إغراء التخفيضات الموسمية.. كيف تحتال على ميولك النفسية؟

بقلم أدريان ر كاميليري، استاذ مشارك في التسويق، جامعة التكنولوجيا سيدني
ترجمة: عدنان أحمد الحاجي
في مناسبات ومواسم معينة من السنة، تبدأ المتاجر في الترويج لمختلف أنواع التخفيضات والعروض على السلع، بدءًا من الملابس والإكسسوارات والعطور، وصولًا إلى الأجهزة التكنولوجية وغيرها. وفي خضم هذه العروض والإغراءات، قد يجد المستهلك صعوبة في مقاومة الرغبة في الشراء، مما قد يؤدي إلى تضخم فواتير المشتريات وزيادة الإنفاق على أشياء قد لا تكون ضرورية. ومن هنا، قد يشعر بعض المتسوقين بالارتباك والقلق بشأن قدرتهم على التحكم في مشترياتهم والحد من الإسراف، والحاجة إلى توخي الحذر عند إنفاق أموالهم، خصوصًا أن تجربة التسوق قد تكون مليئة بالمحفزات والإغراءات، وأن علاقتنا بالمال والإنفاق قد ترتبط بمجموعة متنوعة من الانفعالات.

وانطلاقًا من مبادئ علم النفس، يقدم المقال ثلاث نصائح يمكن أن تساعد المتسوقين خلال مواسم التخفيضات على فهم سلوكهم الشرائي والتحكم فيه بصورة أفضل، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا عند إنفاق الأموال التي كسبوها بجهد جهيد.
قبل الشراء – تحلَّ بالصبر
من المزايا المدهشة للعقل البشري قدرته على السفر ذهنيًا عبر الزمن؛ إذ تُمكّننا هذه القدرة من تصوّر ما قد يحمله المستقبل من أحداث، وتوقّع انفعالاتنا (مشاعرنا) تجاهها. يُطلق علماء النفس على هذا النوع من التخيل اسم “التنبؤ الوجداني” (1، 2).

