حين يظل صوت الشاعر يحدو بنا

نزار المصطفى
هذه القصيدة لا تبدو، في جوهرها، قصيدة رثاء لمحمود درويش بقدر ما تبدو قصيدة تقف أمام غيابه عاجزة عن تصديق أن الشاعر الذي كان يملأ اللغة بحضوره يمكن أن يصبح موضوعًا للغياب. ولذلك فإن شفيق العبادي لا يتحدث إلى درويش بوصفه ميتًا، وإنما يخاطبه كما لو أن الموت لم يستطع أن ينتزع منه حقه في الكلام. وهذه هي العتبة الأعمق التي تدخل منها القصيدة إلى معناها.
«كَمَا يَكْتُبُ الشُّعَرَاءُ وَصِيَّتَهُمْ
هَلْ سَتَكْتُبُ هَذِهِ القَصِيدَةَ يَوْمًا؟»
منذ البداية هناك مفارقة شديدة الذكاء: الشاعر يسأل درويشًا هل سيكتب القصيدة التي نقرأها نحن الآن. كأن القصيدة لم تُكتب بعد، وكأن الشاعر الذي غاب لا يزال قادرًا على كتابتها. هنا لا يعود السؤال سؤالًا عن المستقبل، وإنما يصبح طريقة لاستحضار الغائب. الشاعر لا يقول: هل كنت ستكتب؟ بل يقول: هل ستكتب؟ إنه يحذف المسافة بين الموت والحياة، ويجعل درويش حاضرًا في زمن القصيدة.
والأجمل أن العبادي لا يختار أن يقول لدرويش: ماذا تركت لنا؟ وإنما يسأله: هل ستكتب وصيتك؟
فالوصية في هذا السياق ليست ورقة يتركها الميت للأحياء، وإنما هي القصيدة الأخيرة التي يريد الشاعر أن يترك فيها شيئًا من سره. ومن هنا تبدأ القصيدة في البحث عن ذلك الشيء الذي لم يقله درويش، أو الذي لم تستطع قصائده كلها أن تستنفده.
ثم تنهال الأسئلة:
«وَلَكِنْ
لِمَاذَا
وَأَيْنَ
وَهَلْ
وَمَنْ سَوْفَ يُكْمِلُ بَاقِيَ الرِّوَايَةِ»
وهنا أرى أن أهم ما يميز القصيدة هو أنها لا تبحث عن إجابات بقدر ما تصنع من السؤال حالة وجدانية. كثرة أدوات الاستفهام ليست اضطرابًا في المعنى، وإنما هي صورة لاضطراب القلب أمام غياب شاعر كبير.
«مَنْ سَوْفَ يُكْمِلُ بَاقِيَ الرِّوَايَةِ»
هذه ربما واحدة من أكثر الجمل عمقًا في النص كله؛ لأن درويش عند العبادي ليس شاعر قصائد مكتملة، وإنما صاحب رواية كبرى لم تنته. والشاعر الحقيقي، في وعي القصيدة، لا يموت حين تنتهي حياته، لأنه يترك وراءه شيئًا لا يمكن أن يبلغ نهايته.
ولهذا يأتي السؤال:
«مَنْ سَوْفَ يَجْرُؤُ أَنْ يَسْتَعِيدَ بِهَا المُسْتَهَلَّ»
كأن استعادة بداية الحكاية تحتاج إلى جرأة. لماذا؟ لأن البداية عند شاعر بحجم درويش ليست مجرد بداية نص، بل بداية عالم كامل. ومن يحاول أن يستعيدها بعده لا يستعيد الكلمات فقط، وإنما يدخل إلى منطقة صنعها شاعر أصبح صوته جزءًا من الذاكرة العربية.
ثم يقول:
«وَمَاذَا تُجِيبُ الوُشَاةَ إِذَا سَأَلُوا عَنْكَ»
وهنا يحدث انتقال جميل من سؤال الغياب إلى سؤال الحضور. الوشاة يسألون: أين أنت؟ والشاعر لا يملك جوابًا مباشرًا. ولذلك يأتي السؤال التالي:
«هَلْ جَفَّ بِئْرُ حِكَايَاتِهِ وَارْتَحَلَ»
الصورة شديدة الدلالة. الحكايات بئر، والشاعر هو الذي كان يستخرج منها الماء. فإذا ارتحل الشاعر، فهل جف البئر؟
لكن القصيدة نفسها تجيب ضمنيًا: لا.
