أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حسين الشيخ يعيش مع ابن جني في «المعنى الخفي»

منة الله فتحيالإثنين 14 سبتمبر 2026، 6:00 م
حسين الشيخ يعيش مع ابن جني في «المعنى الخفي»

القديح: صُبرة

أعاد الباحث حسين منصور الشيخ قراءة واحدة من أدق ملاحظات عالم العربية ابن جني، بعد أكثر من ألف عام على وفاته، متتبعاً ما يمكن وصفه بـ«المعنى الخفي» الذي تحمله الكلمة في بعض الاستعمالات؛ إذ يقول المتكلم فعلاً، فيما تكشف طريقة تركيبه في الجملة عن معنى فعل آخر لم ينطق به.

ونشرت «مجلة الدراسات اللغوية» المحكمة، الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بحث الشيخ بعنوان «التضمين الدلالي عند ابن جني وآلية المعنى الضمني في التداولية الغربية: دراسة مقارنة في الآليات»، ضمن المجلد الـ29، العدد الأول، الصادر للفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026. والشيخ باحث في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة الملك فيصل.

ويعود البحث إلى كتاب «الخصائص» لابن جني، المتوفى سنة 392هـ، محاولاً فهم الطريقة التي لاحظ بها أن بعض الأفعال العربية تكتسب في الاستعمال معنى إضافياً يغيّر طريقة عملها في الجملة، من دون أن يظهر ذلك المعنى الآخر لفظاً.

ووضع الشيخ هذه الملاحظات في مواجهة آليتين حديثتين في التداولية الغربية؛ الأولى «الافتراض المعجمي» عند ستيفن ليفنسون، والثانية «نظرية المناسبة» عند دان سبيربر وديردري ولسون، باحثاً عن أوجه الالتقاء والاختلاف في طريقة الوصول إلى المعنى غير المصرح به.

«رفث» يحمل «أفضى»

ومن الأمثلة التي أعاد البحث تحليلها التعبير القرآني «الرفث إلى نسائكم». فالاستخدام المألوف للفعل «رفث» يقترن بـ«الباء» أو «مع»، لكن مجيء حرف الجر «إلى» دفع ابن جني إلى تفسير الفعل على أنه حمل في داخله معنى «أفضى»، وهو فعل يتعدى بـ«إلى».

وبهذا لم تتغير الكلمة نفسها، لكن تركيبها دلّ على معنى إضافي هو الوصول والإفضاء؛ وهي الصورة التي يصفها ابن جني بالتضمين.

«أنصاري إلى الله»

وفي قوله تعالى «من أنصاري إلى الله»، توقف ابن جني أيضاً عند «إلى»، لأن المتوقع في ظاهر الاستعمال أن يقال «مع الله» أو «في سبيل الله».

ورأى أن فعل النصرة تضمّن معنى «أفضى» أو «انضم»، فأصبح المعنى متجاوزاً مجرد النصرة إلى الانضمام والتوجه بها نحو الله.

حتى الضد يدخل في الكلمة

ويذهب ابن جني أبعد من تحميل الفعل معنى قريباً منه. ففي قول الشاعر «إذا رضيت عليَّ بنو قشير»، جاء الفعل «رضي» مع «على»، بدلاً من الاستعمال المعتاد «رضي عن».

وفسر ابن جني ذلك بأن «رضي» حمل معنى ضده «مَقَت»، الذي يقال معه «مقت عليه». ووجد الشيخ في هذا المثال دليلاً على اتساع فكرة التضمين عند ابن جني لتشمل أحياناً تحميل الفعل معنى ضده، لا مرادفه فقط.

عبارة نقولها كل يوم

وأبرز البحث نموذجاً أكثر قرباً من الكلام اليومي، هو «مررت به». فهذه العبارة تبدو اليوم طبيعية تماماً، لكن ابن جني قرأ وراءها معنى آخر، إذ رأى أن «مررت» تضمنت «جاوزت» أو «اجتزت».

ويرى البحث أن كثرة استعمال هذا النوع من التضمين جعلته راسخاً في العربية إلى درجة أن المتكلم لم يعد يشعر بوجود معنى مضمر يحتاج إلى تفسير.

«شككت» ليست الشك

أما المثال الخامس «شككت بيني وبينه»، فالفعل «شك» هنا بمعناه العربي القديم: الطعن والنفاذ، كما في «شك الرمح الفارس».

وعندما جاء مع «بين»، رأى ابن جني أنه حمل معنى «خلّل» أو «فرّق»، ليجمع التعبير في كلمة واحدة بين النفاذ والفصل بين شيئين.

لا «سبق الغرب»

وانتهى الشيخ إلى موقف حذر من المقارنات التي تجعل التراث العربي سابقاً للنظريات الغربية الحديثة بالمعنى العلمي المباشر.

ووصف العلاقة بين تحليل ابن جني وبعض أدوات التداولية الحديثة بأنها «قرابة وظيفية مثمرة»؛ فابن جني وصف الظاهرة اللغوية، وأضاف ليفنسون أدوات لتمييز أنواعها، فيما فسرت نظرية سبيربر وولسون الطريقة التي يصل بها المتلقي إلى المعنى الضمني.

واختبر البحث هذه النتيجة على خمسة نماذج، ووجد أن أداة ليفنسون نجحت بصورة واضحة مع «الرفث»، و«مررت»، و«شككت»، بينما واجهت صعوبة مع نموذج «رضيت عليَّ» القائم على تضمين الضد، في حين كانت نظرية المناسبة أوسع قدرة على تفسير كيفية وصول السامع إلى المعنى المقصود.