أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

معلمون دكاترة 6 | الموسى.. أديب مرموق في مدرسة ابتدائية

منة الله فتحيالسبت 10 أكتوبر 2026، 4:29 م
معلمون دكاترة 6 | الموسى.. أديب مرموق في مدرسة ابتدائية

القطيف: أمل سعيد

وقف أحد تلاميذ الصف الخامس الابتدائي أمام باب الفصل، ومنع معلمه من الدخول. كان الدكتور علي علي آل موسى قد عاد إلى مدرسته بعد حصوله على الدكتوراه، وجاء ليدخل حصته كالمعتاد، لكن التلميذ كان يحمل طلباً غير مألوف: «عندي طلب يا أستاذي، وآمل ألا تردني».

سأله المعلم عن طلبه، فأجابه بأن يتأخر قليلاً عن الدخول. وافق الموسى ما دام الفصل هادئاً، وبعد لحظات وصل وكيل المدرسة والمرشد الطلابي، واصطحباه إلى الداخل.

كانت المفاجأة تنتظره خلف الباب؛ فقد زيّن تلاميذه الفصل بالبالونات والورود والملصقات التي تحمل اسمه وعبارات التهنئة، وأحضروا الهدايا وكعكة الاحتفال. وعرف لاحقاً أن المبادرة جاءت من الأطفال أنفسهم، بمباركة إدارة المدرسة وتنسيقها.

هؤلاء التلاميذ الصغار كانوا يحتفلون بمعلمهم الذي أمضى سنوات طويلة في دراسة اللغة العربية وآدابها، وأصدر كتباً في النقد والفكر، ونشر المقالات والقصائد والقصص في صحف ومجلات سعودية وعربية، قبل أن يحصل على الدكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة عام 2024.

في مدرسة ضرار بن الأزور الابتدائية بصفوى، يقف اليوم أديب وباحث أكاديمي أمام أطفال يتعلمون مبادئ اللغة العربية، بعدما أمضى نحو 24 عاماً في التعليم العام، وقطع رحلة جامعية امتدت 27 عاماً من بداية البكالوريوس حتى الدكتوراه.

من العوامية

وُلد علي علي محمد آل موسى في العوامية عام 1969، وتلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط فيها، ثم أكمل المرحلة الثانوية في تاروت.

وإلى جانب التعليم النظامي، درس الأصول والفقه على أيدي عدد من المشايخ، منهم محمدي البامياني، وعبداللطيف الشبيب، وفوزي آل سيف، وشاكر الناصر، وعلي الناصر.

وجمع في تكوينه المعرفي بين الدراسات الدينية واللغة العربية والأدب، قبل أن يتجه إلى الدراسة الجامعية المتخصصة.

وفي عام 2002، حصل على البكالوريوس في اللغة العربية من كلية التربية بجامعة الملك فيصل في الأحساء، بتقدير ممتاز ومعدل 4.61 من 5، مع مرتبة الشرف الثانية.

وفي العام نفسه، بدأ عمله معلماً للغة العربية، وكانت محطته الأولى مدرسة الأمير سعود بن نايف في الدمام، لكنه انتقل خلال السنة نفسها إلى ثانوية الطفيل بن عمرو في سيهات، تجنباً لزحام الطريق صباحاً.

معلم صباحاً

كان الموسى قد قرر مواصلة الدراسات العليا فور حصوله على البكالوريوس، مدفوعاً برغبته في التعمق في اللغة العربية والاستفادة من رصيدها المعرفي والأدبي.

وتقدم في سنته الأولى بالتدريس إلى برنامج الماجستير بجامعة الملك سعود في الرياض، واجتاز الاختبارات التحريرية والشفوية، وحصل على القبول.

ومنذ سنته الثانية في التعليم، أصبحت حياته موزعة بين المدرسة والجامعة؛ يدرّس طلاب التعليم العام صباحاً، ويتابع دراسته الجامعية مساءً.

واستمرت دراسة الماجستير 6 سنوات، من عام 2003 إلى 2008، وحصل خلالها على درجة الماجستير في النقد الأدبي الحديث بتقدير ممتاز، وكانت رسالته بعنوان «شعرية القلق عند بدر شاكر السياب».

ولم تبق الرسالة على رفوف الجامعة؛ فقد صدرت كتاباً في بيروت عام 2008، لتصبح جزءاً من إنتاجه النقدي المنشور.

