أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

معلمون دكاترة 7 | أوصاف الورش.. من نخيل القديح إلى صحراء القويعية.. إلى حصار كورونا في أمريكا

صُبرةالأحد 11 أكتوبر 2026، 3:40 م
معلمون دكاترة 7 | أوصاف الورش.. من نخيل القديح إلى صحراء القويعية.. إلى حصار كورونا في أمريكا

القطيف: ليلى العوامي

حصلت الدكتورة أوصاف عبدالله أحمد الورش على الدكتوراه من جامعة توليدو الأمريكية عام 2020، وكان أمامها أن تعود إلى المملكة مع زوجها وأطفالها الثلاثة، بعد سنوات من الدراسة والغربة. لكن العالم كان يدخل واحدة من أقسى أزماته الصحية، وكانت جائحة كورونا قد أغلقت المطارات وأوقفت الرحلات، لتجد المعلمة القادمة من القديح نفسها وأسرتها عالقين في الولايات المتحدة، ينتظرون العودة إلى الوطن، بينما تتراكم عليهم أعباء المعيشة وتتوالى الأخبار المفجعة من الأهل.

خمسة أشهر أمضتها الأسرة في انتظار رحلات الإجلاء، بعدما توقفت المكافأة المالية والتغطية الطبية، وفق رواية أوصاف. ومع استمرار الإقامة وتعذر العودة، اضطرت الأسرة إلى الاقتراض لتسديد الإيجار والفواتير وتوفير الطعام للأطفال الثلاثة.

وفي خضم تلك المحنة، تلقت الأسرة خبر وفاة شقيقي زوجها بعد إصابتهما بفيروس كورونا. وكان البعد عن الوطن يزيد وقع الفقد قسوة، فقد تعذر عليهم وداع الراحلين أو الوقوف إلى جانب بقية أفراد الأسرة.

تستعيد أوصاف تلك الأيام بعبارات لا تزال تحمل ألم التجربة: «كان ألم الفقد والغربة يمتزج برعب المرض والعجز المادي وسط جائحة تفتك بالعالم ونحن بلا تأمين صحي».

هذا أثناء مشاركتي في مؤتمر في أنديانا بوليس

كانت قد انتهت للتو من رحلة علمية طويلة، تعلمت خلالها الإنجليزية، وحصلت على الماجستير والدكتوراه في تدريس الرياضيات، لكن الأشهر التالية للتخرج وضعتها أمام اختبار مختلف تماماً، يتعلق بأمان أسرتها وقدرتها على تدبير حياتها اليومية بعيداً عن الوطن.

خمسة أشهر

تصف أوصاف الفترة التي أعقبت تخرجها بأنها أشد مراحل غربتها إيلاماً.

فقد كانت الأسرة تنتظر استئناف رحلات العودة إلى المملكة، بينما استمرت الالتزامات المالية من إيجار وفواتير ونفقات معيشة، في وقت توقفت فيه المكافأة والتغطية الطبية عنها وعن أفراد عائلتها.

وتقول: «اضطررنا فيها للاقتراض لتأمين الإيجار ودفع الفواتير ولقمة العيش لأطفالنا الثلاثة».

وكان القلق الصحي حاضراً بقوة؛ فالجائحة تنتشر، والأسرة تقيم في بلد بعيد من دون التأمين الطبي الذي كانت تتمتع به خلال الابتعاث.

حفل التخرج في البيت مع العائلة بسبب إلغاء حفل التخرج وقت الجائحة

ثم جاءت أخبار الوفاة من المملكة، لتضيف إلى القلق على الأطفال وأعباء المعيشة حزناً عائلياً مضاعفاً.

وتقول أوصاف إن الأسرة فُجعت بوفاة شقيقي زوجها بعد إصابتهما بفيروس كورونا، ولم تتمكن من العودة لوداعهما أو الوقوف إلى جانب أهلها.

وتختصر أثر التجربة بقولها إن تلك الأشهر علمتها الصبر والصمود، بعدما اجتمع فيها ثقل الديون مع ألم الفقد والغربة.

