أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

البحر يدفع رطوبته إلى اليابسة ليلاً.. ويصعّب على الجسم التخلص من حرارته لماذا “تخنقنا” الرطوبة ليلاً أكثر من النهار؟

أملالأربعاء 9 سبتمبر 2026، 10:40 ص
البحر يدفع رطوبته إلى اليابسة ليلاً.. ويصعّب على الجسم التخلص من حرارته لماذا “تخنقنا” الرطوبة ليلاً أكثر من النهار؟

القطيف: صُبرة

أكثر من 20 مشجعاً أنهكتهم الرطوبة، قبل أيام، في مباراة أقيمت في سيهات، واضطرت فرق الإسعاف الموجودة في الموقع إلى التعامل مع حالاتهم. كانت المباراة ليلاً، أي بعد انكسار ذروة حرارة النهار، لكن الأجواء الساحلية المشبعة بالرطوبة كانت ثقيلة بما يكفي لإجهاد هذا العدد من الحضور.

ما حدث يعيد طرح مفارقة يعرفها سكان القطيف جيداً كل صيف: تنخفض الحرارة بعد المغرب، لكن الجو يصبح أحياناً أشد وطأة، وتظهر تلك الحالة التي يصفها الناس ببساطة بـ«الخنقة».

واللافت أن دراسة علمية حديثة وجدت أن لهذا الإحساس أساساً مناخياً قابلاً للقياس؛ إذ كشفت أن ذروة الحر المصحوب بالرطوبة على أجزاء من سواحل الخليج قد تحدث مساءً وليلاً، وليس عند ذروة حرارة الظهيرة.

الدراسة، التي أعدها كولين ريموند وتوم ماثيوز وكاسكيد توهولسك، نُشرت في أكتوبر 2024 في مجلة Communications Earth & Environment العلمية المحكّمة التابعة لـNature Portfolio، وحملت عنواناً لافتاً في حد ذاته: «الذروة المسائية للحر الرطب قرب جنوب الخليج».

الساعة 8 مساءً

لم يكتف الباحثون بملاحظة ارتفاع الرطوبة ليلاً، بل تتبعوا حركة الحر الرطب بالساعة. وأظهرت الدراسة أن ذروته فوق مياه جنوب الخليج تظهر قرابة الثامنة مساءً، ثم تتحرك باتجاه اليابسة، لتصل إلى أجزاء من الساحل قرابة منتصف الليل، قبل أن يمتد أثر الكتلة الهوائية الرطبة إلى الداخل خلال ساعات الليل والفجر.

وهنا تكمن المفارقة: تكون الشمس قد غابت، ويبدأ الترمومتر في النزول، بينما يمكن أن يكون الإجهاد الحراري الناتج عن اجتماع الحرارة والرطوبة في طريقه إلى الارتفاع.

ووفق الدراسة، فإن السبب يرتبط بدورة يومية بين الخليج واليابسة؛ إذ تحمل حركة الهواء البحرية مساءً بخار الماء من سطح الخليج إلى الساحل، وتتحرك الكتلة الرطبة بعد ذلك نحو الداخل. ووجد الباحثون أن تأثير هذه الرطوبة قد يتوغل أكثر من 100 كيلومتر داخل اليابسة، ويصل في بعض الحالات إلى 250 كيلومتراً أو أكثر.

21 صيفاً تحت المجهر

والنتيجة ليست مستخلصة من موجة حارة واحدة. فقد حلل الباحثون 21 صيفاً كاملاً، من 2000 إلى 2020، مستخدمين بيانات مناخية بالساعة من ERA5، إلى جانب بيانات محطات أرصاد سطحية وبالونات جوية، واختبروا الظاهرة بأكثر من مقياس للحرارة والرطوبة والإجهاد الحراري.

وخلصت الدراسة إلى وجود نمط يومي مميز على سواحل الخليج: حرارة الهواء وحدها تبلغ ذروتها نهاراً، فيما تتأخر ذروة بعض مقاييس الحر الرطب إلى المساء. وهذه النقطة تحديداً تفسر لماذا لا يكون الرقم الذي يظهر على تطبيق الطقس كافياً دائماً لوصف ما يشعر به الإنسان في ليلة صيف ساحلية.

العرق لا يجد طريقه

وتربط الدراسة خطورة اجتماع الحرارة والرطوبة بقدرة جسم الإنسان على تبريد نفسه. ففي الأجواء الحارة يعتمد الجسم على تبخر العرق للتخلص من الحرارة، لكن ارتفاع كمية بخار الماء في الهواء يحد من كفاءة التبخر، فتزداد صعوبة التخلص من حرارة الجسم.

وبذلك يمكن أن تكون درجة الحرارة بعد المغرب أقل من الظهيرة بعدة درجات، لكن اجتماعها مع رطوبة مرتفعة يجعل العبء الحراري على الجسم مختلفاً تماماً. المسألة، وفق المقاييس التي تناولتها الدراسة، ليست سؤال «كم درجة الحرارة؟» فقط، وإنما «كم تبلغ الحرارة مع الرطوبة؟».

«الخنقة» ليست نقصاً في الأكسجين

أما التعبير الدارج «الرطوبة تخنق»، فلا يعني علمياً أن الرطوبة تخفض كمية الأكسجين إلى مستوى يسبب الاختناق. ما يحدث هو أن الجسم يجد صعوبة أكبر في التخلص من حرارته، وقد يقود الإجهاد الحراري إلى أعراض متفاوتة بحسب شدة الظروف ومدة التعرض والحالة الصحية والنشاط البدني.

وهنا يجب الفصل بين الدراسة وحادثة سيهات؛ إذ لم تدرس الورقة العلمية القطيف أو سيهات تحديداً، ولا يصح علمياً نسبة الحالات التي شهدتها المباراة إلى الآلية نفسها من دون بيانات الطقس والتقارير الإسعافية الخاصة بالواقعة.

لكن الدراسة تضع أمام سكان المدن المطلة على الخليج تفسيراً علمياً لمفارقة يعرفونها جيداً: لماذا يمكن أن تنكسر حرارة النهار، ثم تبدأ معاناة الرطوبة بعد المغرب؟

والجواب الذي توصل إليه الباحثون يبدأ من البحر؛ فمع حلول المساء لا تنتهي الحرارة بالضرورة، وإنما يتغير شكلها.