أديب ومؤلف

بدأت مؤلفات الموسى بالظهور قبل حصوله على الدكتوراه بسنوات طويلة. ففي عام 2005، أصدر كتاب «ثقافة الإسلام وثقافة المسلمين: الاتصال والتقاطع أم الانفصال والقطيعة؟»، ثم نشر «شعرية القلق عند بدر شاكر السياب» عام 2008، وأتبعه بكتاب «التدبر الموضوعي في القرآن الكريم» عام 2009.

وإلى جانب التأليف، كتب المقالة والدراسة الأدبية والقصة القصيرة والقصيدة، ونشر أعمالاً في صحف ومجلات داخل المملكة وخارجها، منها صحيفتا «اليوم» و«قافلة الزيت»، وصحيفة «السفير» اللبنانية، ومجلات «المعرفة» و«البصائر» و«الكلمة» و«القرآن نور».

ويكشف هذا التنوع عن اهتمامات تمتد من الدراسات الإسلامية والفكرية إلى النقد الأدبي والكتابة الإبداعية، وهي اهتمامات واصلها بالتوازي مع عمله اليومي في التعليم العام.

عشر سنوات انتظار

بعد حصوله على الماجستير عام 2008، أراد الموسى أن يكمل الدكتوراه، لكنه اصطدم بشروط القبول في ذلك الوقت… يقول إن الجامعة كانت تشترط ألا يكون المتقدم قد بلغ الأربعين، وأن يحصل على تقدير جيد جداً على الأقل في المرحلة السابقة، وأن يتفرغ تفرغاً كاملاً للدراسة بموافقة جهة عمله.

وكان قد بلغ الأربعين وفق حسابه آنذاك، كما تعذر عليه الحصول على التفرغ المطلوب من التعليم.

وبدأ البحث عن فرص أخرى في سوريا والأردن ومصر، لكن ظروفاً مختلفة حالت دون إكمال الدراسة في تلك الدول. ومرت السنوات وهو يواصل التدريس والقراءة والكتابة، ويحاول العثور على برنامج يتيح له استكمال دراسته.

وظل باب الدكتوراه مغلقاً أمامه نحو 10 سنوات، حتى أتاحت جامعات سعودية برامج للدكتوراه برسوم دراسية، دون اشتراط العمر والتفرغ الكامل.

وفي عام 2017، التحق ببرنامج الدكتوراه في جامعة الملك فيصل بالأحساء، وعاد إلى الدراسة الجامعية بعد سنوات من الانتظار.

24 حصة

كان العام الأول للدكتوراه من أصعب مراحل الرحلة. فقد كان الموسى يعمل معلماً في إحدى مدارس القطيف، ويؤدي جدولاً دراسياً كاملاً من 24 حصة أسبوعياً، إضافة إلى حصص النشاط.

وكان دوامه المدرسي يستمر حتى الثانية عشرة ظهراً على الأقل، بينما تبدأ محاضرات الدكتوراه في الأحساء يوم الأحد عند الواحدة ظهراً، ويوم الاثنين عند الثالثة عصراً.

يقول إن الخروج من المدرسة مبكراً يوم الأحد كان متعذراً، ولذلك كان يصل إلى الجامعة متأخراً، ويواجه عتاب بعض أساتذته.

وبعد تكرار هذا الموقف، تقدم بطلب إجازة استثنائية من دون راتب لمدة عام كامل، حتى يتمكن من الانتظام في الدراسة والوصول إلى الجامعة في الوقت المحدد.

وكان يسافر أسبوعياً من القطيف إلى الأحساء، ويقيم هناك يومين على الأقل، بعيداً عن أسرته، فيما كانت القراءة والبحوث والمراجعة للامتحانات تستحوذ على جانب كبير من وقته، حتى في الأيام التي يقضيها بين أفراد عائلته.

حب جبران

اختار الموسى للدكتوراه موضوعاً يختلف عن موضوع الماجستير، لكنه بقي في مجال النقد الأدبي. فبعد دراسة القلق في شعر بدر شاكر السياب، اتجه إلى دراسة استعارة الحب في أدب جبران خليل جبران، وحملت أطروحته عنوان «المناويل العرفانية لاستعارة الحب في أدب جبران خليل جبران».

ويشرح أن البحث تناول الآثار المعرفية والإدراكية في أدب جبران، من خلال دراسة الاستعارات البنيوية والاتجاهية والأنطولوجية، ومحاولة فهم العلاقة بين فكر الأديب وإنتاجه الأدبي.

وتوصل إلى أن التصورات الفكرية، الواعية وغير الواعية، تؤثر تأثيراً كبيراً في الأدب، وأن دراسة النصوص تحتاج إلى الإفادة من المناهج النقدية الحديثة، إلى جانب المناهج القديمة.