لأنها طوال مسارها تستخرج من درويش صورًا جديدة، وكأن بئر الحكايات لم يجف أصلًا، وإنما انتقل من صوت الشاعر إلى ذاكرة من يقرأه.
ثم تبلغ القصيدة واحدة من أجمل صورها:
«مِثْلَمَا كُنْتَ دَوْمًا
تُمَشِّطُ شَعْرَ المَسَاءِ بِشِعْرِكَ
حَتَّى تُضِيءَ مَصَابِيحُهَا بِالصَّبَاحِ»
هذه ليست صورة تزيينية. إنها تلخص تصور العبادي لشعر درويش.
درويش لا يصف الليل، وإنما يمشطه. وهذه كلمة بالغة الدقة؛ لأن المشط يزيل التشابك، والشعر هنا يتحول إلى أداة لترتيب الليل وتخليصه من عتمته. ثم تأتي النتيجة: المصابيح تضيء بالصباح.
أي أن وظيفة شعر درويش، في نظر العبادي، لم تكن أن يصف الظلام، وإنما أن يستخرج منه إمكانية النور.
وهذا يفسر:
«الصَّبَاحِ الَّذِي لَمْ تَزَلْ
تَتَحَرَّاهُ مُنْذُ الأَزَلِ»
الصباح هنا ليس وقتًا من أوقات اليوم. إنه المعنى الذي ظل الشاعر يبحث عنه طوال تجربته: الخلاص، الحرية، الوطن، الإنسان، واللحظة التي يستطيع فيها العالم أن يصبح أكثر إنسانية.
ثم تأتي الجملة المفصلية:
«فَلَيْسَ كَبَاقِي القَصَائِدِ هَذِهِ القَصِيدَةُ»
هذه القصيدة ليست مثل باقي القصائد لأنها لا تريد أن تكون قصيدة عن درويش فحسب، وإنما تريد أن تكون قصيدة تحاول أن تقف في المكان الذي كان يقف فيه درويش.
ومن هنا يبدأ الجزء الثاني، وهو في رأيي أعمق أجزاء النص:
«أَحْرُفُهَا لَمْ يَزَلْ جَمْرُهَا نَاعِسَ الطَّرْفِ»
الحروف لم تنطفئ. جمرها نائم فقط.
وهذه العبارة بالذات تحمل رؤية كاملة إلى الشعر: القصيدة العظيمة لا تموت بانتهاء لحظة كتابتها، وإنما يبقى تحت حروفها جمر قابل للاشتعال كلما جاء قارئ جديد.
ثم يقول:
«وَمُنْذُ دَأَبْتَ تُرَوِّضُهَا
كُلَّمَا أَجْهَشَتْ رُوحُهَا حُمَمًا
صِحْتَ هَذَا أَنَا»
هنا يدخل العبادي إلى العلاقة الحميمة بين الشاعر واللغة.
درويش لا يمتلك اللغة امتلاكًا آليًا، وإنما يروضها. واللغة عنده ليست مادة مطيعة دائمًا؛ لها روح، وقد تنفجر «حُمَمًا». وعندما تنفجر، لا يخاف منها الشاعر، بل يقول لها: «هذا أنا».
وهذه العبارة ربما تختصر جوهر التجربة الشعرية كلها: أن يجد الإنسان نفسه في اللغة، لا أن يستخدم اللغة فقط.
ثم تأتي الأسئلة المتتابعة:
«فَكَيْفَ أَعَدْتَ بِهَا عَقْرَبَ الوَقْتِ
مُنْذُ قَفَا نَبْكِ حَتَّى قَوَارِيرَ هُنَا»
«وكيف» تتكرر كثيرًا في القصيدة، وهذا التكرار مهم جدًا؛ لأنه يكشف أن العبادي لا يستطيع أن يفسر سر درويش تفسيرًا عقليًا.
كيف فعل ذلك؟
كيف نقل الزمن؟
كيف صنع المجاز؟
كيف جعلنا نمشي داخل حروفه؟
كيف جعل صوته يقودنا دون أن ننتبه؟
وهنا تظهر أجمل شهادة في النص كله:
«وَكَيْفَ مَشَيْنَا بِهَا كُلَّ هَذِي الحُرُوفِ
وَلَمْ نَلْتَفِتْ لَحْظَةً أَنَّ صَوْتَكَ مَنْ كَانَ يَحْدُو بِنَا»
هذه ليست مديحًا لدرويش فقط. إنها اعتراف قارئ بشاعر اكتشف بعد زمن أنه لم يكن يقرأ القصيدة وحدها، وإنما كان يسير خلف صوت صاحبها.
