أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

دكاترة معلمون | صباح القاسم.. نصف سنوات عملها في الدراسات العليا

منة الله فتحيالإثنين 5 أكتوبر 2026، 9:00 ص
دكاترة معلمون | صباح القاسم.. نصف سنوات عملها في الدراسات العليا

العوامية: أمل سعيد

من نحو 25 عاماً أمضتها صباح علي القاسم في التعليم، قضت قرابة نصفها وهي طالبة أيضاً. معلمة لغة عربية في الصباح، وباحثة تشق طريقها في الدراسات العليا؛ في رحلة استغرقت نحو 12 عاماً، وانتهت بالدكتوراه في فلسفة اللغة العربية، تخصص النقد والأدب.

لم تكن الرحلة مرتبة على مرحلتين؛ دراسة ثم عمل، أو جامعة ثم مدرسة. الاثنتان تداخلتا في حياة القاسم إلى حد أنها كانت، في بعض أيام الدكتوراه، تخرج قبل الفجر إلى دراستها، وتعود بعد العشاء، ثم تستيقظ لتواصل عملها في المدرسة صباحاً.

ولهذا تصحح القاسم فكرة «العودة إلى المدرسة» بعد الدكتوراه، وتقول لـ«صُبرة»: «في الحقيقة، لم تكن هناك عودة إلى المدرسة بعد الدكتوراه؛ فقد كنت طوال مرحلة الدكتوراه موظفة في التعليم، وأواصل عملي مع طالباتي بالتوازي مع دراستي الأكاديمية».

البداية.. 1992

بدأت القصة في جمادى الأولى 1413هـ، الموافق 1992م، حين التحقت القاسم بوزارة التعليم معلمة للغة العربية في المرحلة الثانوية، في الثانوية الأولى بالعوامية، بعد أشهر من حصولها على البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بالدمام.

كانت الدراسات العليا في ذهنها منذ البكالوريوس، لكنها اختارت أن تدخل المدرسة أولاً، وتعيش تجربة التعليم وتكتسب خبرة الميدان، وتقول: «كنت أرى أن الحصول على الدرجة الجامعية ليس نهاية الطريق، وأنني متى ما تهيأت الظروف سأواصل دراستي».

انتظرت حتى عام 2004 لتبدأ الخطوات الفعلية، وكانت وقتها عضواً في مشروع تطوير الاختبارات التحصيلية التابع لوزارة التعليم في مكتب الإشراف التربوي بالدمام. ومع بداية العام الجامعي 2005-2006 بدأت الدراسة فعلياً في جامعة الملك سعود بالرياض، بعد حصولها على موافقة وزارة التعليم.

وتؤكد سيرتها أن تجربتها لم تبقَ محصورة داخل الفصل؛ فقد شاركت في مشروع تطوير مناهج اللغة العربية للمرحلة الثانوية، ومشروع تطوير الاختبارات التحصيلية، إلى جانب توطين التدريب وبرنامجي «فطن» والجودة.

12 عاماً

منذ الخطوات الأولى عام 2004 حتى الدكتوراه في 2016-2017، امتدت رحلة الدراسات العليا نحو 12 عاماً.

حصلت القاسم على الماجستير عام 2009-2010. وفي هذه المرحلة أوفدتها وزارة التعليم، فتفرغت للدراسة مع استمرار صرف راتبها.

أما الدكتوراه، فتحملت تكاليفها من مالها الخاص، وأضافت إليها كلفة أخرى يصعب تسجيلها في فاتورة: الوقت والجهد والتنقل ومحاولة الموازنة بين العمل والدراسة والحياة.

وتصف بعض أيام تلك المرحلة بقولها إنها كانت تذهب قبل الفجر وتعود بعد العشاء، ثم تواصل عملها صباحاً في المدرسة.

وتقول: «كانت هناك تضحيات في الوقت والجهد والمال، ومحاولة دائمة للموازنة بين الدراسة والعمل والحياة. لكنني كنت أراها ثمناً لغاية أؤمن بها».

من عبد الصبور إلى ذي الرمة

ولم تكن الرحلة الأكاديمية منفصلة عن عشقها الأول: اللغة العربية. في الماجستير درست أساليب الوصف عند الشاعر صلاح عبد الصبور، ثم عادت في الدكتوراه قروناً إلى الوراء، واختارت واحداً من أشهر شعراء الوصف في التراث العربي: ذي الرمة.

وجاءت أطروحتها بعنوان «شعرية الوصف عند ذي الرمة: دراسة في ضوء نظرية علم الخطاب»، ودرست فيها ظاهرة الوصف من خلال نصوص ديوانه.

وتوضح أن اختيار ذي الرمة جاء لأن الوصف يمثل جانباً أساسياً في تجربته الشعرية، وتصفه بأنه «سيد الوصافين»، مشيرة إلى أن الأطروحة كانت امتداداً لدراسة الماجستير؛ انتقلت فيها من شاعر محدث إلى شاعر قديم لتتبع الظاهرة في سياق مختلف.

