أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

4 أجيال «قلعاوية» تحلم بمستقبل مختلف لقلعة القطيف

أملالخميس 10 سبتمبر 2026، 5:24 م
4 أجيال «قلعاوية» تحلم بمستقبل مختلف لقلعة القطيف

القطيف: صُبرة

في قلعة القطيف المقبلة؛ يتعلم الأطفال تاريخ مدينتهم باللعب، ويعرض الحرفيون مهاراتهم أمام الزوار، وتخرج الأبواب والصور والوثائق من البيوت إلى المتحف، ويستعيد الشباب الأزقة القديمة عبر نسخة افتراضية على هواتفهم.

وفي ساحتها مسرح مفتوح، وورش، وفعاليات، وأرشيف يحفظ ذاكرة القطيف، ومركز يستقبل الناس طوال العام.

من مباني القلعة الباقية

هذه الصورة خرجت من أطروحة الماجستير «التجديد المعماري لقلعة القطيف: رؤى من الأطر النظرية ووجهات نظر المجتمع»، التي قدمتها الباحثة سلمى آل سيف إلى جامعة نوتنغهام البريطانية، ونوقشت سنة 2025.

الباحثة سلمى آل سيف

واستندت آل سيف في رسم هذا المستقبل إلى آراء 825 مشاركاً من 4 أجيال، سألتهم: ماذا تريدون أن تصبح قلعة القطيف؟

وجاءت الإجابة أقرب إلى الاتفاق؛ أيد 95.5% إنشاء متحف، وأيد 79.3% مركزاً مجتمعياً، وأبدى 67.4% استعدادهم، أو احتمال استعدادهم، للمشاركة بذكرياتهم ومقتنياتهم ومهاراتهم.

لم يختر المشاركون موقعاً يستعيد الماضي ثم يتوقف عنده. اختاروا مكاناً يصنع حياة جديدة من الذاكرة القديمة.

المتحف الذي يريدونه ليس قاعة صامتة، والمركز المجتمعي ليس مبنى للمناسبات العابرة. إنهما، في تصورهم، مشروع واحد يعيد القلعة إلى قلب الحياة اليومية، ويمنح كل جيل باباً مختلفاً للدخول إليها.

الكبار يدخلون من الذاكرة، والصغار يدخلون من المستقبل.

825 في 9 أيام

بدأت آل سيف استبانتها وهي تستهدف ما بين 200 و300 مشارك. وخلال 9 أيام فقط، وصل العدد إلى 825.

ولم يتوزع المشاركون على خيار متقارب النسب؛ فقد أيد 788 منهم إنشاء متحف، بينهم 596 أيدوه بشدة. وأيد 654 إنشاء مركز مجتمعي، بينهم 420 أيدوه بشدة.

وفي المقابلات التي أجرتها الباحثة مع 7 أشخاص، أيد السبعة المتحف، وأيد 6 منهم المركز المجتمعي. لكن كلمة «متحف» لم تكن تعني شيئاً واحداً.

الباب الخشبي الموروث من القلعة

بعض المشاركين تخيله متحفاً تقليدياً يحفظ الصور والوثائق والمقتنيات. وآخرون أرادوه متحفاً حياً؛ يمارس فيه الحرفيون أعمالهم، ويشاهد الزوار تفاصيل الحياة القديمة، وتتحول القصص إلى عروض وتجارب وبرامج تعليمية.

واقترح أحد المشاركين مسرحاً أو سينما مفتوحة في الساحة، فيما اقترح آخر مركزاً تعليمياً للأطفال يجمع بين الثقافة واللعب. وذهب ثالث إلى إنشاء أرشيف رقمي عن القطيف، ونسخة افتراضية من القلعة تجذب الأجيال الجديدة.

المتحف هنا لا ينتظر الزائر خلف بابه؛ بل يخرج إليه.

4 أجيال.. و4 مداخل

قسمت الدراسة المشاركين إلى 4 فئات عمرية؛ من تجاوزوا السبعين، ومن تراوحت أعمارهم بين 50 و69 عاماً، ومن هم بين 30 و49، ثم الشباب بين 18 و29 عاماً.

وفي المقابلات، كان 4 من المشاركين من «القلعاوية»، و3 من خارج مجتمع القلعة.

صورة جوية للقلعة في الخمسينيات

الكبار تحدثوا عن مكان عاشوه بتفاصيله. جيل الوسط حمل ذكريات الطفولة أو ما بقي منها. والجيل الأصغر وصل إلى القلعة من حكايات العائلة والصور ووسائل التواصل.

وقالت مشاركة يتراوح عمرها بين 18 و29 عاماً: «لم أعش فيها، لكنني أشعر أنني أنتمي إليها»، مضيفة أنها تتمنى أن تعيش يوماً واحداً داخل القلعة.

لم ترَ البيوت أو الأسواق، لكن المكان وصل إليها.

حسينية السدرة القديمة

وفي الاستبانة، عرّف 517 مشاركاً أنفسهم بأنهم «قلعاوية» من جهة الأب أو الأم أو من الجهتين، أو من دون تحديد جهة الانتساب، ويمثلون 62.7% من العينة.

وقال 425 مشاركاً إنهم يشعرون بالسعادة والفخر عندما يوصفون بهذه التسمية.

غير أن انتقال الهوية لم يعنِ انتقال المعرفة كاملة؛ فقد رأى 50.5% من المشاركين أن الأجيال الجديدة لا تفهم حياة الأجيال السابقة وقيمها، مقابل 15% فقط رأوا أنها تفهمها.

وهذه الفجوة هي نفسها التي منحت المشروع إحدى أهم وظائفه: أن يلتقي جيل يملك الحكاية بجيل يملك أدوات جديدة لروايتها.