«صَوْتُكَ مَنْ كَانَ يَحْدُو بِنَا»
الحادي لا يمشي بدل القافلة؛ هو الذي يمنحها الإيقاع والاتجاه. وهنا يصبح درويش قائدًا خفيًا لرحلة القارئ داخل اللغة.
وهذا يأخذني إلى علاقتي أنا بهذه القصيدة بوصفها قارئًا.
أشعر أن العبادي لا يكتب من خارج درويش، وإنما من داخل الأثر الذي تركه درويش في قارئه. ولذلك فالقصيدة في جانب منها ليست عن محمود درويش بقدر ما هي عن «محمود درويش فينا».
وهذا فرق بالغ الأهمية.
لو كان الشاعر يريد أن يرثي درويشًا، لكان بإمكانه أن يتحدث عن موته، عن فلسطين، عن المنافي، عن الوطن، عن الحب، عن الأمكنة التي صنعت شعره. لكنه اختار شيئًا أكثر صعوبة: أن يسأل كيف أصبح درويش جزءًا من الطريقة التي نقرأ بها العالم.
وهنا تكمن قيمة القصيدة الحقيقية.
لكن هناك ملاحظة نقدية أراها جديرة بالإبراز.
القصيدة في بدايتها شديدة التماسك، لأن الأسئلة تنبع من جرح واحد: غياب الشاعر. وكل سؤال يفتح طبقة جديدة من هذا الغياب. غير أن كثافة الأسئلة وتتابع الصور في بعض المواضع تجعل النص يقترب من فائض الانفعال، بحيث تصبح بعض الصور أقل ضرورة مما قبلها.
وأخص بالذكر:
«وَكَيْفَ
وَكَيْفَ»
فالتكرار هنا مفهوم وجدانيًا، لكنه من ناحية البناء الشعري كان يمكن أن يكون أكثر اقتصادًا؛ لأن القصيدة كانت قد بلغت بالفعل ذروة السؤال في «أن صوتك من كان يحدو بنا». وبعد هذه الجملة تحديدًا، يصبح أي تصعيد إضافي معرضًا لأن يضعف الأثر بدل أن يزيده.
لكن هذه ملاحظة على البناء، لا على صدق التجربة. فالقصيدة صادرة عن محبة حقيقية، والمحبة حين تواجه غياب شاعر كبير لا تكون دائمًا مقتصدة.
ثم يأتي المقطع الأخير:
«بِلَا مَوْعِدٍ لَمْ يَخُنْ قَلَقُ الرِّيحِ
رُحْتَ وَحِيدًا تُفَتِّشُ فِي بَرْكَةِ الحَرْفِ
عَنْ زَهْرَةٍ سَقَطَتْ فِي حَدَائِقِ عَيْنَيْكَ»
هنا يعود العبادي إلى درويش بوصفه باحثًا عن شيء لا يعرف اسمه تمامًا.
«زهرة سقطت في حدائق عينيك»
هذه الزهرة يمكن أن تكون قصيدة، أو ذكرى، أو امرأة، أو وطنًا، أو معنى، أو صورة بعيدة للإنسان. والجميل أن الشاعر لا يحددها؛ لأن تحديدها كان سيغلق المعنى.
ثم يقول:
«فَأَشْبَعْتَ حَدَائِقَ المَجَازِ بِعَيْنَيْكَ»
وهذه من الصور التي تكشف طبيعة علاقة العبادي بدرويش: عينا الشاعر أصبحتا مصدرًا للمجاز، لا مجرد موضوع له.
ثم النهاية:
«عَنْ كَأْسٍ
كُنْتَ تُشْبِهُهُ
كَانَ يُشْبِهُنَا»
هنا تصبح القصيدة أكثر غموضًا، وهذا الغموض جميل من جهة، لكنه أيضًا أكثر مواضعها قابلية للنقاش من جهة أخرى.
