أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

معلمون دكاترة 5 | خولة القاسم.. الدكتوراه سبقت السبورة

منة الله فتحيالجمعة 9 أكتوبر 2026، 3:21 م
معلمون دكاترة 5 | خولة القاسم.. الدكتوراه سبقت السبورة

القطيف: معصومة المقرقش

كان أمام خولة عباس آل قاسم عمل في شركة البلاد، وراتب شهري، وحياة وظيفية مستقرة، لكن قبولها في برنامج الدكتوراه وضعها أمام قرار لم يكن سهلاً: أن تحتفظ بوظيفتها، أو تتفرغ للدراسة التي انتظرت الوصول إليها سنوات. واختارت خولة أن تقدم استقالتها، وتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، تقودها كل أسبوع إلى مدينة أبها، قبل أن تعود إلى سوق العمل معلمةً للرياضيات في مدارس القطيف، وتكمل الدكتوراه وهي على رأس العمل.

كان ذلك القرار امتداداً لرحلة بدأت قبل الدكتوراه بسنوات، أنفقت خلالها نحو 60 ألف ريال على دراسة الماجستير من مالها الخاص، بخلاف المصاريف الأخرى. وفي الطريق إلى الدرجة العلمية الأعلى، واجهت تحديات الدراسة والسفر، ثم فقدت جدتها التي تربت في كنفها قبل الاختبار الشامل بيوم واحد، لكنها دخلت الاختبار واجتازته، ومضت حتى حصلت على الدكتوراه عام 2026.

اليوم، تعمل خولة معلمةً للرياضيات في متوسطة أم ورقة بنت نوفل بمحافظة القطيف، وتحمل الدكتوراه في المناهج وطرق التدريس العامة من جامعة الملك خالد. وبين وظيفتها السابقة في شركة البلاد وفصلها الدراسي الحالي، تمتد حكاية اختيارات شخصية ومهنية اتخذتها لتواصل تعليمها، وصولاً إلى اليوم الذي ناقشت فيه أطروحتها بحضور زوجها، وشعرت، كما تصف، بأنها لا تلمس الأرض من شدة الفرح.

60 ألف ريال

بدأ اهتمام خولة بالدراسات العليا وهي طالبة في مرحلة البكالوريوس، إذ كانت ترغب في التعمق في الرياضيات، والتوسع في المعرفة المرتبطة بتدريسها.

حصلت على بكالوريوس الرياضيات من كلية البنات بجامعة الدمام، ثم الدبلوم التربوي من جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل عام 2015، قبل أن تلتحق ببرنامج الماجستير في المناهج وطرق تدريس الرياضيات بالجامعة نفسها.

وتقول إن دراسة الماجستير كانت على حسابها الخاص، وبلغت رسومها نحو 60 ألف ريال، دون احتساب المصاريف الأخرى، حتى حصلت على الدرجة عام 2021.

وكان الماجستير خطوة في طريق بدأ يتضح أمامها منذ سنوات البكالوريوس؛ فقد أرادت أن تواصل الدراسة إلى الدكتوراه، وأن تمنح نفسها فرصة للتخصص والبحث العلمي.

استقالة وتفرغ

قبل قبولها في برنامج الدكتوراه بجامعة الملك خالد، كانت خولة تعمل في شركة البلاد. وتوضح أنها تقدمت باستقالتها بعد قبولها في البرنامج، حتى تتمكن من التفرغ للدراسة، خصوصاً أن المرحلة الأولى كانت تتطلب حضوراً منتظماً في الجامعة.

وتقول: «قبل قبولي في برنامج الدكتوراه، كنت موظفة لدى شركة البلاد، وبعد قبولي في الدكتوراه تقدمت باستقالتي للتفرغ للدراسة».

وبذلك بدأت مرحلة جديدة، أصبحت فيها الدراسة مسؤوليتها الأساسية، وخصصت وقتها لمتطلبات البرنامج الأكاديمي، بعدما تركت وظيفتها من أجل استكمال تعليمها.

إلى أبها أسبوعياً

خلال السنتين الأوليين من الدكتوراه، وهما فترة دراسة المقررات المنهجية، كانت خولة تسافر أسبوعياً إلى أبها لحضور المحاضرات واستيفاء متطلبات البرنامج.

وتقول إن تلك المرحلة احتاجت إلى التزام وجهد كبيرين، خصوصاً مع انتظام السفر وما يصاحبه من ترتيبات وتكاليف.

