عبدالله الزاهر.. عاش معلماً ومات فلّاحاً

القطيف: ليلى العوامي
يتذكر جيداً الكثير من أهالي القطيف وطلابها عامة، والعوامية على وجه الخصوص، معلم التربية الفنية عبدالله بن حسن الزاهر، الذي رحل عن دنيانا، تاركاً سيرة عطرة، ومواقف إنسانية، ستعيش في ذاكرتهم طويلاً. فالراحل يعتبر من معلمي الجيل الثاني في بلدته، عرفه الناس بحبه لمهنته، وتفانيه في مساندة الموهوبين.
عاش الرجل 64 عاماً، مليئة بالعطاء والتفاني، وقضى منها 34 عاماً معلماً ومربياً، عشق مهنته. وأجمع كل من عرف الحاج عبدالله الزاهر ـ يرحمه الله ـ على أنه رجل عصامي، نشأ يتيماً، فاعتمد على نفسه في تكوين حياته، وإثبات ذاته، من خلال رحلة، كان يكافح فيها الحياة، ويربي نفسه بنفسه.
ولد عبدالله الزاهر عام 1377 هـ، وتوفى في 22 اكتوبر 2019م، تخرج في معهد الرياض عام 1400 عاش بين نخيل ومزارع بلدته، وبين فنه وطلابه في المدرسة.
رفيق الدرب
ويقول صديقه زكي الزاهر عنه: “هو أخي وصديقي ورفيق دربي، عرفته رجلاً صبوراً مؤمناً مُحتسباً أمره إلى الله، عمل معلماً لمدة 34 عاماً، حيث التحق بمعهد التربية الفنية بالرياض عام 1398هـ، وتخرج فيه عام1401هـ، كان معلماً مخلصاً متفانياً في عمله، وقد بدأ مشوار عمله بمدرسة جعفر الطيار الإبتدائية بأم الحمام لمدة 13 سنة، وانتقل للعمل بمدرسة قرطبة بالعوامية، ثم أكمل بمدرسة البخاري الابتدائية بالعوامية”.
وتابع “كان أبا ومربياً، قبل أن يكون معلماً لمادته، وكان كريماً متسامحاً، متديناً وقارئاً للقرآن الكريم، يواظب على الصلوات في أوقاتها، بشوش الوجه، لا تفارق البسمة وجهه، حتى في ساعاته الأخيرة”. وأضاف “أخبرني قبل وفاته بخمسة أيام، أنه خارج من الدنيا قريباً، وكان يجلس معنا في ساعاته الأخيرة، ولم يشك لنا آلامه حتى وافاه الأجل”.
مهنة الفلاحة
ويقول صديقه أبوعلي محمد رضا الزاهر: “احترف الفقيد مهنة الفلاحة منذ الصغر، وكان يستقبل الجميع في مزرعته، وأتذكر له مواقف إنسانية عشناها معه، إذ كان الفلاحون في المزارع الأخرى يزرعون نخلاً من نخيل اللقاح، والتي لا تكفي لانجاز احتياجات الفلاحين، بينما كان هو يحتفظ بـ20 أو 30 نخلة لقاح، ليوزعها أثناء موسم اللقاح على كل من يحتاج إليها دون مقابل”.
ويقول فتحي حبيب القصاب (أبوحبيب): “عرفته حينما نقلت لمدرسة البخاري الابتدائية بالعوامية، مديراً لها، وعلى مدار خمس سنوات، زاملته، وكان أكثر المعلمين التزاماً في وظيفته، لم يتغيب يوماً واحداً، ولم يتأخر دقيقة واحدة في أيام الدوام، وكان حنوناً وعطوفاً على طلابه، الابتسامة لا تفارق مُحياه، لم أره يوماً عابساً أو ساخطاً في وجه أحد، كان رجلاً معطاءً كريماً، لم ينسَ أحداً من أصحابه، وفي أغلب الأيام، كان يحضر بعض ثمار ما تنتجه مزرعته، فيوزعها على الجميع”.
شريط الذكريات
ويقول صديقه محمد باقر النمر: “كنا نناديه بـ”عبدالله حسين”، قبل أن يُرزق بإبنه حسين، وها أنا بعد رحيله، يتلاطم في مخيلتي شريط الذكريات الجميلة والأليمة، ليستدعي بعضاً من خصاله الجميلة التي كان يتحلى بها، فكان الصبر من أهم صفاته، يُعرف به أمام المقربين منه، وقد حلت به ملمات ومصائب، لا يتسع المجال لذكرها، فكان نعم الرجل المحتسب المقاوم للأوجاع الجسدية والنفسية”، مضيفاً “كان جاراً مثالياً، يُعرف ذلك كل جيرانه بلا استثناء، يشارك الناس الأفراح والأتراح، وكان يحث عائلته وكل من حوله على محبة الجيران والتواصل معهم، يُسعد دائماً بوجود أطفال الجيران الى جوار أطفاله”.
قصة اللص
ويتذكر جعفر خزعل، قصة، تشير إلى إنسانية الحاج عبدالله الزاهر، ويقول: “ذهب يوماً إلى مزرعته في رامس العوامية، فوجد لصاً في المزرعة، يحاول إخراج خروف من تحت السور، فأمسك به، وتذرع السارق بأنه رجل فقير ومحتاج، ولا يملك شيئاً في بيته، وبعد قليل، سمع الحاج عبدالله صوت خروف آخر، يصدر صوتاً من شنطة السيارة، كان السارق أخرجه من المزرعة قبل حضور الحاج عبدالله، الذي عرف فيما بعد أن السارق غير صادق في مبررات السرقة، فطلب منه الحاج عبدالله إعادة المسروقات، ولم يبلغ الشرطة، خوفاً عليه”.