صحراء القويعية

قبل نحو 19 عاماً من محنة كورونا، كانت أوصاف تخوض تجربة أخرى بعيدة عن منزلها في المنطقة الشرقية.

ففي عام 2001، بدأت عملها معلمة للرياضيات في هجرة الرقمية التابعة للقويعية، وسط الصحراء.

كانت في بداية حياتها الوظيفية، وتحمل مؤهلاً جامعياً في الرياضيات، لكنه غير تربوي، ولذلك احتاجت إلى تعلم أصول التدريس وإدارة الفصل وطرائق إيصال المفاهيم الرياضية إلى الطالبات.

وكان الوصول إلى المدرسة تحدياً يومياً بحد ذاته.

تتذكر أوصاف الطريق الصحراوي والعواصف الرملية، وتقول إن الطرق لم تكن معبدة، وإن الهواتف المحمولة لم تكن تعمل في المنطقة.

جامعة توليدو

كانت الرحلة إلى المدرسة مغامرة تتكرر كل صباح، فيما تنتظرها داخل الفصل مسؤولية تعليم الطالبات، وتطوير مهاراتها المهنية في الوقت نفسه.

أمضت عامين في تلك البداية، قبل أن تنتقل إلى مدارس أخرى في مناطق مختلفة، شملت الرياض والأحساء والدمام، وصولاً إلى القطيف.

وتقول إن التعليم أصبح شغفها الأساسي، وإن سنوات العمل في الميدان دفعتها إلى البحث عن طرائق أكثر فاعلية لتدريس الرياضيات، خصوصاً في معالجة الصعوبات التي تواجه الطالبات عند تعلم المفاهيم وحل المسائل.

إلى أمريكا

بعد أكثر من 12 عاماً في التعليم، قررت أوصاف مواصلة دراساتها العليا خارج المملكة، ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للابتعاث.

سافرت إلى الولايات المتحدة برفقة زوجها وأطفالها الثلاثة، لتبدأ مرحلة جديدة تتطلب منها الجمع بين الدراسة ومسؤوليات الأسرة.

وكانت اثنتان من شقيقاتها قد سبقتاها إلى الولايات المتحدة لدراسة الماجستير والدكتوراه، وهو ما وفر لها أجواء عائلية خففت شيئاً من مشقة الغربة. لكن التحدي الأكبر كان اللغة الإنجليزية.

تقول أوصاف إنها لم تكن تجيد التحدث بالإنجليزية قبل الابتعاث، وكان عليها أن تتعلمها أولاً، ثم تستخدمها في الدراسة والقراءة والبحث والكتابة الأكاديمية.

ومع تقدمها في الدراسة، أصبحت الإنجليزية لغة محاضراتها وأبحاثها العلمية، بعدما كانت عائقاً أساسياً في بداية الرحلة.

ومع تجاوز هذه المرحلة، حصلت على الماجستير من جامعة بولينج جرين الحكومية في ولاية أوهايو، ثم التحقت بجامعة توليدو للحصول على الدكتوراه في المناهج وطرق التدريس.

وخلال مرحلة الدكتوراه، نشرت مقالات بحثية وشاركت في مؤتمرات علمية بمناطق مختلفة من الولايات المتحدة.

أم لثلاثة أطفال

لم تكن الحياة الجامعية في أمريكا منفصلة عن مسؤوليات المنزل.

فقد كانت أوصاف تتابع دراستها، وفي الوقت نفسه ترعى أطفالها الثلاثة، وتؤدي مسؤولياتها الأسرية اليومية من إعداد الطعام والتنظيف ومتابعة تعليم الأطفال.

وتقول إن الموازنة بين هذه الالتزامات ومتطلبات الدراسة والبحث العلمي المكثف كانت من أصعب التحديات التي واجهتها.

وكان عليها أن تخصص وقتاً للقراءة وإعداد البحوث والكتابة الأكاديمية، ثم تعود إلى شؤون المنزل والأطفال، في تجربة احتاجت إلى تنظيم مستمر للوقت والجهد.