التنبؤ الوجداني:” المسار الزمني للانفعالات الفعلية المحسوسة والانفعالات المتوقعة
فكّر في رحلة تنوي التخطيط لها في المستقبل؛ قد تتخيل دفء الشمس، وحبيبات الرمل العالقة بين أصابع قدميك، وترى نفسك مبتسمًا ومستمتعًا بالرحلة. يُجسّد هذا المثال قدرتنا على السفر ذهنيًا عبر الزمن وتخيّل مشاعرنا تجاه الأحداث المستقبلية. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أننا لسنا بارعين دائمًا في “التنبؤ الوجداني” (4)، أي توقّع مشاعرنا المستقبلية؛ إذ قد نخطئ ليس فقط في توقّع نوع المشاعر التي سنشعر بها، بل أيضًا في تقدير شدتها ومدة استمرارها. ويُعد الفائزون باليانصيب مثالًا كلاسيكيًا على ذلك؛ فعلى خلاف ما قد نتوقعه، قد لا يشعر بعضهم بالسعادة بالقدر الذي توقعوه، أو قد لا تستمر سعادتهم فترة طويلة (5).
إن مجرد توقّع التجارب والأحداث والأنشطة المستقبلية يمكن أن يمنحنا شعورًا بالسعادة. فعلى سبيل المثال، قاست إحدى الدراسات مستوى السعادة لدى 974 شخصًا كانوا يخططون لرحلة، وقارنته بمستوى السعادة لدى 556 شخصًا آخر لم يخططوا لرحلة. وكما هو متوقع، كان الذين خططوا لرحلة أكثر سعادة نسبيًا، لكن المثير للاهتمام أن هذا الفرق قد يظهر قبل الرحلة وليس بالضرورة بعدها (6).
إذن، كيف يمكننا الاستفادة من قدرتنا على السفر ذهنيًا عبر الزمن؟
النصيحة الأولى: ادفع الآن واستمتع لاحقًا
في هذه الأيام، ومع كثرة الخيارات المتاحة أمامنا، أصبح من السهل الحصول على ما نريده بشكل فوري، ولا سيما مع انتشار خيارات الدفع مثل «اشترِ الآن وادفع لاحقًا». غير أن الحصول على الأشياء وإشباع الرغبات بصورة فورية قد يحرمنا من أحد مصادر السعادة المهمة، وهو التطلّع إلى ما سنحصل عليه مستقبلًا. لذلك، قد تكون الاستراتيجية الأفضل هي أن نشتري ما نرغب في شرائه، ووننتظر قليلًا قبل الاستمتاع به فعليًا.
عندما تقرر الشراء، انتبه إلى ما يحدث عند دفع الثمن.
يُعد دفع المبلغ المالي جزءً لا مفر منه من كل عملية شراء، وهو يمثل تكلفة يتحملها المستهلك، سواء تمثلت في المبلغ المدفوع نفسه، أو في الفرصة الضائعة لشراء أشياء أخرى بهذا المبلغ. ومن هنا، فإن التمهّل قبل الشراء أو تأجيل الاستمتاع بالمشتريات قد يساعدنا على تقدير قيمة ما نشتريه بصورة أفضل.
ألم الدفع نقدًا
يُعدّ الإنفاق شكلًا من أشكال الخسارة، ونحن بطبيعتنا ننفر من الخسارة (7). لذلك، قد يكون إنفاق المال تجربة مؤلمة نفسيًا، وهو ما يطلق عليه علماء النفس “ألم الدفع” (8)، أي الشعور غير المريح المرتبط بالتخلي عن الأوراق النقدية عند شراء سلعة أو خدمة، والذي قد يقلل من مستوى المتعة التي نحصل عليها من استهلاكنا أياها أو استخدامها.
ووفقًا لإحدى نظريات التسوق (9)، فإن قرار الشراء قد ينطوي على موازنة ذهنية بين المتعة المتوقعة من استهلاك المنتج والألم المتوقع من دفع ثمنه: فإذا بدت المتعة المتوقعة أكبر من ألم الدفع، نميل إلى إتمام عملية الشراء.
وقد وجدت إحدى دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (10،11) أن شراء الطعام ارتبط بنشاط عصبي في مناطق من الدماغ مرتبطة بمعالجة الألم النفسي (12)، وازداد هذا النشاط كلما ارتفع السعر.
تذكَّر آخر وجبة اشتريتها: كيف دفعت ثمنها؟ هل أخرجت النقود من محفظتك أو حقيبتك ودفعْتها نقدًا؟ أم استخدمت بطاقة مصرفية؟ أم دفعت باستخدام هاتفك الذكي، من دون أن تشعر فعليًا بأنك تخلّيت عن أوراق نقدية؟
يتضح أن طريقة الدفع قد تؤثر في مقدار الألم النفسي الذي يشعر به المشتري. ففي إحدى الدراسات، سأل الباحثون مجموعة من موظفي الجامعة عما إذا كانوا يرغبون في شراء كوب بسعر مخفّض. وسُمح لنصف المشاركين بالدفع نقدًا فقط، بينما طُلب من النصف الآخر استخدام بطاقة الصراف الآلي أو بطاقة الائتمان. وأفاد الذين دفعوا نقدًا عن مستوى أعلى من “ألم الدفع” مقارنةً بمن استخدموا البطاقات. لذا، كيف يمكنك الاستفادة من هذه الظاهرة لصالحك؟

ألم الدفع نقدًا
النصيحة الثانية: زد من مستوى “ألم الدفع نقدًا”
إذا شعرت بالقلق من الإفراط في الإنفاق على المشتريات خلال فترة المناسبات، فحاول زيادة شعورك بـ “ألم الدفع نقدِا”، وذلك باستخدام الأموال النقدية بدلًا من البطاقات، أو بالاطلاع على إشعار البنك الذي يوضح خصم المبلغ من حسابك في كل مرة تدفع فيها باستخدام البطاقة.
بعد الشراء: كن واقعيًا ولا تطلب المستحيل: من السمات الأساسية لدى البشر قدرتهم على التكيف؛ إذ سرعان ما نعتاد على الظروف الجديدة وننظر إليها بوصفها أمرًا طبيعيًا. وينطبق ذلك على مشترياتنا أيضًا، وهي الظاهرة التي يطلق عليها علماء النفس اسم “تكيف المتعة (13)”. الاعتياد على استخدام شيء ما أو امتلاكه يؤدي تدريجيََا إلى تراجع مستوى المتعة والسعادة التي نشعر بها تجاهه حين نشتريه.