ورغم أن دراسة الدكتوراه كانت مجانية، فإن تذاكر الطيران والتنقل والمصاريف الشخصية شكلت جانباً من الأعباء التي تحملتها، إلى جانب الوقت الذي اقتطعته الدراسة من حياتها العائلية.

وتصف تلك السنوات بأنها مرحلة تطلبت منها تنظيم وقتها والتعامل مع مسؤوليات متداخلة، والاستمرار في العمل على هدف بدأته منذ سنوات.

العودة إلى الوظيفة

بعد إنهاء المرحلة المنهجية من الدكتوراه، حصلت خولة على وظيفة حكومية في وزارة التعليم، وبدأت العمل معلمةً للرياضيات عام 2024 في متوسطة أم ورقة بنت نوفل.

وكانت قد أنجزت المرحلة التي تتطلب السفر الأسبوعي إلى أبها، وبقي أمامها الاختبار الشامل وإعداد الأطروحة.

وتوضح أنها استطاعت في تلك الفترة الجمع بين وظيفتها الجديدة واستكمال متطلبات الدكتوراه، وأصبحت تسافر إلى أبها مرات محدودة بحسب الحاجة، بدلاً من الرحلات الأسبوعية التي التزمت بها خلال السنتين الأوليين.

وهكذا دخلت خولة الفصل الدراسي معلمةً للرياضيات، بينما كانت رحلتها الجامعية لا تزال مستمرة. وأصبحت تقسم وقتها بين إعداد الدروس لطالباتها، والاستعداد للاختبار الشامل، والعمل على أطروحتها العلمية.

جدتي والاختبار

في خضم هذه المرحلة، واجهت خولة واحداً من أصعب المواقف في حياتها. فقبل الاختبار الشامل للدكتوراه بيوم واحد، توفيت جدتها التي تربت في كنفها، وكانت تحتل مكانة كبيرة في قلبها وحياتها.

جاء الخبر في وقت كانت تستعد فيه لاختبار مهم في مسيرتها العلمية، بعد سنوات من الدراسة والجهد.

وتستعيد خولة تلك اللحظة بقولها: «من أصعب المواقف التي واجهتني خلال سنوات الدراسة كان قبل اختبار الدكتوراه الشامل بيوم واحد فقط. في ذلك اليوم توفيت جدتي العزيزة على قلبي، والتي تربيت في كنفها وكانت لها مكانة كبيرة جداً في حياتي».

كانت أمامها ساعات قليلة تفصلها عن الاختبار، وكان الحزن على جدتها حاضراً بكل ثقله. ومع ذلك، قررت أن تدخل الاختبار في موعده. واجتازته.

وتقول إن التجربة تركت أثراً عميقاً في نفسها، وعلمتها أن الإنسان قد يواجه ظروفاً قاسية في أكثر الأوقات حساسية، وأن مواصلة الطريق تحتاج إلى الصبر والإيمان.

وظلت ذكرى جدتها حاضرة معها وهي تكمل بقية متطلبات الدكتوراه، حتى وصلت إلى يوم المناقشة.

متعة الرياضيات

اختارت خولة موضوع أطروحتها من المجال الذي أحبته ودرسته، وأصبحت تمارسه يومياً داخل الفصل.

وحملت الأطروحة عنوان «فاعلية استخدام وحدة تعليمية مطورة قائمة على نموذج ماير للتعلم السريع في تنمية مهارات التفكير الرياضي ومتعة التعلم في الرياضيات لدى طالبات المرحلة المتوسطة».

وتناولت الدراسة استخدام وحدة تعليمية مطورة قائمة على نموذج ماير للتعلم السريع، بهدف تنمية مهارات التفكير الرياضي ومتعة التعلم لدى طالبات المرحلة المتوسطة.

وكان اختيار المرحلة المتوسطة قريباً من واقع خولة المهني؛ فهي تعمل معلمةً للرياضيات لطالبات هذه المرحلة، وتبحث في الوقت نفسه عن أساليب تدريس تساعد على تنمية التفكير وتعزيز تفاعل الطالبات مع المادة.

لا ألمس الأرض

في عام 2026، وصلت خولة إلى اليوم الذي انتظرته طويلاً: مناقشة أطروحة الدكتوراه في جامعة الملك خالد. كان زوجها حاضراً معها، يشاركها لحظة انتهاء رحلة عرف تفاصيلها وما رافقها من تعب وسفر وتحديات.