ومع ذلك، واصلت دراستها حتى حصلت على الماجستير من جامعة بولينج جرين الحكومية في ولاية أوهايو، ثم التحقت بجامعة توليدو للحصول على الدكتوراه في المناهج وطرق التدريس.

الرياضيات بالمشكلات

اختارت أوصاف أن يكون البحث العلمي امتداداً لما واجهته خلال سنوات تدريس الرياضيات في مدارس المملكة.

ففي الماجستير، تناولت تطوير بروتوكول للتمييز بين طرائق التدريس القائمة على حل المشكلات.

أما أطروحة الدكتوراه، فركزت على مدى توافق التدريس بحل المشكلات مع الممارسات التعليمية الحديثة والمعايير الرياضية.

وتوضح أن نتائج بحثها أظهرت فاعلية هذه الطريقة في تحسين فهم الطلاب وتنمية مهارات التفكير الرياضي العليا.

وتذكر أن لجنة المناقشة أبدت استغرابها وإعجابها بالنتائج، وتساءل أعضاؤها عن أسباب عدم تعميم هذه الاستراتيجية على نطاق أوسع في المدارس.

وكانت هذه النتيجة ذات أهمية خاصة بالنسبة إليها؛ لأنها أمضت سنوات في تدريس الرياضيات، وأرادت أن تعود إلى الميدان بخبرة علمية تساعدها على تطوير أساليب التعليم.

مناقشة بلا عائلة

في عام 2020، وصلت أوصاف إلى يوم مناقشة أطروحة الدكتوراه بجامعة توليدو.

ذهبت إلى المناقشة بمفردها، من دون حضور زوجها أو أطفالها أو أي فرد من عائلتها.

وتقول إنها شعرت بالقلق الطبيعي الذي يسبق مثل هذه اللحظات، لكن أجواء المناقشة كانت إيجابية، وكان الأساتذة والمناقشون داعمين لها.

ومع تقدم النقاش، تحول القلق إلى شعور بالارتياح والمتعة العلمية، خصوصاً مع اهتمام اللجنة بنتائج بحثها.

وعندما أُعلنت نتيجة المناقشة ونجاحها، كان أول ما فعلته الاتصال بأهلها وشقيقاتها وزوجها، لتخبرهم بأن سنوات الدراسة انتهت بحصولها على الدكتوراه.

واحتفلت الأسرة بالإنجاز الذي انتظرته طويلاً، قبل أن تبدأ مرحلة الانتظار القاسية التي فرضتها الجائحة على عودتهم إلى المملكة.

العودة إلى القطيف

بعد انتهاء محنة البقاء في الولايات المتحدة، عادت أوصاف إلى المملكة، واستأنفت عملها في المتوسطة الأولى بالقطيف.

كانت المدارس آنذاك تعمل بنظام التعليم عن بُعد بسبب الجائحة، ولذلك بدأت مرحلة العودة إلى العمل من خلال الفصول الافتراضية.

ومع استئناف التعليم الحضوري، التقت زميلاتها المعلمات والطاقم الإداري في المدرسة، وتكونت بينها وبينهن علاقات مهنية وإنسانية قائمة على التعاون والاحترام.

وبعد سنوات الغربة، وجدت نفسها مجدداً أمام طالبات المرحلة المتوسطة، لكن هذه المرة تحمل خبرة بحثية أوسع، ودكتوراه في المناهج وطرق التدريس.

كيف دكتورة؟

تتذكر أوصاف موقفاً وقع في أحد الطوابير الصباحية بالمدرسة.

فقد نادتها المديرة بلقب «الدكتورة أوصاف»، فاستغربت بعض الطالبات، وسألن ضاحكات: «كيف دكتورة في المدرسة؟».

وتوضح أن المديرة شرحت لهن أن الدكتوراه مؤهل أكاديمي عالٍ، وأن المدرسة تفخر بوجود معلمة تحمل هذه الدرجة العلمية.

