معلمون دكاترة 3 | صفية العبيدان.. حرف «الدال» بعد 30 سنة من السبورة

القطيف: ليلى العوامي
ثلاثون سنة تقريباً احتاجها حرف واحد حتى يسبق اسم صفية سعيد آل عبيدان؛ حرف «الدال» الذي حملته معها في سبتمبر الماضي من جامعة الإسكندرية إلى الثانوية الثانية بالقطيف «مسارات»، حيث تعمل معلمة للغة الإنجليزية ورائدة للنشاط الطلابي.

بدأت العبيدان حياتها في التعليم عام 1996، معلمة للغة الإنجليزية في مدارس المرحلة المتوسطة بحفر الباطن، ثم انتقلت بعد نقلها إلى القطيف لتدريس المرحلة الثانوية. وبعد ثلاثة عقود من السبورة، ناقشت في 9 سبتمبر 2026 أطروحة دكتوراه الفلسفة في التربية، تخصص الإدارة التربوية وسياسات التعليم، لتصبح صاحبة أحدث شهادة دكتوراه بين المعلمين والمعلمات الذين وصلت إليهم «صُبرة» في هذه السلسلة.
والمفارقة أن المدرسة التي قضت فيها هذه السنوات الطويلة رافقتها حتى قاعة المناقشة؛ فقد حملت العبيدان واحداً من تفاصيل عملها اليومي، النشاط الطلابي، إلى أطروحتها، ودرسته على مستوى مدارس التعليم العام في المملكة، مستفيدة من خبرات اليابان وبريطانيا وفنلندا والولايات المتحدة.
حلم من عام 1996
تعود فكرة الدراسات العليا عند العبيدان إلى العام نفسه الذي حصلت فيه على بكالوريوس اللغة الإنجليزية من جامعة الدمام، وبدأت فيه عملها معلمة. ومنذ ذلك الوقت بقي الطموح العلمي حاضراً إلى جانب سنوات العمل والأسرة والتدريب والتعليم.

تقول لـ«صُبرة» إن مواصلة الدراسة كانت حلماً يرافقها منذ البكالوريوس، مدفوعاً برغبتها في تطوير ذاتها والوصول مستقبلاً إلى التدريس الجامعي، فيما كانت الفرص المتاحة وشروط الحضور والتردد على الجامعة تحدد خياراتها الدراسية.
وفي عام 2010 حصلت على دبلوم التربية من الجامعة العربية، ثم بدأت في 2011 دراسة الماجستير في التربية والتنمية البشرية بجامعة الأمير محمد بن فهد، وحصلت عليه عام 2015. وكانت الدراسة مسائية، فتغادر المدرسة إلى الجامعة وتواصل يومها الدراسي بعد انتهاء يومها الوظيفي، في رحلة استمرت أربع سنوات.

وبعد الماجستير، انتظرت فرصة مناسبة للدكتوراه تتوافق مع وجودها على رأس العمل، حتى بدأت عام 2023 دراسة الدكتوراه في كلية التربية بجامعة الإسكندرية، واستخدمت عطلات نهاية الأسبوع والإجازات للحضور والدراسة في مصر على مدى ثلاث سنوات.
إلى سياسات التعليم
تنقلت العبيدان خلال مسيرتها العلمية بين مجالات تبدو متباعدة في أسمائها، فيما تراها متصلة في جوهرها؛ بدأت باللغة الإنجليزية، ثم التربية والتنمية البشرية، ووصلت إلى الإدارة التربوية وسياسات التعليم.
وتقول إن هذه المجالات تلتقي عند الإنسان وتعلمه وتطوره، وهو ما جعل تجربتها العلمية تتسع مع سنوات تجربتها في المدرسة والتدريب والنشاط الطلابي.
وحين وصلت إلى مرحلة اختيار موضوع الدكتوراه، اتجهت الأطروحة مباشرة إلى مجال عملها. وتشير العبيدان إلى أن تخصص الإدارة التربوية يتطلب ارتباط موضوع الدراسة بالميدان الذي تعمل فيه، وجاء اقتراح مشرفتها بأن يكون النشاط الطلابي محور البحث بحكم عملها رائدة للنشاط.

