نعيمة الزاير.. حجّت على جمل في سن الـ 17.. وزارت القدس قبل سقوطها

محافظ القطيف يقدم العزاء لأسرة الزاير
ليلى العوامي: القطيف
تزوّجت وهي في عمر الـ 14، وحجّت أول مرة في قافلة جمال وهي في عمر الـ 17 سنة 1942م، وزارت القدس سنة 1966هـ، ووقتها كان عمرها 41 سنة. هذا هو الملخّص الخالص لحياة الحاجة نعيمة بن محمد أمين حسين الزاير، التي انتقلت إلى رحمة الله هذا الأسبوع عن عمر 96 عاماً.
تحوّلات
امرأة من القطيف؛ عاصرت تحوّلات قرن كامل تقريباً. وُلدت بعد عامين مما عرُف بـ “سنة الطبعة”، وقبل اكتشاف النفط في المملكة بـ 13 سنة. وعاشت أوضاع “سنة البطاقة”. وسنة حجّها كانت الحرب العالمية الثانية على أشدّها. بل إن سنة زواجها، 1939هـ، هي التي بدأت فيها الحرب العالمية.
وعلى الرغم من نشأتها ضمن واحدة من كُبريات أسر قلعة القطيف المعروفة باتساع أملاكها من النخيل والبساتين على امتداد خارطة واحة القطيف؛ فإنها خاضت حياتها بصعوبة، منذ وفاة والدها وهي في عمر العامين. ربّتها والدتها زاهي محمد سلمان الغانم، إلى جانب شقيقتيها “سلمى” و “مريم”، وأخيها من الأم عبدالله منصور الزاير.
حياة خاصة
وفي سن الـ 14؛ تزوجت من محمد حسين محمد جواد الزاير، وأنجبت أولى أبنائها ولها من العمر ١٧ سنة. كان بكرها “أنثى” سمتها “مَلُّوك”، وهو اسمٌ شائعٌ بين الأسر الميسورة. لكنها فقدت صغيرتها بعد ست سنوات. ثم فاجأها ألم فقدٍ آخر بوفاة ابنها “عبدالهادي” في سن الثالثة.
بعد ذلك أنجبت “سعيد” الذي نال حظّه من التعليم ثم انتقل إلى ميدان العمل فيما كان يُعرف سابقاً بـ “سلاح الحدود”، الذي يُعرف اليوم بـ “حرس الحدود”. وفي هذا القطاع الأمني المهم؛ حصل “سعيد” على فرص النموّ والترقّي، حتى وصل إلى رتبة “عميد”، قبل تقاعده.
وبعد “سعيد”، أنجبت الحاجة نعيمة: خديجة، ثم عبدالعلي، ثم شاكر، ثم عباس، ثم عبدالستار، ثم منى.
تجربة أولى
حتى الآن؛ لا شيء غير مألوف في سيرة السيدة القطيفية. مع ذلك؛ تبدو الحاجة “نعيمة” نموذجاً لنساء القطيف من جيلها، ومن محيط مجتمعها في قلعة القطيف.
في السنة نفسها التي أنجبت ابنتها البكر “ملُّوك”؛ خاضت أول الواجبات الصعبة.. أداء مناسك الحج. في سنة 1362هـ؛ لم يكن الحجّ سهلاً، وكان معنى {من استطاع إليه سبيلا} حرفيّاً تماماً. سافرت بعد عيد الفطر بأيامٍ قليلة في قافلة جمال، في حملة كان مرشدها الشيخ علي المرهون. وفي أيام شتائية باردة؛ كانت القافلة تسيرُ نهاراً، وتستريح ليلاً. وهكذا استمرّ الحال حتى وصلوا إلى المشاعر المقدسة وأدّوا مناسكهم، ثم اتجهوا إلى المدينة المنورة وقضوا مدة فيها، ثم قفلوا راجعين إلى القطيف مروراً بالقصيم. كلّ يستغرق ما لا يقل عن 3 أشهر.