من هو الكأس؟
وما الذي كان يشبه درويش؟
وكيف صار يشبهنا؟
أرى أن الكأس هنا يمكن قراءته بوصفه صورة للامتلاء والفراغ معًا: الشاعر كأس، والقصيدة كأس، والإنسان نفسه كأس يحمل ما لا يستطيع الاحتفاظ به إلى الأبد. ودرويش كان يشبه هذا الكأس لأنه كان يمتلئ باللغة ثم يسكبها فينا.
لكن كلمة «كان» في:
«كَانَ يُشْبِهُنَا»
تفتح فجوة أخيرة شديدة المرارة.
لم يعد الأمر بين «هو» و«الكأس»، بل أصبح بين «هو» و«نحن».
كأن الشاعر يقول: كنت تشبه هذا الكأس، وهذا الكأس كان يشبهنا؛ أي أن درويش لم يكن بعيدًا عن التجربة الإنسانية التي نعيشها نحن. كان واحدًا منا، لكنه استطاع أن يجعل من هشاشتنا شعرًا.
وهنا أرى أن القصيدة كلها تعود إلى سؤالها الأول.
«هَلْ سَتَكْتُبُ هَذِهِ القَصِيدَةَ يَوْمًا؟»
والجواب الذي تمنحه القصيدة دون أن تقوله صراحة هو: نعم، لقد كتبها درويش بطريقة ما، لأن الشاعر الذي يترك هذا القدر من اللغة خلفه لا تنتهي قصيدته حين يتوقف جسده عن الكتابة.
بل ربما تكون القصيدة الحقيقية قد بدأت بعده.
ولهذا فإن أجمل ما في نص شفيق العبادي أنه لا يحاول أن ينافس محمود درويش في لغته، ولا أن يقلده، ولا أن يستعرض معرفته بشعره. إنه يفعل شيئًا أصعب: يقف أمامه كقارئ عاش أثره، ثم يسأل الأسئلة التي لا يستطيع القارئ أن يمنع نفسه من طرحها حين يغيب الشاعر الذي اعتاد أن يكون صوته حاضرًا في داخله.
ومن هنا تصبح القصيدة وصية من نوع آخر.
ليست وصية درويش.
بل وصية العبادي إلى القارئ: أن لا يتعامل مع الشاعر الكبير باعتباره شاعرًا انتهى، وإنما باعتباره سؤالًا لا يزال حيًا.
وربما لهذا لم يقل شفيق العبادي: أين قصيدتك الأخيرة؟
بل سأل:
«مَنْ سَوْفَ يُكْمِلُ بَاقِيَ الرِّوَايَةِ»
لأن الشاعر العظيم لا يترك وراءه ديوانًا فقط؛ يترك رواية مفتوحة، ويترك قراء يمشون في حروفه، ويتركون أصواتهم تتداخل مع صوته، ثم يكتشفون، بعد سنوات، أنهم لم يكونوا يمشون وحدهم.
كان صوته يحدو بهم.
انتهت حياة الشاعر، لكن الرواية لم تنته.
وهذا هو المعنى العميق لعبارة:
«مَنْ سَوْفَ يُكْمِلُ بَاقِيَ الرِّوَايَةِ»
فالرواية التي يقصدها العبادي ليست قصة حياة محمود درويش، وإنما الرواية الإنسانية والشعرية التي ظل درويش يكتب فصلًا منها، ثم ترك فصولًا أخرى لمن سيأتي بعده.
ولهذا فإن أجمل وفاء للشاعر ليس أن نحاول أن نكتب مثله، وإنما أن نواصل الأسئلة التي فتحها.
فالشاعر العظيم لا يترك لنا أجوبة فقط، بل يترك أسئلة أكبر من موته.
وهذا ما فعلته قصيدة شفيق العبادي نفسها. لقد أخذت سؤالًا عن غياب درويش وحولته إلى سؤال عن استمرار الشعر.
ومن داخلي كقارئ، أجد أنني لا أخرج من القصيدة وأنا أشعر بأنني قرأت نصًا عن شاعر رحل، وإنما أشعر أنني قرأت نصًا عن أثر شاعر لا يزال حيًا في اللغة وفي القارئ.
وهذه هي المفارقة الجميلة في القصيدة: كلما حاولت أن تتحدث عن غياب درويش، أعادتها اللغة إلى حضوره.
تقول: رحل.
ثم تأتي الصورة فتقول: لكنه ما زال هنا.
