المهندس البراهيم يكشف سرّ “التذكرة”: 4 أشقاء تشاركوا في سفينة وتاجروا مع دبي

القطيف: صُبرة
فتحت «تذكرة النفوس» للنوخذة سلمان بن محمد البراهيم، التي نشرتها «صُبرة» وحققت أكثر من 125 ألف مشاهدة في منصة «إكس»، صفحات أخرى من ذاكرة عائلته وتاريخها التجاري والبحري.
وبدعوة من «صُبرة»، يروي المهندس نبيه البراهيم، عضو مجلس الشورى السابق، حكاية 4 إخوة تقاسموا العمل بين البر والبحر، وسفينة «البصرة» التي جابت موانئ الخليج ووصلت إلى الهند وشرق أفريقيا، وحضرت في ذاكرة الأسرة في «سنة الطبعة» والحرب العالمية الثانية.

وهنا نص مقالته:
تذكرة نفوس تفتح صفحات
من ذاكرة العائلة والقطيف
نشرت صحيفة “صُبرة” الإلكترونية، مشكورة، صورة لتذكرة نفوس شقيق جدي، العم الحاج سلمان بن محمد البراهيم، رحمه الله، الذي توفي في السنوات الأولى من القرن الخامس عشر الهجري، قبل أكثر من أربعة عقود. وقد أعادت إليّ هذه الوثيقة ذكريات رجل أدركته في شيخوخته، وكانت الابتسامة لا تفارق محيّاه، وعلامات الرضا والطمأنينة تعلو وجهه، رغم ما ابتُلي به من فقد ابنيه، علي ومهدي، رحمهما الله، في حياته.

صاحب التذكرة سلمان آل إبراهيم
ذاكرة العم سلمان
تفرّغ العم سلمان لرعاية حفيديه ميرزا وعبدالعزيز، ابنَي مهدي، وحفيدته من ابنه علي، تعينه في ذلك زوجته الصابرة المحتسبة الحاجة زهراء المحروس، خالة الحاج سعيد المحروس،رحمهما الله، وكان في رعايته لهم كالنوخذة المتمرّس الذي يقود سفينته بحكمة وصبر حتى يبلغ بها برّ الأمان. أطال الله في أعمار أحفاده جميعاً، ووفقهم إلى كل خير.
من «النفوس» إلى الأحوال
وتفتح تذكرة نفوسه، بما تحمله من بيانات وتفاصيل، نافذة على مرحلة مهمة من تاريخ التوثيق الإداري في المملكة، فقد صدر نظام دائرة النفوس بالأمر السامي رقم ٨١٧٢، في ١٥ رجب ١٣٥٨هـ، لتنظيم قيد النفوس، ثم وافق مجلس الوزراء على نظام الجنسية العربية السعودية في ٢٥ محرم ١٣٧٤هـ، ضمن مسار تشريعي يتصل بتحديد الجنسية وأحكامها، ويكمّل تنظيم قيد النفوس.
وفي محرم ١٣٨٢هـ، صدر نظام المواليد والوفيات بالمرسوم الملكي رقم ٢، ثم جاءت مرحلة أشمل بصدور نظام الأحوال المدنية بالمرسوم الملكي رقم م/٧، في ٢٠ ربيع الآخر ١٤٠٧هـ، الذي ألغى نظامَي دائرة النفوس والمواليد والوفيات، وجمع أحكام تسجيل الواقعات المدنية في إطار متكامل، وهو النظام المعمول به حتى اليوم، بتعديلاته اللاحقة.
وقد طلب مني الأخ الحبيب الأستاذ حبيب محمود، رئيس تحرير الصحيفة، أن أتحدث قليلًا عن تاريخ العائلة التجاري، مواكبةً للصدى الإعلامي الإيجابي الذي رافق نشر الوثيقة، ولا سيما أنها سجّلت مهنة العم سلمان بوصفه “نوخذة”.

منصور آل إبراهيم.. الأخ الأكبر
النوخذة، في المصطلح البحري الخليجي، هو ربّان السفينة وقائدها والمسؤول عن إدارة شؤونها، وقد يكون مالكها أيضًا، وتختلف طبيعة عمله بحسب نشاط السفينة؛ فمنها سفن الغوص على اللؤلؤ، ومنها سفن صيد الأسماك، ومنها سفن نقل البضائع والركاب والرحلات التجارية، وكان العم سلمان رحمه الله يعمل في الملاحة التجارية، وقد سبقه إلى هذه المهنة أخوه الأكبر منه، العم صالح، رحمه الله، الذي توفي بعده بنحو سنتين، عام ١٤٠٥هـ، الموافق لعام ١٩٨٥م، على ما أتذكر.
4 إخوة.. بر وبحر
كان الأخوان يعملان معاً على سفينة للشركة العائلية التي كان يديرها أخوهما الأكبر، جدي الحاج منصور بن محمد البراهيم رحمه الله، ويعينه أخوه الحاج محسن رحمه الله. وكان مقر النشاط التجاري في سوق الجبلة بمدينة القطيف، بجوار وكالة الحاج منصور باشا الجمعة رحمه الله.
وتوزعت المسؤوليات بين الإخوة الأربعة؛ فتولى منصور ومحسن إدارة المحلات والتجارة في البر، جاعلاً مركز ادارته سوق الجبلة، بينما تولى صالح وسلمان العمل في البحر، يجوبان موانئ الخليج العربي من البصرة إلى مسقط، وتمتد رحلاتهما أحياناً إلى موانئ الهند وشرق أفريقيا.

