أنت تملك الأرض والمنزل.. لا الشارع ولا الرصيف حتى أمام بيتك.. منع الآخرين من إيقاف سياراتهم “حرام” شرعاً.. “ممنوعٌ” نظاماً…!

القطيف: شذى المرزوق، معصومة الزاهر
لم يمتد تأثير المنشور الذي كتبه المدّون وليد سليس حول أحقية أئمة المساجد في الحصول على مواقف سيارات خاصة بهم، ولا يستخدمها سواهم، على اللغط والجدال الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، فهذا المنشور كان كفيلاً بفتح ملف الحقوق الشرعية والأخلاقية والنظامية في الانتفاع بالأماكن العامة، ومن يحق له ذلك ومن لا يحق له، مع توضيح حدود هذا الانتفاع وشروطه، ورأي الشرع فيمن يحجز مواقف سيارات عامة لاستخدامه الشخصي، أو من يحجز مكاناً صلاته في المسجد.
“صبرة” استطلعت آراء عدد من رجال الدين وخرجت بهذه الحصيلة..
البداية كانت مع الخطيب الشيخ حسن الخويلدي الذي حذر من تنامي النزاع على اسخدام الأماكن العامة، وقال “في الآونة الأخيرة رأينا بعض حالات النزاع والتلاسن بين أبناء المجتمع حول مواقف السيارات العامة الموجودة في جوانب الطرق، والبعض يضع تحذيرات بعدم الوقوف في هذه المواقف، إما لكونها أمام محلاتهم التجارية أو أمام بيوتهم، وبالتالي هم يرون أنهم الأحق بها من غيرهم“.
وتابع “لا ينبغي لأبناء مجتمعنا الموصوفين بالعطاء والإيثار وحسن الخلق والتسابق لأعمال الخير في كل المجالات أن يستجيبوا لنداء الشيطان الذي يريد أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء والنزاع والخصام بسبب موقع برميل نفايات أو موقف سيارة أو ما أشبه ذلك”، مشيراً إلى أن المواقف العامة “هي حق للجميع، ومن سبق إليها كان أحق بها، مع أهمية أن يلاحظ الجميع مسألة مهمة، وهي عدم الإضرار بالناس“.
وأضاف “قاعدة الإضرار الفقهية حاكمة على قاعدة التسلط، فإنّ أي نوع من أنواع الإضرار بالناس من دون مسوِّغ شرعي غير جائز، يضاف إلى ذلك أن الأمور تُقدّر بقدرها من موقع إلى آخر، ما يحتم علينا أن نرجع المسألة إلى العرف أي ما تعارف عليه العقلاء من الناس“.
وعاد الشيخ الخويلدي ليقول “مرةً أخرى، أرجو أن تسود في أوساط مجتمعنا ثقافة العفو والتسامح والإيثار ونبذ ثقافة الكراهية والانتقام والتشفي والعداوة والبغضاء“.
0الشيخ حسن الخويلدي
الشوارع المفتوحة
ومن جهة أخرى قسّم الشيخ جعفر الربح الطرق إلى قسمين؛ نافذ وغير نافذ. وقال “الكلام سوف ينصب على أحكام الشوارع المفتوحة التي يستطرقها عامة الناس من سكنة الحي نفسه وغيرهم، وهي ما تسمى بالشوارع المفتوحة أو العامة“. وقال “هذا القسم من الشوارع؛ الناس فيه شرع أي هي من الأملاك العامة التي يجوز لكل واحد الاستفادة منها واستطراقها من دون أن يحول تصرفه فيها من منع الاستفادة منها للعامة، لأن الناس فيها شرع سواء“.
واستطرد “كما لايجوز لأحد منع الآخرين من الاستفادة منها بحجة أنها مقتطعة من أرضه، كارتدادات لتلك الدار التي تفرضها الجهات الحكومية؛ لأنها تحولت لشوارع عامة لكل من أحب استطراقها والمرور فيها أو جعلها موقفا لسيارته“.