تقول: انتهت حكايته.
ثم يأتي السؤال: من سيكمل الرواية؟
تقول: جف بئر الحكايات.
ثم تكتشف أن الحروف لا يزال تحتها جمر.
وهكذا يتحول الموت في القصيدة من نهاية إلى انتقال.
انتقال من حضور الجسد إلى حضور الأثر.
ومن صوت الشاعر إلى أصوات الذين قرأوه.
ومن قصيدته إلى القصائد التي ستولد بسببها.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة النص بالنسبة إليّ كقارئ: أنه لا يحاول أن يقول إن محمود درويش كان شاعرًا عظيمًا، فهذه حقيقة لا تحتاج إلى قصيدة تثبتها، وإنما يحاول أن يلتقط اللحظة التي نكتشف فيها نحن، بعد غيابه، كم كان صوته حاضرًا في خطواتنا.
ولهذا فإن صورة «الحادي» تصبح في النهاية أكثر من استعارة جميلة.
الحادي لا يظهر في الطريق بعد أن تبدأ القافلة مسيرها، بل يكون صوته حاضرًا في الإيقاع نفسه.
وكذلك الشاعر الكبير: قد يغيب عن المشهد، لكن إيقاعه يبقى في خطوات من ساروا خلفه.
وربما لهذا فإن العبادي لم يختم القصيدة بحكمة، ولم يشرح ما أراد قوله، وإنما تركنا أمام صورة الكأس، والزهرة، والعينين، والحروف، والرواية التي لم تكتمل.
لأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي حين ينتهي الشاعر من الكتابة.
تنتهي فقط حين ينتهي أثرها في القارئ.
وقصيدة شفيق العبادي، في أجمل مستوياتها، تريد أن تقول إن أثر درويش لم ينته؛ لأننا ما زلنا نمشي في الحروف التي تركها، وما زلنا نبحث عن الزهرة التي سقطت في حدائق عينيه، وما زلنا ننتظر من يكمل الرواية.
وربما كان أجمل ما فيها أنها جعلت سؤالها الأخير مفتوحًا، كما لو أن الشاعر نفسه لم يغلق الباب وراءه.
فمحمود درويش لم يترك قصيدته الأخيرة فقط، بل ترك مساحة واسعة لقصائد لم تُكتب بعد.
وهنا يصبح القارئ شريكًا في استمرار الشاعر.
يقرأه، ثم يكتب من أثره، ثم يكتشف أن الشاعر الذي ظنه غائبًا ما زال يقوده من مكان بعيد.
لا نراه.
لكننا نمشي.
لا نسمعه.
لكننا نعرف الإيقاع.
ولا نلتفت إلا بعد أن نكون قد قطعنا مسافة طويلة، فنكتشف أن الطريق لم يكن طريقنا وحدنا.
كان صوته يحدو بهم.
إلى محمود درويش وهو يعبر إحدى محطات أبديته
شفيق العبادي
هذي القصيدة
كما يكتب الشعراء وصيتهم
هل ستكتب هذي القصيدة يوماً؟
ولكن
لماذا
وأين
وهل
ومن سوف يكمل باقي الرواية
من سوف يجرأ أن يستعيد بها المستهل
وماذا تجيب الوشاة إذا سألوا عنك
هل جف بئر حكاياته وارتحل
ومن سوف يغري نبيذ الحروف بأقداحها
مثلما كنت دوماً
تمشط شعر المساء بشعرك
حتى تضيء مصابيحها بالصباح الذي لم تزل
(تتحراه) منذ الأزل
فليست كباقي القصائد هذي القصيدة
أحرفها لم يزل جمرها ناعس الطرف
لكن
ومنذ دأبت تروضها
كلما أجهشت روحها حمماً
صحت هذا أنا
فكيف أعدت بها عقرب الوقت
منذ قفا نبك حتى قفوا بي هنا
وكيف نحت لها في دروب المجاز مجازاً
فضيعتنا
وكيف مشينا بها كل هذي الحروف
ولم نلتفت لحظة أن صوتك من كان يحدوا بنا
وكيف
وكيف
بلا موعد لم يخن قلق الريح
رحت وحيداً تفتش في بركة الحرف
عن زهرة سقطت في حدائق عينيك
فاتسعت حدقات المجاز بعينيك
عن كائن
كنت تشبهه
كان يشبهنا
:::



