأت نصك أكثر من مرة، وفي كل قراءة كنت أشعر أنني لا أقرأ نصاً عن الورد، ولا عن أب يهدي ابنته الزهور، وإنما أقرأ نصاً أعمق بكثير؛ نصاً عن الأب الذي لا يكتفي بأن يحب ابنته، بل يترك في داخلها الطريقة التي ستتعلم بها أن ترى نفسها حين تكبر.
من هنا أعتقد أن الجملة الأولى هي مفتاح النص كله:
«أبي لم يعطني باقة ورد
أعطاني عينا أرى بها نفسي»
هذه ليست جملة افتتاحية جميلة فحسب، وإنما هي الفكرة العميقة التي يتأسس عليها النص كله. فالوردة شيء يمكن أن يُهدى ويذبل ويسقط، أما العين التي يرى بها الإنسان نفسه فهي شيء آخر تماماً؛ إنها هدية لا تُمسك باليد، وإنما تستقر في الوعي. وكأن الأب لم يمنح ابنته شيئاً خارجها، بل منحها معياراً داخلياً ترى به قيمتها.
وأرى أن اختيارك للورد في البداية كان موفقاً، لأنك لم تتعاملي معه بوصفه زينة عاطفية، وإنما جعلت منه رمزاً يتطور مع النص. يبدأ في اليد، ثم ينتقل إلى القلب، ثم يتحول إلى اسم يشبه الحديقة، ثم يصبح في النهاية هوية كاملة: «أنت ابنة الحديقة».
وهذا التدرج هو أحد أجمل عناصر النص.
«ملأ يدي الصغيرة بالزهر والياسمين
حتى لم يبق فيهما مكان لشيء آخر
لكنه لم يكتف»
هنا أحببت جداً الانتقال من اليد الصغيرة إلى «لكنه لم يكتف». كأن الأب يعرف أن ما في اليد يمكن أن يضيع، ولذلك لا يريد أن تكون هديته عابرة.
ثم تأتي الجملة التي أراها من أجمل جمل النص:
«كان يعرف أن ما نحمله باليد قد يسقط
فوضع الورد في قلبي»
هنا يتحول الورد من هدية إلى تكوين. لم يعد شيئاً تملكينه، وإنما أصبح شيئاً يسكنك. وهذا في رأيي هو جوهر النص كله؛ الأب لم يكن يزرع في ابنته صورة جميلة عن طفولتها، بل كان يزرع فيها شيئاً سيبقى معها عندما لا يعود الورد موجوداً، وعندما تكبر الطفلة وتدخل عالماً قد لا يكون رحيماً دائماً.
ثم جاءت جملة:
«وكان يناديني باسم يشبه الحديقة»
فوجدتها شديدة الشعرية، لأنها تجعل الحديقة أكثر من مكان. إنها تتحول إلى اسم، والاسم هنا يصبح هوية. ولذلك حين تصلين في النهاية إلى «أنت ابنة الحديقة»، أشعر أن النهاية لم تأتِ من خارج النص، وإنما كانت موجودة منذ هذه الجملة الأولى.
بعد ذلك ينتقل النص انتقالة مهمة جداً من الذكرى الشخصية إلى التأمل الإنساني:
«ولم أكن أعرف أن الآباء لا يصنعون أبناءهم بالوصايا وحدها
بل بالطريقة التي ينظرون بها إليهم»
وهذه من أكثر الأفكار عمقاً في النص بالنسبة لي. فالطفل لا يتشكل فقط مما يسمعه من أبيه، وإنما مما يراه في عينيه. نظرة الأب إلى ابنته يمكن أن تصبح مع الزمن نظرتها هي إلى نفسها. وإذا شعر الطفل أنه محبوب ومرئي ومقدر، فقد يحمل هذه المعرفة معه إلى مراحل عمره كلها.
وهنا يصبح الأب في النص صانعاً للصورة الداخلية، لا مجرد مانح للحب.
ثم تأتي:
«فالطفلة التي يملأ أبوها قلبها بالحب
تكبر وفي داخلها شيء يعرف أن الإهانة ليست قدراً»
وأرى أن هذه الفكرة قوية جداً؛ لأن الحب الأبوي هنا لا يظهر باعتباره عاطفة جميلة في الطفولة فقط، وإنما باعتباره معياراً داخلياً للكرامة. فالإنسانة التي عرفت منذ طفولتها أنها جديرة بالحب قد تصبح أكثر قدرة على أن تشعر بأن الإهانة ليست شيئاً يجب عليها أن تتعايش معه بوصفه مصيراً.
ثم:
«والطفلة التي اعتادت الورد
تعرف لاحقا الفرق بين يد تهديها زهرة
ويد تريد أن تنتزع منها حديقتها»
هذه في رأيي من أجمل صور النص، وربما من أكثرها نضجاً. لأنك لم تقولي: بين يد تعطي ويد تأخذ، وإنما جعلت الفارق بين «زهرة» و«حديقة». اليد الأولى تمنح شيئاً جميلاً، أما اليد الثانية فلا تريد أن تنتزع زهرة، وإنما تريد أن تنتزع العالم الذي نشأت فيه المرأة.
