إيمان أبو السعود.. غيمة تمطر حبًا

جميلة حسن الجصاص
بعض البشر لا يكفي أن نقول عنهم: كانوا طيبين… لأن الطيبة فيهم كانت حياة.
حين يرحل إنسان عادي، يبقى اسمه في الذاكرة فترة، ثم تأخذه الأيام إلى زوايا النسيان. لكن هناك أناسًا يرحلون، فتكتشف بعد رحيلهم كم من القلوب كانت معلقة بحضورهم، وكم من الأرواح كانت تستند إلى طيبتهم دون أن يشعروا.
كانت إيمان عبدالكريم مهنا أبو السعود واحدة من هؤلاء.
رحلت قبل يومين، لكن رحيلها لم يكن غياب امرأة وحسب، بل غياب قلب كان يعرف كيف يمنح دون أن ينتظر، وكيف يشعر بالآخرين حتى قبل أن يطلبوا.
في الابتدائية الأولى بتاروت بدأت إيمان مسيرتها معلمة للغة العربية، ثم انتقلت إلى العمل مرشدة طلابية، وكأن انتقالها إلى الإرشاد كان امتدادًا طبيعيًا لشخصيتها؛ فهي قبل أن تكون مرشدة في وظيفتها، كانت إنسانة تجيد احتواء الآخرين بالفطرة.
كانت تحمل من الطيبة الكثير، ومن الكرم أكثر، ومن العطف ما يجعل القلب يلين أمامها.
وكانت مساعدة المحتاج عندها ليست موقفًا عابرًا، بل جزءًا من طبيعتها. إذا سمعت عن إنسان يتألم، تحرك قلبها قبل خطواتها، وإذا عرفت أن أحدًا يحتاج، لم تكن تتردد في السؤال أو المبادرة.
كان قلب إيمان رهيفًا إلى درجة أن ألم الآخرين كان يصل إليه.
ولعل هذه الصفة هي أكثر ما يختصرها؛ لم تكن تمر أمام وجع إنساني مرورًا عابرًا. كانت تشعر، وتتأثر، وتحاول أن تفعل شيئًا.
إيمان كانت من أولئك الذين لا يصنعون الخير ضجيجًا، ولا يعلنون عن عطائهم. كانت تعطي لأنها تحب، وتساعد لأنها لا تستطيع أن ترى محتاجًا ولا تتحرك نحوه.
ولهذا يمكن أن نقول عنها ببساطة شديدة، وبصدق شديد:
كانت إيمان الغيمة المعطاءة بحب.
والغيمة لا تسأل الأرض ماذا ستعطيها قبل أن تمطرها، ولا تختار بقعة دون أخرى؛ تمضي محملة بالعطاء، ثم تمطر حيث يكون الاحتياج.
هكذا كانت إيمان.
تمنح من وقتها، ومن مالها، ومن اهتمامها، ومن مشاعرها، والأهم من ذلك كله… تمنح من قلبها.
ولم يكن عطاؤها هو الشيء الوحيد الذي جعلها محبوبة. فقد كانت هادئة، متواضعة، لا تحمل في قلبها رغبة في إيذاء أحد، ولا تحب الحديث عن الآخرين بسوء. كانت قريبة من الناس دون تكلف، وحاضرة بينهم بحضور دافئ لا يحتاج إلى كثير من الكلمات.
وحين نتحدث اليوم عن إيمان، لا نتحدث عن سنوات عملها في التعليم فقط، ولا عن كونها معلمة ومرشدة، بل عن أثر إنسانة.
فالوظيفة تنتهي، والتقاعد يأتي، والسنوات تمضي… لكن أثر الإنسان الطيب لا يتقاعد.
ولهذا، حين وصل خبر رحيلها إلى بعض طالباتها القديمات، كان السؤال الذي خرج منهن يحمل كل شيء:
«معلمة هذه؟ مش معلمة إيمان، صح؟»
وكأن القلب رفض أن يصدق.
وكأن اسمها الذي بقي في الذاكرة كل هذه السنوات لا يمكن أن يكون هو نفسه الاسم الذي جاء معه خبر الرحيل.
وهنا ندرك أن إيمان لم تكن مجرد معلمة مرت على طالباتها ثم مضت، بل كانت واحدة من أولئك المعلمات اللواتي يتركن شيئًا من أرواحهن في ذاكرة طلابهن.
اليوم، وبعد رحيلها، ستبقى تفاصيل كثيرة تستعيدها زميلاتها: جلساتهن، أحاديثهن، ضحكاتهن، مواقفهن الصغيرة، وكل تلك الأشياء التي كانت تبدو عادية في وقتها، ثم أصبحت بعد الفقد أثمن ما في الذاكرة.
وهذه هي المفارقة المؤلمة في الرحيل:
أننا لا نكتشف قيمة بعض اللحظات إلا بعد أن تصبح مستحيلة التكرار.
رحلت إيمان عبدالكريم مهنا أبو السعود، لكن الغيمة لا تختفي حين تمطر.
تبقى آثار المطر في الأرض.
وتبقى هي كذلك في قلوب من أحبتهم، وفي ذاكرة طالباتها، وفي وجدان زميلاتها، وفي كل محتاج امتدت إليه يدها، وكل متألم وصل ألمه إلى قلبها.
رحلت صاحبة القلب الرهيف، واليد المعطاءة، والروح المحبة.
رحلت إيمان…
لكنها تركت خلفها شيئًا يشبهها تمامًا:
خيرًا كثيرًا، وحبًا كثيرًا، وذكريات لا تجف.
اللهم إن إيمان عبدالكريم مهنا أبو السعود كانت غيمةً معطاءة في حياة من عرفها، فأكرم نزُلها، ووسّع مدخلها، واجعل ما قدمته من خير وعطاء واحتواء للآخرين نورًا لها في قبرها.
اللهم ارحم قلبًا كان يتألم لألم الآخرين، ويدًا كانت تمتد بالعطاء، وروحًا أحبت الخير دون ضجيج.
رحم الله إيمان… الغيمة التي كانت تمطر حبًا، ومضت دون أن تأخذ معها أثرها.



