الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

لوز البساتين.. زخرفة في بيوت أثرياء القطيف

صُبرةالسبت 26 سبتمبر 2026، 9:00 ص
لوز البساتين.. زخرفة في بيوت أثرياء القطيف

القطيف: صُبرة

من بساتين القطيف إلى جدران بيوتها؛ انتقل شكل «اللوزة» إلى زخارف الجص، وصار واحداً من أكثر العناصر الهندسية حضوراً في عمارة حي القطيف، حيث كانت الزخارف تزداد في منازل الأثرياء، وتدل واجهات البيوت ومداخلها على الثراء والمكانة الاجتماعية وكرم الضيافة.

هذه التفاصيل وثقتها الباحثة الأحسائية الدكتورة لطيفة بنت علي بن صالح المغنّم في دراسة أكاديمية تناولت الزخارف الجصية التقليدية لمباني حي القلعة بمدينة القطيف، وحللت فيها 70 حلية جصية أصلية نزعت من المباني المزالة، وحُفظت في المتحف الإقليمي بالدمام، ضمن رسالة ماجستير قدمتها إلى قسم الآثار في كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود عام 2016، بإشراف الدكتور أحمد السيد الصاوي. )لطباعة الكتاب) الماستر التعديل بعد المناقشة.

وتفتح الدراسة نافذة على تفاصيل العمارة التقليدية في القلعة، وعلى الحرفة التي أنتجت زخارفها، والمواد المستخدمة فيها، والعلاقة بين البيئة المحلية والأشكال التي اختارها الجصّاصون، إلى جانب الدلالات الاجتماعية التي حملتها واجهات المنازل ومداخلها.

12 «لوزة»

شكّلت الزخارف الهندسية القسم الأكبر من عينة الدراسة؛ إذ ظهرت في 62 حلية من أصل 70، بنسبة 88.57%، مقابل حلية نباتية واحدة، و3 حليات مركبة، و4 حليات صنفت ضمن أنواع أخرى.

وداخل المجموعة الهندسية، ظهر العنصر اللوزي في 12 حلية، بنسبة 19.35% من الحليات الهندسية، متساوياً مع العنصر الدائري في صدارة العناصر المفردة التي أحصتها الدراسة. وجاء العنصر النجمي في 11 حلية، والشبكي في 8، والحصيري في 7، والسعفي في 3، فيما ضمت 9 حليات عناصر هندسية متنوعة.

وأفردت المغنّم لهذه المجموعة تصنيفاً حمل اسم «الحليات ذات العناصر الهندسية اللوزية المحوّرة من ثمار اللوز»، ووصفت العنصر اللوزي بأنه شكل بيضاوي ذو نهايتين مخروطيتين، استمد تسميته من تشابهه مع ثمرة اللوز.

وتوزعت «اللوزة» في تشكيلات مختلفة؛ منها تكوين دائري تنطلق فيه اللوزات من نقطة مركزية، وتكوين مربع تتجه فيه 4 لوزات من المركز إلى رؤوس المربع، إلى جانب تشكيلات متشعبة ومتكررة. ووثقت الدراسة القطع الـ12 بأرقامها المتحفية، ومنها 68/13 و22/13 و57/13 و139/13 و59/14 و106/13 و66/13 و80/13 و95/13 و24/13 و222/13 و133/13.

ثمرة من البيئة

وربطت الباحثة هذه الأشكال بالبيئة التي أنتجت العمارة القطيفية، وخلصت في نتائج دراستها إلى حضور عناصر مستمدة من النباتات المحلية في الزخارف، مثل سعف النخيل والريحان والياسمين، وذكرت أن اللوز تصدّر الثمار المحوّرة المستخدمة في الزخرفة.

وبذلك حملت الحلية الجصية شيئاً من محيط صانعها؛ فالأشكال الهندسية والنباتية تحولت إلى مفردات فنية أعاد الجصّاص ترتيبها بالتناظر والتكرار والتشابك، وصنع منها تكوينات تتغير من قطعة إلى أخرى.

وسجلت الدراسة سيادة واضحة للهندسة في هذا الفن؛ فقرابة 9 من كل 10 قطع في العينة حملت زخارف هندسية، استخدمت فيها المعينات والسداسيات والدوائر والأشكال النجمية والخطوط المستقيمة والمنحنية والمموجة.

الجص للأثرياء

وتكشف الدراسة جانباً اجتماعياً وراء جمال هذه الجدران. فقد كثرت الزخارف الجصية في منازل الأثرياء بسبب كلفتها الباهظة، وامتدت إلى الحوائط الداخلية والخارجية والعقود، وفوق الأبواب والنوافذ، وفي المناور والرواشين.

وحظيت المداخل بعناية خاصة ضمن تكوين واجهات المنازل؛ بوصفها أول ما يراه القادم إلى البيت، وحملت زخارف الواجهات والمداخل دلالات مرتبطة بثراء صاحب المنزل ومكانته الاجتماعية وكرم الضيافة.