وفاة حاجة
كانت الحاجة “نعيمة” شابّة قوية، تحمّلت وعثاء السفر، وقسوة الشتاء. وفي تلك الحجّة؛ توفّيت حاجة أخرى من الحملة. حانت وفاتها والقافلة في طريق الذهاب. ومثل هذه الأمور مألوفة، جداً، في طريق الحج. كثيرون أولئك الذين يموتون في طريق ذهابهم إلى الحج، أو أثناء عودتهم منه.
نصبت القافلة خيمة في الصحراء، وكلّفوا “الشابّة نعيمة” ونساء أخريات مهمّة تغسيل المرأة المتوفّاة، وبما الشرب القليل غُسّلت، ثم كُفّنت بإحرامها، ثم دُفنت في الصحراء، ثم استأنفت القافلة طريقها إلى مكة المكرمة.
.. ونفقت الجمال
لكنّ وفاة حاجّة في القافلة؛ لم تكن الحادثة الوحيدة اللافتة. ففي طريق العودة، واجهتها مشكلة أكثر تعقيداً. حين وصلت القافلة إلى “بريدة”؛ نفقت جميع الجِمال، وتعطّلت القافلة في العراء، ويئس القائمون على الحملة من تدبير جمال أخرى.
فما كان منهم إلا إرسال برقية عاجلة إلى الملك عبدالعزيز، رحمه الله، طالبين المساعدة. وهكذا تمّ.. جاءت شاحنة “ماك” من الرياض، ونقلت جميع أفراد القافلة وأمتعتهم عبر الصحراء إلى الأحساء، ومنها إلى القطيف.
حملة الزاير
لم تكن حجة الجمال إلا بداية لتعرّف الحاجة نعيمة على تجربة السفر الشاق.. فبعد ذلك بسنواتٍ؛ وجدت نفسها ضمن حملة سفر ضمن عائلتها. كان شقيق زوجها “عبداللطيف” حملداراً، وهي وجدت لنفسها مكاناً ضمن ذلك، برفقة زوجها. كان نشاطهم متسعاً لتنظيم رحلات سفر إلى العراق وسوريا.
كانت وزوجها يسبقان الحملة لتهيئة الأمور لـ “الزوّار”، في مدينتي كربلاء والنجف العراقيتين، وفي “قبر الست” جنوب ضاحية دمشق في سوريا. كان ذلك في الستينيات والسبعينيات.
لكنّ النشاط اتسع ليشمل فلسطين أيضاً، وقبل نكسة 1967؛ زارت القدس، وما فيها من مقدسات إسلامية.
وفي تلك المدينة المقدسة؛ كادت الحاجة نعيمة تفقد قلبها، حين ضاع أحد أطفالها. راحوا يبحثون عنه في كل مكان حول المسجد الأقصى. كان عمره 7 سنوات فقط. وفي مدينة غريبة تصاعد الخوف إلى أقصى، حتى وجدوه في مواقف الحافلات..
ربة منزل
كون “الحاجة نعيمة” من أسرة “ملّاكين” نخيل وبساتين؛ لم يمنعها من أن تكون “ربة منزل”، و “منتجة” أيضاً. فقد عُرفت ـ في محيط مجتمعها ـ ببراعتها في الخياطة. كانت تجيدها بأنواعها، وتحديداً خياطة العبي لمساعدة زوجها في تجارته. كانت تخيط وتطرز باستخدام يديها وعلى ضوء القمر ليلاً واشتهرت بتطريزة “شد الورد” وحينما اشترى ابنها سعيد ماكينة الخياطة من البحرين وجلبها للقطيف استخدمتها للخياطة.
كما اشتهرت بالطبخ، خاصة الحلويات وكان من عاداتهم في المزارات أو في القطيف يفتحون بيوتهم للضيوف والأهل والجيران وينظمون مأدبة طعام كاملة للضيف وقد يستدعي الأمر فتح أبواب الغرف والمجالس لكثرة الضيوف يومياً.



