“أبلاْ هنادي”.. نجت من حادث في الأفلاج قبل 21 سنة.. وتُوفيت البارحة

القطيف: ليلى العوامي
مشاركة: ولاء إسماعيل
في مطلع شهر رجب من عام 1420هـ؛ تُوفي شقيقها “بدر”، في حادث مرور وقع في طريق محافظة الأفلاج، فيما نجت هي من ذلك الحادث. ومساء البارحة؛ لحقت بشقيقها في حادث آخر؛ بعد قرابة 21 سنة من الحادث الأول.
السيدة هنادي أمان، ذات الـ 44 عاماً، المعلمة التي كان خبر وفاتها حديث الناس في محافظة القطيف منذ صباح اليوم الاثنين. شاء القدر أن تعيش أكثر من عقدين من وفاة شقيقها الشاب، وتواجه مصاعب الحياة، وتتزوج، وتُنجب، ثم تواجه مرضاً خطيراً، وتتخطّاه بشجاعة، ليأتي أجلها في شارعٍ مظلمٍ دهساً.
في الأفلاج
التحقت السيدة هنادي بسلك التعليم، بعد تخرجها من الجامعة سنة 1418هـ. كان أول عملها في محافظة الأفلاج، وبسبب المسافة البعيدة الفاصلة بين القطيف والأفلاج؛ عاشت حياةً معقّدة، ما بين الذهاب إلى مقرّ عملها قبل بداية الأسبوع، والعودة إلى مسقط رأسها عند نهاية الأسبوع. هكذا عاشت “أبلاْ هنادي” أول شبابها.
وفي العامين الأولين من عملها؛ كانت تسافر إلى محافظة الأفلاج برفقة شقيقها الشاب “بدر” الذي تكفّل بهذه المهمة أسبوعياً تقريباً. وقف إلى جانبها الشقيق الحنون، وتكبّد عناء التنقل من أجلها. لكن سرعان ما اختطفه الموت وهو في ريعان الشباب. فكانت هذه الفاجعة أول صدمةٍ لها في حياتها المليئة بالمتاعب والأحزان.
توفي الشقيق الحنون، ومع ذلك صمدت في سبيل بناء حياتها كمعلمةٍ، أصرّت على مواجهة الصعوبات. وبعد الحادث؛ وتقديراً لظروفها؛ نُقلت من الدوادمي إلى المدرسة المتوسطة الأولى ببلدة الربيعة، وسط جزيرة تاروت، بالقرب من سكنها في القطيف.
بناء حياة
خلال هذه السنوات؛ تزوجت السيدة هنادي من أحد أقاربها، وأنجبا ولداً واحداً، وابنتين. عاشت حياة أسرية معتادة، وواجهت متطلبات حياتها بجدية. ومثل أي امرأةٍ منتجةٍ؛ وضعت أهدافها أمامها، وسعت إلى تحقيقها، إلى أن امتلكت منزلها الخاص، واشترته وهو “عظم” قبل 6 سنوات. ثم سعت إلى استكمال بنائه تحت إشرافها، وعاماً بعد آخر، كانت تدّخر من راتبها لتموّل بناء المنزل، إلى أن أتمّته قبل عام، لتستقر فيه وتودّع حياة الشقق الضيقة.
متاعب
لكن الحياة تمنحُ، وتأخذ أيضاً. فما إن بدأت حياتها طريقها نحو الاستقرار؛ حتى فاجأتها المتاعب في صحتها. بدت المشكلة في شكل مشاكل في الرئة، لكن الفحوصات كشفت عن إصابتها بالسرطان. لم تنكسر السيدة القوية أمام المرض العُضال. واجهته، وخضعت للعلاج، وصولاً إلى عملية جراحية خطيرة، عبرت منها إلى السلامة، قبل أسابيع قليلة. وبعد بداية تعافيها؛ حرصت على اتباع نصائح الأطباء، والتزام رياضة المشي.. وما حدث البارحة في شارع الحمزة بن عبدالمطلب كان أثناء مشيها.
رثاء
“بِشْرُها في وجهها وهمُّها في قلبها”.. هكذا وصفتها زميلتها المعلمة منال الخميس التي قالت عنها أيضاً إنا “رائعة، طيبة القلب إلى أقصى درجة، والابتسامة لا تفارق محياها”. و “الجلسة معها تريح القلب وتبهج الروح بنكاتها اللطيفة وروحها المرحة.. أي مجلس توجد فيه هنادي كنا نبتهج فيه”.
زميلة أخرى هي حليمة المرهون تقول “امرأة تُدخل السرور والسعادة.. إذا جلست معنا نتحلق حولها، صبورة رغم كل شيء.. معطاءة.. تتجسد فيها معاني الطيبة والأخلاق.. لا ترفض أي شيء لصالح الآخرين حتى لو على حساب نفسها.. كنا ننتظر خبر شفائها وعودتها إلى المدرسة.. لكن القدر فرق بينا”.
إجازة مرضية
زميلة أخرى هي زينب آل إسماعيل تحدثت بلغة رثاء متأثرة بما حدث.. “تعالي الينا كلما سمح وقتك ووقتنا، وعلّمينا كيف نغرف من بحر الصبر، وأعطينا دروساً في صنع ابتسامة وفكاهة. قد يكون الموت غيبك، ولكن ابتسامتك وضحكاتك ستبقى تملأ مدرستنا المتوسطة الأولى بالربيعية.. انتظرنا عودتك من إجازتك المرضية ومشاعرنا وقلوبنا يملأها الأمل بلقائك”.
قلب أبيض
التشكيلية هويد الجشي قالت عنها “جمعتني بها سنة انتداب في الابتدائية الاولى بالتوبي، فقد كانت منتدبة لتدريس مادة الفنية الجميع.. أحبها حتى الصغار كانت كالأم لهن معلمة وإنسانة.. الخبر مؤلم للجميع”.
أما المعلمة نهاد أبو السعود فقالت “لا أسميها إلا أختي الصغرى.. هنادي صاحبة القلب الابيض والروح المرحة.. رغم معاناة المرض. أحبت الجميع، وابتسمت للحياة. مشاعري مختلطة، فقد فقدت ابنة أخت لي قبل أربعة أيام، واليوم أفقد صديقتي وأختي الصغرى.. لقد جمعنا منهج واحد وهو الدراسات الاجتماعية، وكانت إذا تأزمت من المنهج وتعبت تلجأ لي وأخفف عنها.. رحمها الله فهي ام ومربية ومريضة وماتت بهذا الحادث”.