وعاد الشيخ الربح ليعلن ما هو المسموح للبعض عمله في تلك الشوارع وقال “نعم لا بأس بوضع ما يمكن الاستفادة منه لعامة الناس، كشق الجداول لتوجيه مياه الأمطار والمجاري؛ أو جعل حاويات النفايات وغرس الأشجار ونصب أعمدة الإنارة في الأماكن المناسبة كما هو مشاهد في الشوارع التي تشق في الأحياء الحديثة، فإن هذا مما لا إشكال فيه، لأنه يعود بالمصلحة العامة لسكنة هذه الأحياء من دون ترتب أضرار على ذلك”، موضحاً أن “مثل تلك الأمور تقررها الجهات المعنية كالبلديات ونحوها من واقع المصلحة العامة يلزم التقيد به شرعاً إذا توقف عليه حفظ النظام العام، كما يقرره بعض فقهائنا العظام“.
1مثل هذا التحذير مخالف نظاماً واحتكار غير مشروع
وكما فعل الخويلدي، رأى الربح أن يختتم حديثه بتوجيه النصح لأفراد المجتمع قائلاً “لا ينبغي للأخوة المؤمنين التنازع والخلاف في أمثال هذه القضايا، بل ينبغي للجيران أن يكونوا على مستوى المسؤولية الأخلاقية والشرعية بالتعاون بينهم، وتنازل بعضهم لبعض واحترام القوانين المتعارفة لدى الناس وتحفظ حقوق الجميع، كما أنها لا توقع أحداً في حرج أو ضرر؛ كوقوف سيارة الجار مقابل باب جاره أو كراج سيارته بحيث يمنعه من الخروج، فهذا من المحرمات المغلظة لما فيها من إيذاء الجار وتعطيل مصالحه”. وقال “على الجميع إظهار التسامح والتعاون في هذا المجال ما لم يلزم من ذلك ضرر على الآخرين، فهذه وصية نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله في الجار إلى سبعين داراً فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره“.
لا يجوز الاحتكار
في السياق ذاته؛ يرى الشيخ فيصل العوامي أن المنفعة تكون حقاً لمن سبق، وقال “لا يصح تملّك الأماكن العامة كمواقف السيارات والحدائق وشبههما، وإنما يجوز الانتفاع بها بالحد الذي يسمح به القانون، وطبقًا لقاعدة السبق فقط، فمن سبق إلى مكان فهو أولى بالانتفاع به بالحد المسموح به، ولكن لا يحق له احتكاره بنحو دائم ولا التصرف فيه“.
التخاصم والشجار
وزاد الشيخ صالح آل شهاب على ما قاله الشيخ العوامي فيما يخص الاحتكار، وقال “احتكار المواقف في الأماكن العامة أو الخاصة قد يحدث نزاعات بين الناس حول الأحقية بموقف سيارة، وأحياناً توضع رسائل تحذيرية بعدم استخدام موقف ما كونه موقفاً خاصاً” وأضاف “المسألة قد تكون ذات أبعاد شرعية وأخلاقية اجتماعية“.
وأكمل “البعد الشرعي، فقد اعتمد فقهاء المسلمين على الحديث النبوي القائل بأن «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به» سنن أبي داوود، ونقلها النوري في مستدرك الوسائل ب١ إحياء الموات.
وتابع “الرواية ضعيفة على مباني المدرستين، إلا أن مفادها مسلم به بين الفقهاء، لأنهم يعتمدون السيرة القائمة على هذا التنظيم، إذ لا يخفى أنه إن كان المراد من السبق إحياء الأرض الموات كما يومي إليه ورود الخبر في كتاب إحياء الموات من كتب الحديث، أو كان المراد هو السبق إلى المنفعة، كما يستدلون به في قاعدة السبق إلى حيازة المباحات أو إلى حيازة المنفعة العامة، فعلى كل تقدير، فإن المراد منها تنظيم تصرفات الناس في الأملاك أو المنافع العامة حذراً من التنازع عليها، فليس أحد أحق بشيء منها ما لم يسبق، فمن سبق فقد ملك الحق فيها“.
وتابع الشيخ آل شهاب “أما البعد الأخلاقي الاجتماعي فهو على وفق التنظيم الفقهي، لأن الأحكام تابعة لمصالح العباد، ومن الواضح جداً أن احترام الأولوية للسابق يقطع مادة التنازع، وتطيب به النفوس، فيما ربما يصدر من بعض الناس من التنازع أو التخاصم والشجار في احتكار الأماكن العامة، لا يمت إلى الشرع أو الأخلاق الاجتماعية العامة بصلة، وما يؤسف له أن يحتكر بعضهم حتى مكان مصلاه في المسجد، وقد نص الفقهاء على منع ذلك في فتاويهم، والواجب علينا احترام حق من سبق“.5
اقرأ أيصاً:



