شهادة وفاء لرجلٍ عاش خادماً للجمعية وأهلها

نعيمة آل حسين
هناك أناس نكتب عنهم بعد رحيلهم، فنكتشف أن الكلمات، مهما كثرت، تظل عاجزة عن الإحاطة بما تركوه من أثر.
ومن هؤلاء الراحل الأخ العزيز المرحوم السعيد عبدالمحسن علي ناصر سليس “أبو محمد”، رحمه الله، ابن جمعية تاروت الخيرية البار، الذي رافقته طوال سنوات عملنا في الجمعية، وعرفته عن قرب، فلم أرَ منه إلا الإخلاص والتواضع والخلق الإنساني الرفيع.
كان أبو محمد من أولئك الرجال الذين لا يتحدثون كثيراً عن عطائهم، ولا ينتظرون أن يُطلب منهم الشكر، كانوا ببساطة يخدمون لأنهم يحبون أن يخدموا. وأستطيع أن أقولها من واقع تجربة شخصية: ما احتجتُ إليه يوماً في أمر يخص الجمعية، إلا ولبّى النداء بسرعة البرق.
لم يكن يسأل: هل هذه مهمتي؟ ولا: هل هذا من مسؤولياتي؟ بل كان همه أن تُنجز حاجة الجمعية، وأن تسير الأمور كما ينبغي.
وكم من مهمة احتاجت إلى متابعة، أو خدمة عاجلة، أو مساعدة في أمر من أمور الجمعية، فكان أبو محمد حاضراً، مبادراً، متعاوناً، يؤديها بروح طيبة وكأنها أمر يخصه شخصياً.

وهنا تكمن قيمة هذا الإنسان… فهو لم يكن يخدم الجمعية لأنه موظف فيها فحسب، كان يخدمها لأنه كان يشعر أنها جزء منه. بدأ فيها عاملاً وسائقاً، ثم تدرج حتى أصبح مشرفاً على عمال الجمعية، لكن أجمل ما في مسيرته أن مكانته الحقيقية لم تكن في المسمى الوظيفي، وإنما في الثقة التي صنعها بإخلاصه، والمحبة التي كسبها بتواضعه، والأثر الذي تركه فيمن حوله.
كان مخلصاً، متواضعاً، قريباً من الناس، حريصاً على العمل، ومساعداً صادقاً لمجالس إدارة الجمعية في كل ما يوكل إليه. وكان إذا رأى ما يحتاج إلى تصحيح أو متابعة، بادر إليه من باب الحرص والمحبة، ويساعد العاملين ويوجههم، لأنه كان يرى نجاح الجمعية مسؤولية يشترك فيها الجميع.
اليوم، وقد ترجل هذا الفارس عن صهوة جواده، أشعر أن الجمعية فقدت واحداً من رجالها الذين كانوا يعملون في الظل، لكن أثرهم كان يملأ المكان.
ستفتقده الجمعية .. وسنفتقده نحن الذين عرفناه عن قرب ذلك الحضور الذي كان يقول لنا، دون أن يقولها بالكلمات: “أنا هنا… ماذا تحتاجون؟” رحمك الله يا أبا محمد. رحم الله إخلاصك وتواضعك، ورحم السنوات التي منحتها للجمعية، وكل خدمة قدمتها، وكل يد امتدت إليها بالمساعدة، وكل عمل أنجزته بصمت.
لقد كنت رجلاً من المخلصين… ورحلت عن المكان، لكن إخلاصك بقي شاهداً عليك. ترجلت عن صهوة جوادك يا أبا محمد، لكن سيرة الرجال لا تنتهي برحيلهم، بل تبدأ في ذاكرة من عرفوهم. وإنّا لفراقه لمحزونون، ولكن عزاءنا أن الإنسان الصادق لا يغيب أثره برحيله.
سيبقى أبو محمد في ذاكرة الجمعية لا بوصفه موظفاً أمضى سنوات في خدمتها، وإنما إنساناً أميناً متواضعاً، كان حاضراً حين يحتاجه الناس، وسريعاً إلى الخير حين يُطلب منه.
رحل الجسد… وبقي الأثر. غاب الرجل… وبقيت سيرته. وسكت صوته… وبقيت مواقفه تتحدث عنه. وأجمل شهادة يمكن أن تُهدى لإنسان عاش عمره في خدمة الناس: “أن يفتقده المكان حين يغيب، وأن تفتقده القلوب قبل أن تفتقده المكاتب والساحات”.
أحسن الله عزاءنا جميعاً، وربط على قلوبنا، وجعل محبتنا ووفاءنا له شاهداً جميلاً من شواهد أثره الطيب.
رحم الله أبا محمد، وجبر قلوبكم وقلوب أهله ومحبيه، وجعل ما قدّمه طوال سنوات خدمته نوراً وأجراً باقياً في ميزان حسناته.
ويبقى أجمل الوفاء أن نقول عن الراحل ما كان عليه حقاً… بصدق، وبلا مبالغة، فبعض الرجال تكفي سيرتهم لتشهد لهم.

وأجمل ما يمكن أن نقدمه لإنسانٍ عاش عمره في خدمة الناس هو أن نحفظ أثره كما حفظ هو مكانه وخدمته.
بعض الناس يرحلون من المكان… لكن المكان لا يستطيع أن يرحل منهم. لأنهم تركوا فيه شيئاً من أعمارهم، وشيئاً من قلوبهم، وشيئاً من محبتهم.
رحمك الله رحمة الأبرار، وحشرك مع النبي محمد وآله الأطهار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وألهم أهلك ومحبيك وأبناء جمعية تاروت الخيرية الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون وألف لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



