قلبٌ صامد.. صامت

حبيب محمود
خرجتُ من العزاء، لكن شيئاً منه خرج معي. كان عزاء المعلمة إيمان أبو السعود قائماً، والوجوه تؤدي واجبها، والألسنة تردد كلمات المواساة التي نقولها أمام الموت لأننا لا نملك سواها. غير أن عيني توقفتا عند رجل أعرفه منذ زمن؛ الصيدلي القديم عادل أبو السعود.
رأيته، وفكرت في قلبه. ليس لأن المتوفاة شقيقته التي يودعها اليوم فحسب، بل لأن هذا القلب يعرف الفقد جيداً. يعرفه أكثر مما ينبغي لقلب واحد.
فقبل أشهر فقط، ودع شقيقاً آخر، أصغر منه، خطفت “علي” جلطة، في ليلة زفاف ابن أختٍ لهما. وعليّ كان أخاً وعضيداً في مشروعهما القديم، سلسلة الصيدليات المعروفة.
وقبل سنوات، سبقتهم شقيقة أخرى، رحلت في حادث مرور شنيع وهي في عز قوتها وعطائها.
وقبل يومين؛ أنهى الموت حياة المعلمة إيمان.. ثلاثة أشقاء مضوا، وبقي الأخ يحمل أسماءهم وذكرياتهم وأماكنهم التي فرغت منهم. ما الذي يفعله الفقد حين يعود إلى الباب نفسه؟
وكم يحتاج الإنسان من القوة ليقف مرة أخرى في مجلس عزاء، ويتلقى الكلمات نفسها، ويصافح المعزين، ويقول ما يقوله المؤمنون أمام قضاء الله، بينما وراء ذلك كله قلب لا يسمع أحد صوته؟
لا أعرف. ولا أريد أن أتظاهر بأنني أعرف ما في قلب الرجل الصبور. فالحزن شأن شديد الخصوصية، ولكل إنسان طريقته في احتمال خساراته. لكنني أعرف الرجل منذ زمن، وأعرف شيئاً مما يعرفه الناس عنه.
عادل أبو السعود واحد من وجوه المجتمع الكريمة؛ رجل فاضل ومحترم، وصاحب أيادٍ يعرفها من وصلت إليهم. ومن مفارقات الحياة أن اليد التي تمتد إلى الناس بالعطاء، قد تعود إلى صاحبها عاجزة أمام أكثر الأشياء وجعاً؛ فلا المال يرد غائباً، ولا المكانة تؤخر أجلاً، ولا المعروف الذي صنعناه للناس يمنحنا حصانة من الابتلاء.
رأيت في مجلس عزاء المتوفاة شيئاً أكبر من مجلس عزاء. رأيت رجلاً اختبرته الخسارات. ورأيت قلباً لا أعرف ماذا يقول في داخله، لكنه، في الخارج، ما زال ثابتاً.
رحم الله المعلمة إيمان ورحم شقيقها وشقيقتها اللذين سبقاها. وربط على قلوب الفاقدين.



