أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

خرائط Google قادت تهاني الدوسري من البحر الأحمر إلى القطيف

صُبرةالسبت 12 سبتمبر 2026، 9:00 ص
خرائط Google قادت تهاني الدوسري من البحر الأحمر إلى القطيف

القطيف: ليلى العوامي

خرائط Google قادت تهاني الدوسري من البحر الأحمر إلى القطيف، في رحلة بدأت بتجربة «سنوركل» خلال رحلة بحرية، وانتهت بعد 6 سنوات بتحول خريجة التاريخ إلى مدربة غوص، قبل أن تحمل لها الأعماق مفاجأة أخرى؛ إذ عاد تخصصها الأول إليها من بوابة السفن الغارقة والتراث البحري المغمور بالمياه.

بدأت الحكاية في البحر الأحمر خلال رحلة جمعت الدوسري بصديقتها دينا العتيبي، التي أصبحت لاحقاً مدربة غوص أيضاً. كانت تهاني وقتها سباحة مبتدئة، وجربت الغوص السطحي باستخدام القصبة، فاستوقفها ما شاهدته حتى سألت نفسها: «إذا كان هذا الجمال موجوداً على السطح، فكيف سيكون الحال في الأعماق؟». وعندما عادت إلى المركب سألت عن طريقة الحصول على رخصة غوص، فنصحها كابتن القارب بالعودة إلى المنطقة الشرقية، حيث يحتاج التدريب إلى عدة أيام ومهارات مختلفة.

تهاني بالثوب الأخضر ـ نصف القمر

Google يفتح باب القطيف

عادت تهاني إلى الشرقية، وفتحت خرائط Google بحثاً عن مراكز الغوص. ووسط الخيارات المتاحة اختارت المركز الذي وجدت منه الترحيب والاهتمام منذ البداية، فقادتْها الخريطة إلى مركز غواصين الجزيرة في القطيف، وهناك استقبلها الكابتن شفيق ومنحها شعوراً وصفته بقولها: «أنا في المكان الصحيح». سجلت في المستوى الأول، ومضت في التدريب حتى أصبحت بعد 6 سنوات مدربة غوص.

وبدأ تدريبها في شاطئ نصف القمر، وهو المكان الذي عرفته منذ طفولتها وجهة عائلية لقضاء الليالي بالقرب من البحر. عادت إليه هذه المرة بمعدات الغوص، ومن هناك تطورت علاقتها بالبحر إلى اهتمام بالسياحة البحرية المستدامة والتوعية البيئية، وأصبحت ترى في الخليج العربي قيمة بيئية تستحق أن يعرفها الغواص ويحافظ عليها.

الغوص في أعماق البحر الأحمر

تاريخ… إدارة.. بحر

ولدت تهاني في الظهران، وعاشت فيها قبل أن تمضي معظم حياتها في الدمام، وتصف نفسها بأنها «بنت الشرقية». حصلت على البكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك فيصل، ثم ابتعثت ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للابتعاث، فقضت مرحلة اللغة في واشنطن، وأكملت دراستها في جامعة جون كارول بولاية أوهايو، وحصلت على الماجستير في إدارة المنظمات غير الربحية.

وعملت قرابة 10 سنوات في القطاع غير الربحي، واكتسبت خبرة في العمل المؤسسي والتطوير والإدارة، وما زالت تقدم الاستشارات في مجالات التأسيس والحوكمة والتطوير المؤسسي، بالتوازي مع عملها مدربة غوص واهتمامها بالسياحة البحرية المستدامة والتوعية البيئية.

تخصص خريجة التاريخ في الأعماق

وحملت رحلة الغوص مفاجأة أخرى لخريجة التاريخ عندما حضرت أمسية «من ذاكرة التراث الوطني» ضمن الشراكة بين هيئة التراث وموسم الخبر، وسمعت للمرة الأولى عن مشروع نفذته الهيئة لرصد التراث البحري غير المادي في المملكة، وحصر الممارسات المرتبطة بالتراث البحري والسفن الخشبية وتوثيقها وإعادة إحيائها. جذبها الموضوع، فتواصلت مع المسؤولين عن البرنامج وعرضت الإسهام فيما يخدم تراث المنطقة الشرقية البحري.

ومن هنا التقى تخصصها الجامعي بعالم الغوص، خصوصاً مع تعرفها إلى «غوص الحطام» Wreck Diving، الذي يقود الغواصين إلى مواقع السفن الغارقة والأماكن المرتبطة برحلات وحوادث ومراحل تاريخية. وترى تهاني أن السفينة الغارقة تحمل قصة وراءها، وأن الغواص يستطيع مشاهدة جزء من آثار الماضي في المكان الذي وقعت فيه أحداثه، لتصبح التجربة بالنسبة إليها رحلة إلى التاريخ في موقعه، مع الالتزام بمستويات التدريب وإجراءات السلامة الخاصة باستكشاف الحطام.

من التاريخ للبحر

جدها ينتظرها في الحكاية

ومع اقتراب تهاني من التراث البحري، ظهر خيط عائلي أعاد القصة إلى زمن أقدم؛ فقد كان أحد أجدادها يمتلك «مساكر» يعتمد عليها في رزقه، كما اعتمد عدد من سكان الحي على هذا المورد. وأصبحت علاقتها الحالية بالبحر امتداداً في نظرها لقصة عائلية بدأت قبلها بسنوات طويلة؛ فالجد ارتبط بالبحر طلباً للرزق، والحفيدة عادت إليه مدربة غوص وخريجة تاريخ مهتمة بتراثه.