وتعطي الأرقام صورة عن حجم حضور الحلية في العمارة؛ فمن أصل 70 قطعة، صنفت الدراسة 48 قطعة حليات جدارية، مقابل 22 روشنًا. وسيطر الشكل المستطيل على 68 حلية، بنسبة 97.14%، مقابل قطعة مربعة وأخرى دائرية.

37 حلية بارزة

واختلفت الزخارف أيضاً في طريقة تنفيذها. أحصت المغنّم 37 حلية بزخرفة بارزة، تمثل 52.85% من العينة، و18 حلية غائرة بنسبة 25.71%، و15 حلية مفرغة بنسبة 21.42%.

وكان للتفريغ وظيفة تتجاوز الزينة في بعض القطع، خصوصاً الرواشين؛ إذ سمحت الفتحات بمرور الضوء والهواء، فتحولت الزخرفة نفسها إلى جزء من الوظيفة المناخية للمبنى.

أما الزخارف البارزة فاحتاجت إلى مهارة في تشكيل مستويات الجص وإبراز الوحدات عن سطح الحلية، في حين حافظ الحفر الغائر على الرسم داخل سطح القطعة، وأسهم اختلاف المستويات في صناعة الظلال وإظهار تفاصيل التكوين.

الجصّاصون

وتقود الحليات إلى أصحاب الحرفة أنفسهم. وتذكر الدراسة أن مصانع إعداد الجص كانت تقع شمال القلعة بالقرب من دروازة البحر، وأن حسن البيات وآل جصّاص كانوا يديرونها، فيما حمل العاملون في هذه الصناعة الاسم المحلي «الجصّاصون»، ومفرده «جصّاص».

ووثقت الدراسة أنواعاً مختلفة من الجص المستخدم في القطيف، يتقدمها الجص العربي الحر، وهو أجود الأنواع وأغلاها وأكثرها بياضاً، واستخدم في التكسية والزخرفة. وجاء الجص الأحمر من الطبقة السفلى في عملية الحرق، واكتسب لونه الأحمر المائل إلى البني لقربه من اللهب، واستخدم في تلييس الجدران الداخلية والخارجية، خصوصاً في المساجد والحسينيات وبيوت الميسورين.

أما الجص الخكري فاستخرج من طين البحر بعد تجفيفه وحرقه، واستفاد البناؤون من مقاومته للرطوبة في أعمال البناء وتلييس القنوات المائية ضمن أنظمة الري القديمة.

«طبخ الجص»

ومرت صناعة الحلية بمراحل متتابعة تبدأ بإعداد الجص وتنقيته وغربلته، ثم مزجه بالماء في وعاء معدني عُرف محلياً باسم «الليّان»، وأطلقت على هذه العملية تسمية «طبخ الجص».

بعد ذلك أُعدت أرضية مستوية وفرشت بالرمل أو الرماد، ووضعت عليها القوالب الخشبية، ثم صُب الجص داخلها. وفي مرحلة التماسك بدأ الحرفي رسم الوحدة الزخرفية وحفرها وتفريغها، ثم تُركت القطعة لتجف في مكان يحميها من حرارة الشمس المباشرة، وبعد اكتمالها نُقلت إلى المبنى وثُبتت بالجص اللين.

وسجلت الدراسة عدداً من أدوات هذه الصناعة، بينها المنخل و«الليّان» و«المساح» والقوالب، وهي أدوات بسيطة أنتج بها الجصّاصون تكوينات هندسية دقيقة تقوم على التكرار والتناظر والتناسب.

القلعة في 70 قطعة

وتكتسب القطع التي درستها المغنّم أهمية إضافية من مصير المباني التي جاءت منها. وتذكر الدراسة أن ملكية مباني قلعة القطيف انتُزعت من الأهالي عام 1405هـ/1985م، ثم أزيلت أحياء الخان والسدة والوارش، وتلتها إزالة حي الزريب في فترة لاحقة، وبقيت نماذج قليلة من المباني، وذكرت الدراسة منها بيت الدعلوج وبيت الجشي.

أما الحليات السبعون فانتقلت إلى المتحف الإقليمي بالدمام، حاملة معها سجلاً مادياً لتفاصيل العمارة التي زينت القلعة؛ من نوع الجص وطريقة صناعته، إلى تقنيات الحفر والتفريغ، وصولاً إلى العناصر التي اختارها الحرفي لتشكيل واجهات البيوت ورواشينها.

ومن بين تلك العناصر، بقيت 12 حلية لوزية شاهدة على علاقة جميلة بين البيئة والعمارة؛ أخذ الجصّاص شكلاً مألوفاً من بيئته، وحوّله إلى وحدات تتكرر على الجدران، حتى أصبح «اللوز» جزءاً من الذاكرة البصرية لبيوت قلعة القطيف.

بلدات:القطيف