هل عرفتم إيمان؟

زكية حسن العبكري
سؤال قد يبدو مسطحًا، خاويًا من المعنى. لكن! هل فعلًا عرفتم إيمان؟
إيمان التي تركت أثرًا دون ضجيج، وعلّمت دروسًا دون تلقين. إيمان صافية الحس، مترعة الحسن، مثقال أنس وبهجة روح. ما تأتي عليه إيمان لا يأتي عليه أحد سواها.
سبحان من عجن طينتها بالرحمة، ومن جعلها حمامة سلام ترفرف حنوًا بجناحيها الأبيضين.
منذ ما يقارب اثني عشر عامًا، عرفتها إحدى الجارات من خلال مجموعة واتساب. وفي إحدى الليالي الممطرة، استبشر الجميع بالمطر وما تبعه من تعليق الدراسة، إلا إيمان، فقالت بأسى: «في ناس يتأذوا (يتضرروا) من شدة المطر، بيوتهم تخر وما يملكوا حتى ملابس تحميهم من البرد، من تمطر ينشغل بالي عليهم».
وبخجل، أخبرتنا عن مبادرتها التطوعية مع فريق كامل لدعم الأسر المحتاجة، ومحاولة التعرف على المزيد منهم لتقديم المساعدة. لم يكن خجلها من المبادرة نفسها، بل كان خوفًا من أن يُساء فهمها، ويُفسَّر كلامها على أنها تطلب منا مباشرة تقديم المزيد من العون للمحتاجين، وحاشا لإيمان أن تكون كذلك. لكن الجميع رحّب بمبادرتها وشكرنها عليها، بل إن بعضهن أخذن يشددن على يديها، ويشجعنها على الاستمرار وإخبار الجارات بكل خطوة في تلك المبادرة ليقمن بالواجب.
وبعد هذا النقاش، نُظّم لقاء ودي لتطرح فيه إيمان فكرة المبادرة كاملة، وتضيء بها قلوبنا. تعرّفنا إليها خلال اللقاء، وأجمعنا على إيمانها، فما رأينا إلا جميلًا. وما كدنا ننبهر بطيبة قلبها حتى وقعنا في حب تواضعها وسعة صدرها ورقي أخلاقها.
إيمان، اليد الممتدة بالعطاء، والقلب الذي يشبه القطن بياضًا ونعومة. ولا ننسى مبادرتها «إفطار صائم» التي تفانت في استمرارها.
جمعتني بها علاقة حنونة، رغم أن تواصلنا كان بين حين وآخر. لكن في كل مرة أتواصل معها، ينتهي حديثنا وأنا أشعر بالامتلاء، بالمعنى والأنس، وأقول في خاطري: «من مثل إيمان يمتلك حسًا عفويًا يفيض حبًا واحترامًا؟».
أصيلة هي، ومبادرة في السؤال عن الآخرين. فحين تفتقد حسي في المجموعة، ترسل لي: «ها وينش مختفية أم ماجد؟»، وترسل معها شعورًا مضمخًا بالحب والاهتمام.
من لم يعرف إيمان فقد خسر معرفة قطعة من الجنة، وكنزًا من النور، وإنسانة تفيض حنوًا وترفًا وتواضعًا. إيمان مصداق للإنسانية ومثال للسمو.
فهل عرفتم الآن إيمان؟
أما أنا، فقد عرفت فصلًا واحدًا جميلًا من حياتها، وأنا متيقنة أن هناك فصولًا أخرى أجمل، بينها وبين الله فقط.
رحمك الله أيتها الملائكية؛ فقد أوجع رحيلك قلوبنا، ولا نملك إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. حشرك الله مع محمد وآل محمد الأطهار، ومسح على قلوب أهلك ومحبيك.