وهنا تتحول الحديقة إلى رمز للكرامة والذات والحق في أن تكون المرأة نفسها.
ثم تقولين:
«لهذا لم يكن أبي يهديني الورد فقط
كان يبني في داخلي امرأة تعرف أن الرقة ليست ضعفا»
وهنا يصل النص إلى فكرته الأساسية بصورة واضحة جداً. أنت لا تقولين إن أباك جعلك قوية بمعنى أن تتخلي عن رقتك، بل تقولين شيئاً أجمل: إنه علمك أن الرقة نفسها يمكن أن تكون قوة، وأن المرأة ليست مطالبة بأن تتخلى عن حساسيتها حتى تحمي نفسها.
وهذه نقطة أراها مهمة جداً في النص، لأن القوة هنا ليست خشونة، وليست قسوة، وليست تشبهاً بما يؤذي؛ إنها قدرة على الاحتفاظ بالرقة من دون السماح للآخر بأن يحولها إلى ضعف.
أما الخاتمة فهي بالنسبة لي عودة ذكية جداً إلى بداية النص:
«وترك لي صوتا يظهر كلما اهتزت صورتي في عيني ويقول
أنا أعرفك
أنت ابنة الحديقة
فلا تصدقي أرضا تحاول أن تقنعك
أنك لا تزهرين»
في البداية أعطاك الأب «عيناً ترين بها نفسك»، وفي النهاية تظهر مشكلة «اهتزاز صورتك في عينيك». وهذا الربط جميل جداً، لأن الصوت الذي تركه الأب يصبح حارساً للصورة التي زرعها فيك.
وأكثر ما أعجبني في النهاية هو أنك لم تقولي: «لا تصدقي من يقول إنك لا تزهرين»، وإنما قلت:
«فلا تصدقي أرضا تحاول أن تقنعك
أنك لا تزهرين»
وهذه صورة أعمق بكثير؛ لأن المشكلة قد لا تكون في الزهرة، وإنما في الأرض التي وضعت فيها. وقد لا يكون عدم الإزهار دليلاً على أن الإنسان فقد قدرته على الحياة، وإنما ربما يكون دليلاً على أنه كان في المكان الخطأ، أو بين أناس لا يعرفون كيف يرون ما فيه.
وهنا تصبح الحديقة التي صنعها الأب داخل ابنته مقاومة للأرض التي تحاول أن تنكرها.
ومع ذلك، لدي ملاحظة واحدة فقط، وهي ملاحظة محب لا يريد للنص أن يفقد شيئاً من جماله.
أشعر في بعض المواضع أنك شرحتِ المعنى بعد أن نجحت الصورة الشعرية في قوله. خصوصاً في المقاطع التي تبدأ بـ«فالطفلة التي…» ثم «والطفلة التي…» ثم «لهذا لم يكن أبي…». الفكرة جميلة، ولكن بعض الصور التي سبقتها كانت قوية إلى درجة أنها قادرة على إيصال المعنى من غير حاجة إلى شرحه بهذه الدرجة.
وأنا أرى أن نصك سيكون أكثر قوة لو وثقتِ بالصورة الشعرية أكثر، وتركتِ للقارئ شيئاً يكتشفه بنفسه. فالورد، واليد الصغيرة، والقلب، والحديقة، والعين، والأرض، والإزهار؛ كلها رموز متماسكة وقادرة على حمل الفكرة من بدايتها إلى نهايتها.
بمعنى آخر، ملاحظتي ليست أن النص يحتاج إلى مزيد من الشعر، وإنما ربما يحتاج في بعض المواضع إلى قليل من الصمت.
فحين تكون الصورة قوية، يصبح حذف الشرح أحياناً إضافة، ويصبح ما لم تقوليـه جزءاً من جمال ما قلتِه.
أما من حيث الجوهر، فأنا أرى أن النص أعمق من أن يكون نصاً عن الأب والابنة فقط. إنه في حقيقته نص عن الصورة التي يصنعها الحب في داخل الإنسان، وعن الإنسان الذي يحمل هذه الصورة معه طوال حياته، ثم يعود إليها كلما حاول العالم أن يشككه في قيمته.
أنت لا تقولين إن أباك أعطاك الورد.
أنت تقولين إنه أعطاك القدرة على معرفة أنك تستحقين الورد.
وهذا فرق كبير.
لأن الورد يذبل، واليد تكبر، والأب قد يغيب، والأيام تتغير، لكن النظرة التي زرعها الأب في داخل ابنته يمكن أن تظل حاضرة، وتظهر كلما حاولت الحياة أن تهز صورتها عن نفسها.