لا يُطلب من الشباب أن يعيشوا مثل أجدادهم؛ بل أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في القلعة المقبلة.

البيوت المتلاصقة داخل القلعة

مدينة داخل السور

ولفهم حجم المشروع الذي يتخيله المشاركون، أعادت الأطروحة رسم حجم القلعة قبل إزالة معظمها.

ووفق ما جمعته آل سيف من المصادر التاريخية والروايات الشفوية، كانت القلعة تضم قرابة 700 منزل متلاصق، كثير منها يتكون من 3 طوابق أو أكثر، ونحو 300 دكان صغير.

وكان لها 4 بوابات و11 برجاً، إلى جانب مدرسة ومساجد ومكاتب حكومية ومقبرة ومرفق للعلاج. لم تكن مبنى ضخماً تحيط به ساحة؛ بل مدينة مكتملة داخل سور.

خريطة البقايا والأراضي الحكومية

أما اليوم، فقد حددت الباحثة 3 أجزاء باقية، تبلغ مساحتها الإجمالية 6,298.70 متر مربع، من مساحة تاريخية قدرتها بـ112,245.62 متر مربع. أي إن البقايا لا تشغل سوى 5.6% من المساحة القديمة.

لكن الدراسة لم تتعامل مع هذه النسبة بوصفها نهاية الطريق. فقد قدرت مساحة الأراضي الحكومية داخل الحدود السابقة للقلعة بـ64,422.83 متر مربع، تعادل 57.4% من مساحتها الأصلية.

مقهى السدرة الحالي

وتستخدم أجزاء من هذه الأراضي حالياً في المقاهي والمطاعم والاستثمارات، أو تستقبل مهرجانات وفعاليات مؤقتة.

واستندت هذه القياسات إلى تحليل الباحثة لصور وخرائط Google Earth، وليست مسحاً مساحياً رسمياً، لكنها تكشف أن مساحة التفكير في مستقبل الموقع أكبر كثيراً من مساحة الجدران الباقية.

5.6% من الماضي يمكن أن تصبح نقطة البداية للمستقبل.

العناصر المعمارية المتبقية

المتحف موجود في البيوت

قبل أن يُبنى المتحف، وجدت الدراسة مقتنياته موزعة بين العائلات. وقال 178 مشاركاً إنهم يحتفظون بأبواب أو وثائق أو ملابس أو أدوات أو قطع أثاث موروثة من القلعة. ووثقت الأطروحة باباً خشبياً كان جزءاً من أحد منازلها. نقله صاحبه إلى منزله الجديد بعد الإزالة، ثم ورثه أبناؤه وبقي محفوظاً لديهم.

وفي بيوت أخرى بقيت الصور والأوراق والأدوات. لكل عائلة قطعة، ولكل قطعة حكاية، وما ينقصها هو المكان الذي يجمعها.

حدود القلعة بين الماضي والحاضر

وعندما سألت آل سيف المشاركين عن استعدادهم لتقديم ذكرياتهم أو مهاراتهم في ورش وفعاليات عامة، قال 253 «نعم»، وقال 303 «ربما».

أي إن 556 مشاركاً، نسبتهم 67.4%، لم يكتفوا بتأييد المشروع؛ بل فتحوا له بيوتهم وذاكرتهم.

وهنا يتحول المجتمع من جمهور ينتظر افتتاح المتحف إلى شريك يصنع محتواه.

المرحوم عثمان أبو الليرات مع مجسم القلعة

الاستثمار بحجم المكان

في المقابلات السبع، لم يؤيد إنشاء فندق سوى مشارك واحد، وحتى هذا وضع شرطاً واضحاً: ألا يمحو المشروع هوية القلعة أو يحولها إلى استثمار تجاري خالص.

لكن آل سيف لم تستبعد النشاط الاقتصادي من تصورها النهائي. اقترحت أن يبقى المتحف والمركز المجتمعي في قلب المشروع، وأن تحيط بهما أنشطة محدودة؛ مثل المقاهي والمطاعم أو دار ضيافة صغيرة، توفر مورداً للصيانة وتشغيل البرامج الثقافية.

بهذا التصور، لا يبتلع الاستثمار القلعة، ولا تتحول القلعة إلى مشروع عاجز عن تمويل نفسه. وهي معادلة تنظر إلى الموقع كما يمكن أن يكون، لا كما كان فقط.

لا نسخة طبق الأصل

لم تنته الأطروحة إلى مشروع يعيد بناء 700 منزل و300 دكان. ولم تقترح نسخة مزخرفة من القلعة القديمة. فإعادة الجدران لا تعيد الحياة التي كانت داخلها.

لهذا دعت آل سيف إلى الحفاظ على البقايا، وربطها بوظائف معاصرة، وإبقاء التحولات التي مر بها الموقع جزءاً من قصته، بدلاً من إخفائها خلف بناء جديد يتظاهر بأنه قديم.

وتقر الدراسة بأن استبانتها لا تمثل القطيف كلها؛ إذ ارتفعت فيها نسبة المنتسبين إلى القلعة، ولم تتجاوز مشاركة الفئة بين 18 و29 عاماً 14.7%. كما لم تشمل الجهات الحكومية والمستثمرين وبعض الفئات التي استخدمت الساحة خلال العقود الماضية.

لكنها نقلت النقاش من سؤال الحفظ إلى سؤال الاستخدام، ومن تعداد ما اختفى إلى تخيل ما يمكن صنعه.

وبعد أن قدم 825 شخصاً إجاباتهم، لم يعد مستقبل القلعة محصوراً بين خيارَي إعادة البناء أو ترك البقايا.

هناك خيار ثالث رسمته 4 أجيال: أن تعود القلعة إلى الناس.. مختلفة.

بلدات:القطيف