وهكذا تحول العمل الذي تمارسه داخل المدرسة إلى موضوع أطروحة حملت عنوان: «نموذج تنظيمي مقترح لإدارة النشاط الطلابي في مدارس التعليم العام في المملكة العربية السعودية في ضوء خبرات بعض الدول».
النشاط الطلابي تحت المجهر
درست العبيدان في أطروحتها إدارة النشاط الطلابي من جوانب التخطيط والتنظيم والتنفيذ والمتابعة والتقويم، إلى جانب المعوقات التي تؤثر في هذه العمليات، ثم اتجهت إلى بناء نموذج تنظيمي مقترح يستفيد من تجارب دولية ويراعي واقع مدارس التعليم العام في المملكة.
واستحضرت الدراسة خبرات اليابان وبريطانيا وفنلندا والولايات المتحدة، فيما أظهرت نتائجها، بحسب العبيدان، حاجة التخطيط والتنظيم في النشاط الطلابي بالمدارس السعودية إلى التطوير، وجاءت المعوقات اللوجستية والمالية والمادية في مقدمة المعوقات التي رصدتها.
وترى أن جودة النشاط الطلابي ترتبط بتكامل العمليات الإدارية ووضوح الأدوار وتوفير الموارد والاستفادة من التقويم في التحسين، وهي خلاصة تحمل بالنسبة إليها قيمة عملية؛ لأنها عادت بها إلى المجال نفسه الذي انطلقت منه: المدرسة والنشاط الطلابي.
الإجازة إلى الإسكندرية
حملت سنوات الدكتوراه الثلاث وجهاً آخر للحكاية. كانت العبيدان تعمل في القطيف، وتدرس في الإسكندرية، وتوزع وقتها بين المدرسة والأسرة والبحث والسفر، فيما كانت السنة الأولى أكثر كثافة بسبب المقررات والاختبارات.

وتصف تجربة السفر المتكرر إلى مصر وما رافقها من غربة وظروف جوية متقلبة، إلى جانب مسؤوليات البحث والقراءة والكتابة والعمل والأسرة. كما كانت مهام المدرسة ترافقها أحياناً خلال السفر وفترات الاختبارات، فتنجز التزامات العمل وهي تخوض في الوقت نفسه متطلبات دراستها.
وتشير إلى أن الدراسة كلفتها مبالغ مالية كبيرة، فيما بقي الاستثمار في المعرفة وتحقيق الهدف في مقدمة حساباتها. وقد فرضت عليها الرحلة إدارة دقيقة للوقت، خصوصاً أن الماجستير سبق أن استهلك أربع سنوات من الدراسة المسائية بعد الدوام، ثم جاءت الدكتوراه بثلاث سنوات من السفر والحضور في الإجازات وعطلات نهاية الأسبوع.
خوف في الطقس.. وقلق في البيت
ومن أكثر ما بقي في ذاكرة العبيدان من سنوات السفر الظروف الجوية التي واجهتها في الشرقية ومصر؛ من الضباب والغبار والأمطار الشديدة إلى اضطرابات الطقس في الإسكندرية، إضافة إلى هزات أرضية خفيفة شعرت بها خلال وجودها هناك، وهو ما كان يثير قلق أسرتها عليها.
وتصف تجربة في أحد الفنادق بالإسكندرية بأنها كانت الأكثر إثارة للخوف، إذ كانت تقيم في الطابق الحادي عشر خلال عاصفة شديدة، وعاشت حالة من الهلع بسبب المياه والظروف الجوية المحيطة بالمكان.
ومع هذه الرحلات، كانت أيام الاختبارات تحمل ضغطاً إضافياً؛ تجهيز للسفر، واستعداد للامتحانات، وإنجاز لمهام العمل، ومتابعة لشؤون الأسرة، وكلها تجتمع في أيام محدودة بين بلدين.
9 سبتمبر.. العائلة في قاعة المناقشة
وصلت الرحلة إلى محطتها الكبرى يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026. في جامعة الإسكندرية جلست العبيدان لمناقشة أطروحتها، وهي تحمل معها حصيلة ثلاث سنوات من السفر والدراسة والبحث، وفوقها مسيرة مهنية بدأت قبل ثلاثة عقود.
وكان زوجها وابنتها سمات وابنها علي معها في المناقشة، ثم في حفل التخرج في اليوم التالي، فيما حالت ظروف خاصة بابنتها فاطمة دون مرافقتهم.
وتصف العبيدان وجود أسرتها في تلك اللحظة بأنه تتويج لتعاون امتد طوال سنوات الدراسة، وتقول: «قطفنا جميعاً ثمار تعاوننا كأسرة في لحظة استثنائية».
كانت الشهادة تحمل اسمها، لكن لحظة الحصول عليها اتسعت، في شعورها، للبيت كله؛ للسنوات التي أعادت فيها الأسرة ترتيب وقتها مع سفر الأم ودراستها واختباراتها وبحثها، حتى حضرت معها لحظة الحصاد.
الدكتورة تعود إلى المدرسة
وبعد الإسكندرية، جاء احتفال آخر في المكان الذي بدأت منه الحكاية. ففي أول يوم لعودتها إلى المدرسة بعد التخرج، فاجأتها مديرة الثانوية الثانية بالقطيف وزميلاتها بحفل بمناسبة حصولها على الدكتوراه.
وتصف العبيدان ذلك الاستقبال بأنه منح إنجازها معنى إنسانياً إضافياً، إذ شاركها فرحتها الأشخاص الذين تعمل معهم كل يوم. كما أقامت مجموعات من صديقاتها احتفالات أخرى وقدمن لها هدايا احتفاءً بالدرجة الجديدة.