وفي عام 2024، حصل على الدكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة من جامعة الملك فيصل، بتقدير ممتاز ومعدل 5 من 5، مع مرتبة الشرف الأولى.

وبذلك أكمل مسيرة أكاديمية امتدت، وفق حسابه، 27 عاماً منذ بداية البكالوريوس، قضى منها 16 عاماً في الدراسة الجامعية الفعلية: 4 للبكالوريوس، و6 للماجستير، و6 للدكتوراه.

يوم البشت

يتذكر الموسى صباح مناقشة الدكتوراه بتفاصيله الصغيرة، بدءاً من مغادرته القطيف إلى الأحساء برفقة صديقه فاضل البحراني.

فقد واجها ازدحاماً مرورياً في الطريق، ما تسبب له في شيء من التوتر قبل الوصول إلى الجامعة.

وكان زملاؤه في الأحساء، ومنهم الدكتور يحيى العبداللطيف، قد اهتموا بتجهيز قاعة المناقشة وتعليق الإعلان الخاص بها.

كما حضر عدد كبير من أصدقائه من القطيف، وشاركوه اللحظة التي انتظرها سنوات طويلة.

ويستعيد الموسى حفاوة لجنة المناقشة، التي ضمت الدكتور عادل عثمان الهادي مشرفاً، والدكتور ياسين البشير ممتحناً داخلياً، والدكتور إبراهيم منصور التركي ممتحناً خارجياً.

ويقول إن أعضاء اللجنة أثنوا على الأطروحة، وناقشوه بأدب علمي خفف عنه رهبة الموقف، وقدموا ملاحظاتهم المتعلقة بالمحتوى والصياغة والشكل.

وعندما أعلنت اللجنة حصوله على الدكتوراه، تحول المكان إلى احتفال بين أصدقائه وزملائه، وألبسه أحدهم بشت التخرج المذهب.

وفي طريق العودة إلى القطيف، كان هاتفه يستقبل التهاني بصورة متواصلة.

ويقدر أنه تلقى خلال الرحلة، التي استغرقت نحو ساعة ونصف الساعة، قرابة 100 اتصال و300 رسالة تهنئة.

وكان صديقه يقود السيارة، بينما ينشغل هو بالرد على المهنئين، مستعيداً فرحة المناقشة وما أحاطها من محبة الأصدقاء والزملاء.

أثر الدكتوراه

يرى الموسى أن الدكتوراه أضافت إلى تعامله مع المادة العلمية، ومنحته قدرة أكبر على تبسيط المفاهيم وتقديمها للطلاب بلغة تناسب أعمارهم.

ويقول إن الدراسة المتعمقة زادت ثقته بالمحتوى العلمي، وساعدته على التعامل مع صعوباته اللفظية والمعرفية.

كما يواصل اهتمامه بمشاركة الطلاب في مسابقات وزارة التعليم، ومنها تحدي القراءة، والإلقاء الشعري، والكتابة، إلى جانب العناية بمهارات استيعاب المقروء.

وبين النقد الأدبي الذي يبحث فيه عن المعاني العميقة والاستعارات، وتعليم الأطفال الذي يحتاج إلى الوضوح والتبسيط، يجد الموسى مجالاً لتوظيف خبرته العلمية في عمله اليومي.

الجامعة المؤجلة

بعد حصوله على الدكتوراه، حاول الموسى الانتقال إلى التدريس الجامعي، سواء في البرامج الصباحية أو المسائية، لكنه لم يوفق في الحصول على فرصة.

واستمر في عمله بالتعليم العام، حيث أمضى نحو 24 عاماً منذ تعيينه عام 2002.

ولا تزال سيرته تجمع بين مسارين متوازيين: باحث في الأدب والنقد والبلاغة، ومؤلف نشر كتبه ودراساته ومقالاته، ومعلم للغة العربية يلتقي طلابه داخل الفصول الدراسية.

وفي مدرسة ضرار بن الأزور الابتدائية بصفوى، يعود الموسى إلى حصصه اليومية، بعد رحلة امتدت من العوامية إلى جامعات الرياض والأحساء، ومن قلق السياب إلى حب جبران.

أما تلاميذ الصف الخامس، فقد أضافوا إلى هذه الرحلة صفحة يصعب أن يجد مثلها في كتب النقد الأدبي: فصل دراسي أغلقوا بابه أمام معلمهم دقائق قليلة، حتى يفتحوه له على فرحة أعدوها بأنفسهم.

اقرأ القصة السابقة

معلمون دكاترة 5 | خولة القاسم.. الدكتوراه سبقت السبورة