تقول أوصاف إن الموقف منحها شعوراً جميلاً بالاعتزاز، خصوصاً أنه جاء بعد سنوات طويلة من الدراسة والعمل والتحديات.

وكان السؤال البسيط الذي طرحته الطالبات يعكس صورة مألوفة لديهن عن لقب الدكتوراه، قبل أن يتعرفن إلى معلمتهن بوصفها باحثة متخصصة في تطوير تدريس الرياضيات.

الدكتوراه في الفصل

ترى أوصاف أن الدكتوراه غيرت طريقة تعاملها مع المشكلات التعليمية داخل المدرسة.

فقد أصبحت تنظر إلى التدريس بوصفه مجالاً للبحث والتجريب والوصول إلى حلول تستند إلى الأدلة، وتقول إنها باتت تتعامل مع المشكلات التربوية والتعليمية بالبحث عن أسبابها، ثم وضع الحلول المناسبة لها.

ونقلت جانباً من خبرتها إلى زميلاتها المعلمات، من خلال تقديم ورش تدريبية تناولت استراتيجيات التدريس الحديثة وطرائق تبسيط المفاهيم للطالبات.

كما أجرت بحثاً إجرائياً ميدانياً بعنوان «تحديد التحديات والمعوقات التي تواجه طالبات المرحلة المتوسطة في اختبارات نافس ووضع مقترح علاجي لها».

وبناءً على البحث، أعدت خطة عمل تطبيقية لمعلمات الرياضيات والعلوم واللغة العربية، تستهدف معالجة الصعوبات ورفع المستوى التحصيلي للطالبات وتحسين نواتج التعلم.

وبذلك انتقلت خبرتها البحثية من الجامعات الأمريكية إلى المدرسة التي تعمل فيها، عبر أنشطة تدريبية ودراسة ميدانية مرتبطة باحتياجات الطالبات.

المدرسة اختيارها

بعد حصولها على الدكتوراه، فكرت أوصاف في الانتقال إلى التدريس الجامعي، وتقدمت بالفعل إلى عدد من الوظائف الأكاديمية.

لكن سنوات الغربة تركت أثراً واضحاً في نظرتها إلى العمل والاستقرار العائلي.

وتقول إنها لم تكن ترغب في الابتعاد عن أسرتها مرة أخرى، ولم تجد فرصة أكاديمية مناسبة بالقرب من مكان إقامتها.

لذلك قررت الاستمرار في التعليم العام، وهي ترى أن عملها مع الطالبات يمنحها فرصة مباشرة للتأثير في تعلمهن وتطوير قدراتهن.

وتؤكد: «اتخذت قراري بقناعة تامة ورضا بالبقاء في ميدان التعليم العام كمعلمة؛ فأنا أعشق عملي، وأجد في شغف التدريس والتأثير المباشر في حياة طالباتي المعنى الحقيقي لإنجازي وقيمتي التربوية».

وبعد رحلة بدأت في مدرسة وسط صحراء القويعية، وامتدت إلى جامعات ولاية أوهايو الأمريكية، وعبرت خمسة أشهر ثقيلة من الغربة والفقد والديون، عادت أوصاف الورش إلى تدريس الرياضيات في القطيف.

كانت قد بدأت مهنتها عام 2001 وهي تتعلم أصول التدريس وتواجه العواصف الرملية في طريق غير معبد، ثم عادت بعد نحو عقدين تحمل الدكتوراه وخبرة بحثية دولية، لتواصل عملها معلمةً في مدرسة متوسطة.

وبين البدايتين، بقي التعليم هو المهنة التي اختارتها، حتى بعد أن فتحت لها الدكتوراه باب التفكير في العمل الجامعي. أما سنوات أمريكا، فقد منحتها الشهادة التي سعت إليها، وتركت معها ذكريات فرح المناقشة، ووجع الفقد، وخمسة أشهر من انتظار العودة إلى الوطن.

اقرأ القصة السابقة

معلمون دكاترة 6 | الموسى.. أديب مرموق في مدرسة ابتدائية

بلدات:القديح