تكيف المتعة
هل تتذكر اليوم الذي اشتريت فيه جوالك؟ ربما شعرت بالمتعة حين لامست سطحه الخلفي المصنوع من الألمنيوم الأملس ودُهشت حين شاهدت لمعان شاشته الصافية. الآن أعد النظر إليه. ماذا حدث لتلك المتعة؟ من الطبيعي أن نمر بتجربة “تكيف المتعة.”ومع ذلك، مشكلتنا أننا لا نتنبأ بتلك المتعة.
هل ما زلت تتذكر مفهوم “التنبؤ الوجداني”(1)؟ بما أن مستوى الرضا يرتبط بالتوقعات المتعلقة بالأداء (13)، فإننا عندما لا نُعدّل توقعاتنا بما يتناسب مع ظاهرة “تكيف المتعة” الحتمية، قد ينتهي بنا الأمر إلى الشعور بعدم الرضا.
أما المشكلة الثانية المرتبطة بـ “تكيف المتعة”، فتتمثل في أن الحل الظاهري قد يبدو بسيطًا: شراء شيء جديد. فربما تفكر في استبدال هاتفك القديم والمخدوش بآخر جديد؟ إذا كان هذا ما تفكر فيه، فقد وقعت بالفعل في شباك “تكيف المتعة”.
الآن، الطريقة الوحيدة للحفاظ على مستوى سعادتك هي الاستمرار في إنفاق المزيد والمزيد من الأموال لشراء إصدارات جديدة من كل شيء. لذا، كيف تتمكن من التخلص من شِباك “تكيف المتعة” هذا؟
النصيحة رقم 3: اشترِ التجارب لا الأشياء
اتضح أن الناس يشعرون بسعادة أكثر عندما ينفقون أموالهم على التجارب لا الأشياء (14). فعلى سبيل المثال، دراسة (15) تتبعت كيف ينفق كبار السن أموالهم، وجدت أن صنفًا واحدًا فقط من الإنفاق ارتبط بزيادة مستوى السعادة، وهي المشتريات الترفيهية، مثل الذهاب في رحلات، ومشاهدة أفلام سينمائية، وحضور فعاليات رياضية وتشجيع فرق رياضية ولاعبين.
أحد أسباب ذلك هو أننا نتكيف مع التجارب التي نعيشها بشكل أبطأ مقارنةْ بتكيفنا مع الأشياء والمقتنيات المادية (16). فبينما قد تتراجع متعتنا بالأشياء التي نشتريها تدريجيْا مع الزمن، تبقى التجارب وما يرتبط بها من ذكريات مصدرًا للمتعة لفترة أطول.
لذلك، في المرة القادمة التي تحتار فيها بين إنفاق أموالك على اقتناء أحدث الهواتف أو شراء تذاكر لحضور أحد المهرجانات، فربما يكون من الأفضل أن تتمسك بهاتفك القديم وتوجه أموالك نحو تجربة ممتعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/تنبؤ_وجداني
2- https://en.wikipedia.org/wiki/Valence_(psychology)
3- https://thedecisionlab.com/reference-guide/philosophy/affective-forecasting
4- https://www.bauer.uh.edu/vpatrick/docs/Looking%20Through%20the%20Crystal%20Ball.pdf
5- https://psycnet.apa.org/doiLanding?doi=10.1037%2F0022-3514.36.8.917
6- https://link.springer.com/article/10.1007/s11482-009-9091-9
7- https://ar.wikipedia.org/wiki/تجنب_الخسارة
8- https://pubsonline.informs.org/doi/10.1287/mksc.17.1.4
9- https://journals.sagepub.com/doi/10.1111/1467-8721.00151
10- https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1876732/
11- https://dx.doi.org/10.2139/ssrn.2901808
12- https://ar.wikipedia.org/wiki/ألم_نفسي
13- https://ar.wikipedia.org/wiki/تكيف_المتعة
14- https://academic.oup.com/jcr/article-abstract/47/6/855/5906525?redirectedFrom=fulltext&login=false
15- https://link.springer.com/article/10.1007/s12232-010-0093-6
16- https://academic.oup.com/jcr/article-abstract/36/2/188/1942750?redirectedFrom=fulltext&login=false
المصدر الرئيس
https://theconversation.com/spending-too-much-money-tempted-by-sales-these-ways-to-hack-your-psychology-can-help-194821