وهكذا عاد حرف «الدال» إلى المدرسة، ومعه بحث يرتبط مباشرة بما تفعله العبيدان فيها. وتقول إن خبرتها البحثية أصبحت تتيح لها قراءة النشاط الطلابي من خلال التخطيط والتنظيم والمتابعة والتقويم، وربط المشكلات والملاحظات الميدانية بالأدلة والنتائج البحثية، إلى جانب الدراسات التي تجريها حول قضايا تربوية وتعليمية وإدارية في الميدان.
الجامعة في الأفق
وبعد 30 عاماً في التعليم وثلاث درجات أكاديمية إلى جانب الدبلوم، يتجه طموح العبيدان إلى مرحلة أخرى. تضع التدريس الجامعي ضمن أهدافها المهنية، وتتطلع إلى فرص وعقود في الجامعات، سواء خلال سنوات عملها الحالية أو بعد التقاعد، بما يتيح لها توظيف خبرتها التعليمية والبحثية في التدريس والتدريب وخدمة الميدان التربوي.
كما تفكر في مواصلة الدراسة مستقبلاً، وتقول إن أفق أحلامها ما زال واسعاً، وإن حصولها على الدكتوراه يمثل محطة تدفعها إلى مزيد من التعلم والتطوير.
وتعتز العبيدان بصورة خاصة بأنها خاضت رحلة الدكتوراه وهي على رأس العمل، وسط مسؤوليات المدرسة والأسرة والسفر والغربة، وترى في تجربتها رسالة إلى المعلمات اللاتي يحملن أحلاماً مؤجلة؛ بأن يمنحن طموحاتهن فرصة، ويواصلن الطريق عبر ما يواجههن من صعوبات.
وبعد ثلاثة عقود بدأت بمعلمة إنجليزية في حفر الباطن، وعبرت بمدارس القطيف والجامعة والعمل المسائي ورحلات الإسكندرية، عاد الاسم إلى المدرسة في سبتمبر الماضي وقد سبقه حرف جديد: د. صفية سعيد آل عبيدان.
أما صاحبة الاسم، فتنظر إلى الحرف الجديد باعتباره محطة أخرى في طريق ما زالت ترى أمامها فيه مساحة لمزيد من الدراسة والعمل والطموح.
اقرأ القصة السابقة
دكاترة معلمون | غازي آل مشهد.. قدم في «متوسطة عطاء» وأخرى في «العربية المفتوحة»