جيل ناجح
ومن جانبه، يقول مجيد الفرج: “تاريخ أبو حسين حافل بالأشياء الجميلة، فهو قدوة لأبناء مجتمعه، كان الطلاب يأتون إليه مسرعين، ليسلموا عليه كان صاحباً، ابتسامته مرسومة على مُحياه، لم يقسِ يوماً على الطلاب، وعطاؤه بلا حدود، وكان لديه مجلسه ليلة الجمعة، يجتمع فيه مع زملائه نحن، أضف إلى ذلك، أنه كان يحلم بإيجاد جيل ناجح من الموهوبين والفنانين التشكيليين، ومن شدة حبه للعمل، أسس مكتبة في منزله، كان يقصدها طلاب العلم للاستزادة منها، في إنجاز علومهم وأبحاثهم، كان راضياً برضا الله وقدره، ودعته وأنا أرى في عينيه علامات الوداع، كان يودعنا بعينيه، كان مطمئناً بأنه سيلاقي ربه”.
حي كربلاء
ويؤكد عبدالله أبو رشيد، أن الحاج عبدالله الزاهر اسم يعني الكثير لأقرانه، ومن عاش معه، سواء في حي كربلاء الذي ولد وترعرع فيه، أم في العواميه، لِما يتمتع بهِ من دماثة خلق وطيب معشر، تخطى كل الصعوبات التي واجهها، ابتداءً من فقد والدته في سن مبكرة، وكذلك والده ـ رحمهما الله ـ، لم تثنيه صعوبة العيش عن الابداع والتميز، فقد وفق بين العمل، ومواصلة الدراسة، إلى أن أصبح معلماً ومربياً مثالياً وفناناً، كما كان رياضياً، يعشق كرة القدم”.
ويُكمل الحاج عبدالقادر الشيخ أبو المكارم، ما ذكره السابقون، قائلاً: “عرفته منذ زمن، ما رأيت منه إلا كل خير، كان يهديني الطيب والبسمة، وأنا بدوري كنت أهديه بعض الكتب والأشرطة، لمست فيه الصبر على ضنك الحياة والمعيشة، رغم فقده لاخويه، لم يشتك لأحد من حاله، مؤمن حزنه في قلبه وبشاشته في وجهه”.
كلل وملل
أما علي عبد الجبار (أبو حسين)، فيقول: “رحل الحاج عبدالله الزاهر، بصمت، حاملاً معه هموم مجتمعه، فهو نعم الرجل المؤمن والإنسان الملتزم والمربي الناجح والأب الحنون والعطوف، معلم طموح، وصاحب رؤى صائبة، وأفكار نيرة، وإطلالات مُبدعة، محب للعمل الدؤوب دون كلل أو ملل، يعشق الجمال والفن، ويحب الألفة والتواصل، مثقف وقارئ نهم، شغوف بالعلم والإطلاع والمعرفة، ولديه الكثير من المقتنيات التراثية والأدبية والفنية”.
الاختبارات النهائية
ويقول وديع العوامي: “لم أكن من طلاب الحاج عبدالله الزاهر ـ يرحمه الله ـ ولكن وجوده كمعلم مساند للملاحظة، جعلني أتعرف عليه في عام 1413، حيث كنت طالباً في الصف الثاني الثانوي، وفي فترة الاختبارات النهائيه، كان يأتي لمدرستنا كمعلم مساند للملاحظة في فتره الاختبارات، دخل علينا قاعة الاختبارات فجأة، تبدو عليه علامات الوقار، ابتسم ورحب بنا جميعاً وبإسلوبه، وخلال دقائق معدودة، شعرت أنني أعرفه منذ زمن بعيد، بأسلوبه الودود الاجتماعي، وحلو كلامه”.
استدعاء الأيام
ويسترجع عماد اللباد، أحد طلاب الحاج عبدالله، الذكريات معه، ويقول: “لعل الذاكرة لا تسعفني كثيراً، في استدعاء الأيام والمواقف الدراسية الجميلة التي عشتها معه في المرحلة الابتدائية؛ ولكن بعض الصور، كأنها رُسمت بإزميل، فتصبح عصية على النسيان، فحصة مادة الفنية لدى الأستاذ عبدالله الزاهر ـ رحمه الله ـ كانت ضمن تلك الحصص المحببة لنا كطلاب، ننتظرها بشوق كانتظارنا لحصة التربية البدنية، لم تكن حصة مليئة بالألوان والمجسمات الفنية؛ بل كانت أيضاً غرفة مليئة بالحب والاحترام والعطف، وأتذكر الأستاذ عبدالله الزاهر، كان يشتري بعض الأدوات والألوان من جيبه الخاص، ويهديها للطلاب الذين لا يستطيعون شراءها”.
11121314https://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/10-6-e1572417582849.jpg15161718192021222324252627282930313233https://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_1.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_2-e1572418366276.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_3.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_4-e1572418419552.jpg3435363738https://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_11-e1572418602400.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_12-e1572418629942.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_13-e1572418653137.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_14-e1572418695231.jpg3940https://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_17-e1572418774725.jpghttps://www.sobranews.com/wp-content/uploads/2019/10/thumbnail_18.jpg41