وتقول خولة: «أتذكر يوم مناقشة أطروحة الدكتوراه وكأنه حلم. كانت مشاعري جياشة جداً، وكنت أشعر أنني لا ألمس الأرض من شدة الفرح والتأثر».

كان حضور زوجها مهماً بالنسبة إليها، فقد شاركها سنوات الدراسة وما تطلبته من صبر وتضحيات، وأصبح شاهداً على اللحظة التي وصلت فيها إلى الدرجة العلمية التي سعت إليها.

وعندما انتهت المناقشة، شعرت بفرحة الإنجاز بعد سنوات من الدراسة والبحث، واستعادت تفاصيل الطريق الذي بدأته بالماجستير، ثم الاستقالة من شركة البلاد، والسفر الأسبوعي إلى أبها، وصولاً إلى إكمال الأطروحة إلى جانب وظيفتها في التعليم.

فرحة صامتة

بعد حصولها على الدكتوراه، عادت خولة إلى مدرستها، واختارت أن تحتفظ بالخبر لنفسها وللمقربين منها. وتقول إنها لم تخبر طالباتها أو زميلاتها في البداية بحصولها على الدرجة العلمية، ولذلك مضى يومها الدراسي بصورة طبيعية، من دون استقبال أو احتفال. كانت تحمل فرحة كبيرة، لكنها فضلت أن تعيشها بهدوء.

وتوضح أن الدكتوراه كانت بالنسبة إليها حصيلة رحلة شخصية عاشت تفاصيلها، بما فيها من تعب وتحديات، وأن شعورها بالامتنان لإتمامها كان أهم لديها من الاحتفاء بها.

وعادت إلى شرح دروس الرياضيات لطالباتها، تحمل خبرة علمية أوسع، وتجربة شخصية امتدت سنوات قبل وصولها إلى الفصل الدراسي.

داخل الفصل

ترى خولة أن الدراسات العليا أضافت إلى تجربتها في التدريس، خصوصاً في مجالات التفكير النقدي والبحث العلمي والاستقصاء.

وتقول إنها أصبحت أكثر حرصاً على تشجيع الطالبات على طرح الأسئلة، والبحث عن المعلومات، ومناقشتها، والوصول إلى النتائج بأنفسهن.

كما تستفيد من خبرتها البحثية في تدريبهن على تحديد المشكلات، وجمع المعلومات من مصادر موثوقة، وتحليلها وعرض النتائج بصورة منظمة.

وتوضح أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من طريقة تقديمها للدروس والأنشطة، وأنها تسعى إلى تنمية قدرة الطالبات على التفكير والمبادرة، بدلاً من الاكتفاء بحفظ الحلول والخطوات.

استقرار وطموح

بعد حصولها على الدكتوراه، بدأت خولة التفكير في فرص وظيفية تتناسب مع مؤهلها الأكاديمي، ومنها العمل في الجامعات. لكن تجربتها المهنية السابقة جعلت الاستقرار الوظيفي عاملاً مهماً في قراراتها.

وتقول إن بعض الفرص الجامعية تقوم على التعاقد، ولذلك فضلت الاستمرار في وظيفتها الحكومية بوزارة التعليم، مع مواصلة البحث عن فرص تتناسب مع مؤهلها وخبرتها البحثية.

وتؤكد أن عملها في المدرسة يمنحها فرصة للاستفادة من دراستها العليا، وتوظيف ما اكتسبته من مهارات في تعليم طالباتها وتطوير ممارساتها المهنية.

وهكذا عادت خولة إلى الوظيفة بعد استقالة اختارتها من أجل الدراسة، ثم أكملت الدكتوراه وهي معلمة على رأس العمل.

وبين شركة البلاد التي غادرتها، وجامعة الملك خالد التي سافرت إليها أسبوعياً، ومتوسطة أم ورقة بنت نوفل التي تدرّس فيها اليوم، بقيت الرياضيات حاضرة في كل مرحلة من رحلتها.

أما أكثر ما تحتفظ به من تلك السنوات، فهما لحظتان متباعدتان في المشاعر: يوم دخلت الاختبار الشامل بعد وفاة جدتها، ويوم وقفت لمناقشة أطروحتها وزوجها إلى جانبها، وشعرت بأنها لا تلمس الأرض من شدة الفرح.