وخلصت دراستها إلى تضافر الصورة والكلمة والحركة والسرد والمعينات في تشكيل الخطاب الوصفي عند ذي الرمة، وصلته بواقعه وتمثيله شعرياً.

الرحلة تتوقف عند الفقد

لكن أصعب امتحانات الدكتوراه لم يكن داخل قاعة جامعة. في المسافة بين انتهاء الدراسة الأكاديمية واستكمال متطلبات الدكتوراه وإنجاز الأطروحة، فقدت القاسم شقيقها. تقول: «فقدت شقيقي؛ أخي وصديقي الذي كنت أستند إليه».

دخل الحزن إلى الأطروحة نفسها. تأخر إعدادها، ووصلت القاسم إلى لحظات شعرت فيها بأنها قد تعجز عن إكمال الطريق. وكان عليها أن تستدعي لنفسها كلاماً اعتادت أن تقوله لطالباتها. فمن العبارات التي كانت ترددها لهن: «حرّك مياهك الراكدة وأبحر رغم الأمواج».

ثم تقول عن تلك العبارة: «ربما لم أكن أعلم آنذاك أنني سأحتاج إليها لنفسي بقدر ما كنت أحتاجها لطالباتي». واصلت الطريق.

«تنفست الصعداء»

وفي 2016-2017 وصلت الرحلة إلى جلسة المناقشة. كان زوجها وصديقة مقربة إلى جانبها. وبعد انتهاء المناقشة وإعلان النتيجة، تختصر القاسم اللحظة بعبارة واحدة: «تنفست الصعداء؛ وكأنني أتنفس للمرة الأولى بعد رحلة طويلة من العمل والترقب».

انتهت 12 سنة من الدراسات العليا، لكن صباح لم تحمل الدكتوراه إلى مكان جديد. حملتها في المسار نفسه الذي بدأت منه عام 1992: التعليم.

بعين الباحثة.. ولغة المعلمة

وهنا تظهر المسألة التي تبحث عنها سلسلة «دكاترة في مدارس القطيف»: ماذا تفعل الدكتوراه داخل المدرسة؟ بالنسبة إلى صباح، لم يكن المطلوب نقل المصطلحات الأكاديمية إلى الطالبات.

تقول: «لم يكن هدفي أن أنقل إلى طالباتي المصطلحات والتفاصيل الأكاديمية، وإنما أن أنقل إليهن روح الباحثة: حب التعلم، والدقة، والرغبة في السؤال، والتجديد، والبحث عن المعرفة».

وخلال سنوات عملها شاركت في تطوير المناهج والاختبارات التحصيلية، وتوطين التدريب، ونقلت التدريب إلى مدرستها، وعملت مدربة ميسرة في برنامج «فطن»، وشاركت في برامج الجودة.

كما تظهر سيرتها امتداد نشاطها إلى برامج تعليمية ومجتمعية متنوعة، بينها الإشراف على محو الأمية، وبرامج القدرات والاختبارات التحصيلية وملتقيات مجتمعية.

وتصف حصيلة التجربة بعبارة ربما تختصر العلاقة بين الدكتوراه والسبورة: «أجمل ما أضافته الدكتوراه إلى تجربتي أنها جعلتني أعود إلى التعليم بعين الباحثة، ولكن بلغة المعلمة؛ فأوظف المعرفة دون أن أثقل بها على الطالبة».

ثم «استراحة المحارب»

بعد الدكتوراه، كان يمكن أن يبدأ سؤال الجامعة. لكن صباح لم تسعَ إلى الانتقال إليها، ولم تبحث عن وظيفة جديدة تتناسب مع الدرجة التي قضت 12 عاماً في طريقها إليها. كان خلفها، عند التقاعد، نحو ربع قرن من التعليم.

وتقول: «شعرت أن من حقي أن أجنح إلى ما أحب أن أسميه استراحة المحارب؛ أن أعود إلى نفسي، وأتأمل الرحلة وما راكمته خلالها من معرفة وتجارب، وأفكر في الخطوة التالية».

لكن «استراحة المحارب» عند صباح لا تعني إغلاق الكتاب. فهي تقول إن الدكتوراه ليست خاتمة الرحلة، وإنها ما زالت تترقب الفرصة والظرف المناسبين لتستكمل طريقاً يفيدها ويتيح لها أن تقدم شيئاً لمجتمعها.

وبين أول صباح دخلت فيه الثانوية الأولى بالعوامية معلمة عام 1992، وصباح أخرى خرجت بعد نحو ربع قرن تحمل الدكتوراه، بقيت فكرة واحدة ترافقها: أن المعلم نفسه يظل قابلاً للتعلم.

ولهذا، حين تختصر القاسم سنوات المدرسة والجامعة والبحث والفقد والدكتوراه، تختار عبارة أكثر هدوءاً من كل الألقاب: «ملأى السنابل تنحني بتواضع».