ولهذا أرى أن أجمل ما في النص كله هو أنه يبدأ من شيء صغير جداً: طفلة تمسك الزهر بيديها، ثم يكبر هذا الشيء شيئاً فشيئاً حتى يصبح موقفاً من الحياة.
الطفلة التي تلقت الورد تصبح امرأة تعرف أن الرقة ليست ضعفاً.
والمرأة التي عرفت أنها حديقة لا ينبغي لها أن تصدق أرضاً تقول لها إنها لا تزهر.
وفي النهاية، أزدهار، أشعر أن أباك لم يترك لك الورد فقط، ولم يترك لك ذكرى جميلة عنه فقط؛ لقد ترك لك شيئاً أكثر بقاءً: ترك لك صوته في داخلك.
صوتاً يظهر حين تهتز صورتك في عينيك، ويعيدك إلى نفسك.
وهنا يصبح النص كله عودة إلى الجملة الأولى:
«أعطاني عينا أرى بها نفسي».
وهذه، في رأيي، ليست فقط أجمل جملة في النص، وإنما هي مفتاح حقيقته كلها.
لأن الإنسان قد يعيش عمره كله يبحث عمن يراه كما هو، فإذا وجده في أبيه مرة، استطاع أن يحمل تلك النظرة معه حتى بعد أن يغيب صاحبها.
ولهذا فإن النص، في جوهره، ليس عن الورد.
إنه عن أب زرع في ابنته حديقة، ثم ترك لها عيناً تعرف كيف تراها.
إنه في حقيقته نص عن الصورة التي يصنعها الحب في داخل الإنسان، وعن الإنسان الذي يحمل هذه الصورة معه طوال حياته، ثم يعود إليها كلما حاول العالم أن يشككه في قيمته.
أنت لا تقولين إن أباك أعطاك الورد.
أنت تقولين إنه أعطاك القدرة على معرفة أنك تستحقين الورد.
وهذا فرق كبير.
لأن الورد يذبل، واليد تكبر، والأب قد يغيب، والأيام تتغير، لكن النظرة التي زرعها الأب في داخل ابنته يمكن أن تظل حاضرة، وتظهر كلما حاولت الحياة أن تهز صورتها عن نفسها.
ولهذا أرى أن أجمل ما في النص كله هو أنه يبدأ من شيء صغير جداً: طفلة تمسك الزهر بيديها، ثم يكبر هذا الشيء شيئاً فشيئاً حتى يصبح موقفاً من الحياة.
الطفلة التي تلقت الورد تصبح امرأة تعرف أن الرقة ليست ضعفاً.
والمرأة التي عرفت أنها حديقة لا ينبغي لها أن تصدق أرضاً تقول لها إنها لا تزهر.
وفي النهاية، أزدهار، أشعر أن أباك لم يترك لك الورد فقط، ولم يترك لك ذكرى جميلة عنه فقط؛ لقد ترك لك شيئاً أكثر بقاءً: ترك لك صوته في داخلك.
صوتاً يظهر حين تهتز صورتك في عينيك، ويعيدك إلى نفسك.
وهنا يصبح النص كله عودة إلى الجملة الأولى:
«أعطاني عينا أرى بها نفسي».
وهذه، في رأيي، ليست فقط أجمل جملة في النص، وإنما هي مفتاح حقيقته كلها.
لأن الإنسان قد يعيش عمره كله يبحث عمن يراه كما هو، فإذا وجده في أبيه مرة، استطاع أن يحمل تلك النظرة معه حتى بعد أن يغيب صاحبها.
ولهذا فإن النص، في جوهره، ليس عن الورد.
إنه عن أب زرع في ابنته حديقة، ثم ترك لها عيناً تعرف كيف تراها.
النص
ازدهار المصطفى
أبي لم يعطني باقة ورد
أعطاني عينا أرى بها نفسي
ملأ يدي الصغيرة بالزهر والياسمين
حتى لم يبق فيهما مكان لشيء آخر
لكنه لم يكتف
كان يعرف أن ما نحمله باليد قد يسقط
فوضع الورد في قلبي
وكان يناديني باسم يشبه الحديقة
ولم أكن أعرف أن الآباء لا يصنعون أبناءهم بالوصايا وحدها
بل بالطريقة التي ينظرون بها إليهم
فالطفلة التي يملأ أبوها قلبها بالحب
تكبر وفي داخلها شيء يعرف أن الإهانة ليست قدرا
والطفلة التي اعتادت الورد
تعرف لاحقا الفرق بين يد تهديها زهرة
ويد تريد أن تنتزع منها حديقتها
لهذا لم يكن أبي يهديني الورد فقط
كان يبني في داخلي امرأة تعرف أن الرقة ليست ضعفا
وترك لي صوتا يظهر كلما اهتزت صورتي في عيني ويقول
أنا أعرفك
أنت ابنة الحديقة
فلا تصدقي أرضا تحاول أن تقنعك
أنك لا تزهرين