محسن آل إبراهيم
سفينة «البصرة»
وكان اسم السفينة التي يعمل عليها العمّان صالح وسلمان “البصرة”، وهي، بحسب ما حفظته رواية الأسرة، سفينة متوسطة الحجم من نوع “الجالبوت” (Jalboot)، أحد أنواع السفن الخشبية التقليدية المعروفة في الخليج.
«الطبعة» ونجدة البحارة
وللسفينة “البصرة” مكان في ذاكرة العائلة يتجاوز رحلات التجارة؛ فقد حدّثني والدي، رحمه الله، أن العمّين صالحاً وسلمانَ أسهما بواسطتها في إنقاذ بحارة وغواصين انقلبت سفنهم خلال العاصفة البحرية المعروفة بـ “سنة الطبعة”، التي تؤرّخ لها بعض المصادر بربيع الأول ١٣٤٤هـ، الموافق لعام ١٩٢٥م. وقد ارتبط اسم تلك السنة بالغرق الذي أصاب السفن وأهلها، وترك أثراً عميقاً في ذاكرة مجتمعات الخليج.
غذاء إلى دبي
وتحفظ رواية الأسرة موقفاً آخر للسفينة نفسها خلال الحرب العالمية الثانية، في أوائل الأربعينيات الميلادية. فقد شهدت منطقة الخليج آنذاك قيوداً بريطانية مشددة على الملاحة والتجارة، مع إجراءات للطوارئ والرقابة على الشحن، وتطبيق أنظمة للحصص وتراخيص التصدير وتقنين بعض السلع ومراقبة أسعارها. وأسهم اضطراب الإمدادات والقيود المفروضة على الشحن في نقص السلع الأساسية، ومنها الأرز والحبوب والشاي والقهوة وهي ما أطلق عليها “سنة البطاقة”.

صالح آل إبراهيم
وفي تلك الظروف، وبحسب الرواية العائلية، أرسل حاكم دبي آنذاك، الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، رحمه الله، وكيلًا له من آل الصيري إلى جدي الحاج منصور، يلتمس المساعدة في توفير الغذاء لأهل الإمارة. فاستجابت الشركة العائلية بالتبرع بالسفينة «البصرة» وحمولتها، التي كان معظمها من التمور والمواد الغذائية، إسهاماً في تخفيف تلك المعاناة.
ومع تقدّم أعمار الجيل الأول، وانتقال المسؤولية إلى الجيل الثاني من الأبناء، انتهى نشاط الشركة بصورتها المشتركة، وتوزعت أعمالها على محلات تجارية في سوق الجبلة؛ بعضها لتجارة التمور ومشتقاتها، وبعضها للمواد الغذائية المختلفة، المعروفة آنذاك بـ«الأرزاق»، وبعضها لمواد البناء. وكان ذلك في أوائل السبعينيات من القرن الرابع عشر الهجري، أي أوائل الخمسينيات الميلادية تقريباً نتج عن ذلك بروز أسماء لامعة في عالم التجارة أمثال العم عبدالكريم بن محسن آل إبراهيم الذي تولى وكالة شاي الوزة التي أنتقلت بعد وفاته إلى إبنه صادق الذي أطلق عليه لقب “ملك الشاي” فبراعته في هذه التجارة وبعد وفاته رحمه الله إلى إبنائه الأعزاء وهم ما زالوا يعملون بمثابرة في هذا المجال الحيوي المهم وفقهم الله إلى كل خير وزاد في نجاحاتهم.

سوق الجبلة في السبعينيات
واستمر هذا النشاط حتى إزالة سوق الجبلة بعد نزع ملكياته للمنفعة العامة، وإقامة سوق مركزي للخضار في موقعه. وأتذكر أن ذلك كان نحو عام ١٤٠٠هـ. وقد مثّل هذا التحوّل بداية تقاعد معظم أبناء الجيل الثاني عن التجارة، فيما واصل بعضهم العمل في مواقع أخرى.
ومن الذين استمروا في هذه المهنة العم محمد صالح محمد البراهيم رحمه الله الذي توفي عام 2020م، رحمه الله، الذي نعاه الأستاذ فؤاد نصر الله في مجلة “الخط” بأنه “آخر تاجر من تجار سوق الجبلة”، وبرحيله طُويت صفحة من تاريخ العائلة التجاري، ومن ذاكرة السوق الذي ارتبطت به أرزاق الناس وعلاقاتهم وحياتهم اليومية.

لقد أعاد نشر تذكرة نفوس العم سلمان إلى الذاكرة سيرة رجل وأسرة وسوق وسفينة، واستحضر جانباً من حياة القطيف وصلاتها البحرية والتجارية بمحيطها الخليجي. وفي ذلك ما يدعونا إلى حفظ الوثائق العائلية، وتدوين روايات كبار السن ومقابلتها بالمصادر؛ لتبقى تفاصيل تلك الحياة، بما فيها من كفاح وتكافل ووفاء، حاضرة في ذاكرة الأجيال.
اقرأ التقرير السابق