تيار يشتت 6 غواصين

وأظهر البحر لتهاني جانباً آخر خلال إحدى رحلاتها المبكرة إلى موقع في البحر الأحمر معروف بشدة التيارات. بدأت الغوصة، ثم اشتد التيار بصورة مفاجئة وتشتت أفراد المجموعة، فيما وجد المدرب الأكثر خبرة نفسه أمام مهمة جمع ومساعدة أكثر من 6 غواصين. وفي تلك اللحظات بقيت دينا العتيبي، صديقة تهاني ورفيقة رحلتها، إلى جانبها حتى تجاوزت المجموعة الموقف.

وتركت التجربة لدى تهاني درساً ربط البحر بالصداقة، وتقول: «اختر الصديق قبل الطريق، وقدّر الصديق الذي يبقى إلى جانبك عندما تصبح الظروف صعبة».

تجاوز العمق الآمن

وفي رحلة أخرى شاهدت الدوسري غواصاً يتجاوز حدود العمق الآمن، وبدأ سلوكه يوحي بتأثره بما يعرف في عالم الغوص بـ«تخدر الأعماق» أو Nitrogen Narcosis، وهي حالة قد تؤثر في التفكير والحكم على الموقف واتخاذ القرار.

وتوضح، بصفتها مدربة إسعافات أولية EFR، أن التعامل مع الموقف يبدأ بلفت انتباه الغواص والتواصل معه ومساعدته على تغيير العمق بطريقة آمنة، مع الاستعانة بالشخص الأكثر خبرة أو الجهات المختصة عندما يتجاوز الموقف قدرات المدرب، وتختصر الدرس بقولها: «الإنقاذ الحقيقي يبدأ من معرفة حدودك».

غواص يتجاوز العمق الأمن

طبيبات وسيدات أعمال تحت الماء

ومع انتقال تهاني إلى التدريب، أصبحت ترى تأثير الغوص في شرائح مختلفة من النساء؛ فقد دربت طالبات جامعيات وسيدات أعمال وطبيبات واستشاريات وأكاديميات، ولاحظت أن كثيراً منهن يخرجن من التجربة بإحساس متشابه بالقدرة على إنجاز أشياء بدت صعبة في البداية.

وترى أن تجربة التنفس تحت الماء تمنح المرأة اختباراً عملياً للثقة بالنفس، وتجعلها تواجه ذاتها والبيئة المحيطة بها، فيما أظهرت لها خبرتها أن إجادة السباحة لا تعني بالضرورة غياب رهبة الأعماق؛ فقد تعاملت مع سباحين مهرة يحملون خوفاً كبيراً من العمق، وهو خوف تختلف طبيعته ودرجته من شخص إلى آخر.

الخوف مهارة

وتتعامل تهاني مع الخوف باعتباره جزءاً أساسياً من عملية التدريب؛ فتبدأ بفهم مصدره والتواصل مع المتدرب والسيطرة على التنفس، ثم تطبيق إجراءات السلامة والتقدم خطوة خطوة وفق قدرته. وترى أن مساعدة الإنسان على مواجهة خوفه مهارة تمتد إلى الحياة خارج البحر أيضاً، سواء ارتبطت بمواجهة شخص متسلط أو أفكار ومعتقدات موروثة، وتصف القدرة على مساعدة الآخرين في هذا الجانب بأنها إحدى المهارات التي وهبها الله إياها.

الخوف مهاره تتعلم منها

وتجد تهاني تشابهاً بين الحياة فوق سطح البحر وما يجري تحته؛ ففي العمل يلتقي الإنسان بأشخاص داعمين وآخرين سامين، وفي الماء يواجه تيارات وظروفاً تغير المسار والخطة، فيما تبقى الشجاعة والإصرار من رفقاء الرحلة في العالمين. وحتى التعامل مع الكائنات البحرية يقوم لديها على إدراك أن الغواص يدخل بيئتها، ويتصرف فيها بالهدوء والمحافظة على الوضع الآمن والابتعاد وفق ظروف الموقع وتعليمات السلامة.

في الأعماق تقل الضوضاء

ويحمل الغوص لدى تهاني أثراً آخر يرتبط بالتنفس والتركيز؛ ففي الأعماق ينشغل الغواص بالتنفس والوعي بالجسد ومراقبة البيئة والتركيز على اللحظة الحالية، وهو ما يجعلها تشعر بعد بعض الغوصات بطاقة مختلفة، وتصف التجربة بأنها عودة إلى الذات بعيداً عن الضوضاء والمشتتات.

في الأعماق يقل الضوء

التاريخ في القاع

وبعد رحلة بدأت بـ«سنوركل» في البحر الأحمر، وقادتها خرائط Google إلى القطيف، ثم إلى التدريب في نصف القمر، وصولاً إلى تدريب الآخرين والاهتمام بالحطام والتراث البحري، أصبحت تهاني تنظر إلى البحر باعتباره جزءاً من الهوية والتاريخ والاقتصاد والذاكرة، وترى أن الغواص يحمل مسؤولية معرفة قيمة المكان الذي ينزل إليه، واحترام بيئته وتعلم تاريخه والمحافظة على ما يحمله من حياة وتراث.

وهكذا دارت رحلة تهاني الدوسري دورة كاملة؛ درست التاريخ فوق اليابسة، وقادتها خرائط Google إلى القطيف لتبدأ طريق الغوص، ثم أخذتها الأعماق إلى السفن الغارقة والتراث البحري، فوجدت تخصصها القديم ينتظرها هذه المرة تحت الماء.

بلدات:القطيف