1 أكتوبر 1636.. تحالف قطيفي برتغالي ضد.. الصفويين

القطيف: صُبرة
مدفعان من مسقط، و20 ألف قصبة لصناعة الرماح، ونجدة عسكرية بحرية عند الخطر، وسفن ترسو في تاروت، وحماية للملاحة عند رأس تنورة؛ كل ذلك تحت قاعدة تحالف لا تحتمل التأويل: «أصدقاء الأصدقاء.. وأعداء الأعداء».
هذه ليست بنود اتفاق عسكري حديث. ففي مثل هذا اليوم، 1 أكتوبر 1636، قبل 390 عاماً، خُتمت في القطيف مطالب حاكمها إلى البرتغاليين، لتثبيت تحالف سبق أن عقده والده علي باشا مع القائد البرتغالي روي فريري دي أندرادي، في مواجهة عدو مشترك كانت قاعدته في البحرين الواقعة آنذاك تحت السيطرة الصفوية.

وتكشف الوثيقة البرتغالية عن مرحلة كانت فيها القطيف طرفاً فاعلاً في صراع الخليج قبل أربعة قرون؛ إذ تظهرها طرفاً في تفاهم عسكري وبحري امتد من القطيف وتاروت ورأس تنورة إلى البحرين ومسقط، وجمع بين التسليح والنجدة البحرية وتنظيم حركة السفن.
واللافت أن حاكم القطيف نفسه لخّص طبيعة العلاقة في رسالته إلى نائب الملك البرتغالي بعبارة الاتفاق الذي عقده والده مع روي فريري دي أندرادي: «أصدقاء الأصدقاء.. وأعداء الأعداء».
وثيقة مجلس الدولة
وتستند هذه التفاصيل إلى الوثيقة رقم 53 من سجلات مجلس الدولة البرتغالي، التي حفظت رسالة حاكم القطيف ومطالبه، وما ناقشه المجلس بشأنها، والقرارات التي اتخذها تجاه بنودها.
وتذكر الوثيقة أن المطالب أُعدت في القطيف في الأول من أكتوبر 1636، ووضع عليها الحاكم ختمه وعلامته المعتادة، قبل أن يحملها مبعوثاه ماميد آغا وفالنتيم دا كوستا إلى السلطات البرتغالية.
وبحسب الرسالة، أوضح حاكم القطيف أن علاقة والده بالبرتغاليين تغيّرت بعد أن عقد روي فريري دي أندرادي صداقة مع والده، فأصبح الطرفان متوافقين، على أساس أن يكونوا «أصدقاء الأصدقاء وأعداء الأعداء».
وتحيل المطالب نفسها إلى أصل العلاقة؛ إذ أشارت إلى الاتفاقات السابقة التي عقدها والده علي باشا مع روي فريري دي أندرادي، وطالبت باستمرار العمل بها.
مدفعان من مسقط
وانتقلت الوثيقة من لغة الصداقة إلى لغة السلاح. فقد طلب حاكم القطيف من نائب الملك البرتغالي مدفعين للدفاع في مواجهة خصومه في البحرين، وذكر أنهم «أعدائي وأعداء البرتغاليين».
وأضاف أن علاقته بهؤلاء الخصوم كانت قائمة على الصداقة في السابق، ثم انقطعت منذ قيام علاقته مع روي فريري دي أندرادي والبرتغاليين.

