العباس و “مسرح القسوة”.. عابر في شارع البرابرة

محمد الخباز
من النادر أن أقرأ كتاباً فور شرائه، لكن كتاب صديقنا العباس لم يعطني فرصةً لأضعه على رف المكتبة وأنساه مع سرب طويل من الكتب التي تنتظر دورها.
ربما كان ذلك لأن موضوع العنف اللفظي في وسائل التواصل الاجتماعي قد كان محل حديثي في عدة مجالس مع بعض الأصدقاء، وهو الموضوع الذي أشبعه العباس في كتابه بعمق في الطرح وبراعةٍ في التحليل.
أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل للتكاره الاجتماعي هو ظاهرة تستحق الوقوف – وقد أحسن العباس حين وقف عندها – إذ إن ذلك ينبئ عن وجود خلل كبير في البنية الفكرية للمجتمع، فالأداة الديمقراطية التي وفرها تويتر للمجتمع حيث حرية التعبير التي لا حد لها تقريبا تتحول بيد المجتمع إلى أداة للقمع، وللخصام لا للحوار، وللكره لا للحب، وللتباغض لا للتعارف، وللقطيعة لا للتواصل، وهو ما يخرجها من عنوانها الذي اتفق عليه جميع الناس.
قد لا يكون ذلك خاصاً بالمجتمع السعودي، لأني سمعت هذه العبارة متكررة في مقابلات أوربية، وهي أن وسائل التواصل هي محل الكارهين أو الـ (hater’s) بتعبيرهم، وهو ما عبر عنه العباس بقوله إنها محل للتكاره. حيث تنتشر ظاهرة التنمر الإلكتروني، فالتويتريون يكون شغلهم الشاغل هو البحث عن هفوات الآخرين لإحراجهم أو لتبخيسهم أو لقمعهم أو للسخرية عليهم، حتى لو كان هذا الآخر لا علاقة لهم به، فبمجرد أن يخطيء أحدهم حتى لو كان هذا الخطأ عادياً وإذا بفلول التويتريين تهجم عليه من كل صوب، وكل ما كان لهذا المخطيء شأنٌ في الفن أو الثقافة أو السينما أو غير ذلك ازداد الهجوم عليه، وقد يصل الأمر إلى (هشتقته) ليتم تحويله إلى جثة مسحولة في الطريق يبصق عليها المارَّةُ في شوارع تويتر ويركلها كل من كانت له قدم.
والموضوع لا يقف حسب تحليل الكتاب عند من لا شأن لهم والذين يختفون وراء أقنعة الأسماء المستعارة، بل يمتد ليكون ظاهرةً عند المثقفين من شتى أصنافهم، بل حتى عند من يضعون في (بايوهاتهم) عبارات التحاور والاختلاف والتسامح البراقة من الليبراليين، فبمجرد أن يكون هناك اختلاف في الرأي أو خصومة في السياسة حتى ينزلوا إلى شوارع تويتر مشمرين عن أذرعهم للقتال، فضلاً عن المتطرفين من الدينيين الذين لا يؤمنون بالاختلاف والذي يكون تويتر محل لمعاركهم الدينية والطائفية والعنصرية البغيضة.
من التحاليل البارعة لهذا الكتاب أيضاً تركيزه الكلام على الجانب الأخلاقي في ممارسة الحرية الكلامية، فالبرابرة التويتريون بتعبير الكتاب حين يصطادون طريدتهم ويمعنون في سلخ جلدها ببذاءتهم اللسانية ينسون أنهم بهذا الفعل إنما يعرُّون أنفسهم، وأن لذة التشفِّي تفضح بربريتهم وهمجيتهم، وأنهم في فعلهم هذا بالضحية هم أيضاً ضحية أخلاقية، وأن نصرهم الكلامي إنما هو خسارة في الجانب الأخلاقي.
وهذا يقودنا لسؤال مهم حول الديمقراطية والحرية، حيث أننا نرى بعض المجتمعات العربية التي حصلت على ديمقراطيتها السياسية فأساءت استخدامها أسوأ استخدام، وبعض المجتمعات التي حصلت على حرياتها الفكرية أو الاجتماعية فأساءت استخدامها أسوأ استخدام، فهل نحن مجتمعات معطوبة لا تنفع معها ديمقراطية ولا حرية؟ أم أننا نحتاج إلى طورٍ من التأهيل والتدريب لنمارس الديمقراطية والحرية بشكل سوي؟ أم أن هذا السوء في الاستخدام هو مرحلة يجب أن نعبرها بجميع مساوئها ونكتوي بنتائج أخطائها لنعبرها لمرحلة حسن الاستخدام؟
تمنيت وأنا أقرأ الكتاب أن ينتقل في فصولٍ لا حقة لقراءة جوانب إيجابية في استخدام تويتر وأن لا يستمر في وصف هذه الصورة السوداوية، فعلى ما أظن أننا لو انتقلنا إلى الحسابات التي تتكلم عن النجارة أو الطب أو الزراعة أو الديكور أو غير ذلك مما يخرج عن دائرة الثقافة والسياسة والدين والشأن الاجتماعي لوجدنا أمراً مختلفاً، لكن العباس قد اكتفى بحكم انتمائه لدائرة الثقافة بالكلام عما يدور فيها وما يتقاطع معها.
كما تمنيت أن يدعم هذه الآراء بشيءٍ من الإحصائيات، أو فحصٍ لأمثلةٍ من التغريدات التي لا مشكلة في التمثل بها، بدل أن تتكئ تلك الآراء على نفسها فقط. لكن مع ذلك يبقى الكتاب مهماً في انتصاره للجانب الأخلاقي في ممارسة الحرية الكلامية في تويتر وغيره من وسائل التواصل، فليس معنى وجود الحرية بدون قيود وبدون عقاب أن نمارسها بدون أخلاق.