وسجل مجلس الدولة البرتغالي الموافقة على منحه مدفعين من الموجود في مسقط. وكانت البحرين في تلك المرحلة تحت السيطرة الصفوية، ما وضع هذا التعاون القطيفي ـ البرتغالي في سياق الصراع مع القوة الصفوية في الخليج.
20 ألف قصبة للرماح
ولم يقتصر طلب السلاح على المدفعية. فقد طلب حاكم القطيف أيضاً 20 ألف قصبة بامبو للدفاع عن أراضيه الداخلية، في بند يرتبط بمواجهة الأخطار البرية، وهي الكمية التي تدخل ضمن تجهيزات صناعة الرماح والأسلحة الخفيفة في ذلك العصر.
وسجل مجلس الدولة البرتغالي الموافقة على منحه هذه الكمية. ويكشف هذا الطلب أن التحالف لم يكن متعلقاً بالملاحة وحدها؛ بل شمل تعزيز القدرة الدفاعية البرية لحاكم القطيف.
النجدة البحرية
وتظهر الوثيقة أن التحالف تضمن التزاماً عسكرياً مباشراً. فقد طلب حاكم القطيف أن تهب السفن البرتغالية الموجودة في المضيق إلى نجدة ميناء القطيف عند الحاجة، حتى في الحالات التي تستدعي سرعة التحرك قبل وصول أمر صريح من القيادة البرتغالية، على أن يتحمل الحاكم نفقات تلك السفن.
ويربط هذا الطلب بما كان معمولاً به في عهد والده علي باشا خلال فترة علاقة التحالف مع روي فريري.
تاروت.. مرسى السفن
وفي الجانب البحري، تكشف الوثيقة تفاصيل دقيقة عن دور تاروت. وطلب حاكم القطيف استمرار العمل بالاتفاق السابق الذي عقده والده مع روي فريري، ومن بين بنوده أن السفن القادمة إلى ميناء القطيف تلقي مراسيها عند جزيرة تاروت.
كما نظمت المطالب حركة تلك السفن وعلاقتها بالسفن المتجهة إلى رأس تنورة، سواء كانت تحمل تصريح الملاحة البرتغالي المعروف بـ«الكارتاز» أم كانت من دونه.
وهكذا تظهر تاروت في الوثيقة بوصفها محطة بحرية أساسية ضمن ترتيبات ميناء القطيف والتحالف مع البرتغاليين.
رأس تنورة ضمن الاتفاق
وحضرت رأس تنورة في أول بنود المطالب. إذ طلب حاكم القطيف ألا تتعرض السفن الموجودة عند رأس تنورة لأي اعتداء أو تفتيش من السفن البرتغالية، استناداً إلى الاتفاقات السابقة التي عقدها علي باشا مع روي فريري.
وبذلك شملت الترتيبات مناطق الملاحة المرتبطة بالقطيف من الميناء إلى تاروت ورأس تنورة.
البحرين.. إغلاق الميناء
وكانت البحرين محوراً رئيسياً في المطالب. حاكم القطيف طلب أن تستمع السلطات البرتغالية إلى مبعوثيه في مسألة البحرين، ثم طلب في بند آخر إغلاق ميناء البحرين ومنع الملاحة إليها لإجبار خصومه هناك على الخضوع. وأشار في طلبه إلى أن روي فريري دي أندرادي سبق أن اتبع هذا الأسلوب.

وسجل مجلس الدولة البرتغالي الموافقة على هذا البند، مع إصدار التعليمات المتعلقة بمنع إصدار تصاريح الملاحة إلى البحرين.
وكيل برتغالي
وتكشف الوثيقة مستوى آخر من العلاقة؛ إذ كان للبرتغاليين عامل في ميناء القطيف يتولى شؤوناً مرتبطة بالتجارة وتصاريح الملاحة. وطلب حاكم القطيف تعيين فالنتيم دا كوستا في هذه المهمة، موضحاً أنه يجيد العربية ويعرف التعامل مع أهل المنطقة.
كما تضمنت المطالب تنظيماً لرسوم تصاريح الملاحة، وما يحصل عليه العامل البرتغالي من مسكن وماء وحطب ومخصص يومي.
تحالف عمره أربعة قرون
وتعيد الوثيقة بناء مشهد سياسي وعسكري من تاريخ الخليج قبل أربعة قرون؛ حيث كانت القطيف طرفاً في تحالف إقليمي جمع حاكمها بالقوة البحرية البرتغالية، وشمل السلاح والنجدة والموانئ والملاحة.
وبقيت العبارة التي اختصر بها حاكم القطيف طبيعة ذلك التحالف شاهداً على منطق العلاقات السياسية في ذلك العصر:
«أصدقاء الأصدقاء.. وأعداء الأعداء».

صفحة من الوثيقة رقم 53 في سجلات مجلس الدولة البرتغالي، وفيها صيغة التحالف «أصدقاء الأصدقاء وأعداء الأعداء» وطلب حاكم القطيف مدفعين لمواجهة خصومه في البحرين

الصفحة التي تضمنت طلب 20 ألف قصبة بامبو، وخاتمة المطالب المختومة في القطيف في 1 أكتوبر 1636



