سفر إلى حرمك المطهر

في ذكرى مولدك يا سيدي، ناجيتك من بعيد، مقلدًا الزيارة أخًا عزيزًا، متوجهًا إليك لأول مرة، زارك وهو مفعم بالحنين كان ذلك
قبل أربع سنوات، ها أنا ذا أعيد ذاك الشوق، أعيد ذاك الارتحال مجددًا إلى حرمك المطهر، أعيده كلما حل يوم ميلادك يا سيدي.
بكل الأماني المرسومة توقًا، والملونة فرحًا، والهائمة بهجة، تلهج قلوب بالحب الولائي عشقًا، أوصيك أيها العزيز المسافر (أبا قاسم) أمانة، باسم المشتاقين، وعطش المتلهفين، وغاية المريدين لدوحة شمس الشموس، أن تشملنا بدعائك عند غريب طوس، إن لامست الحضرة، أو على البعد بنظرة، سلم عليه بكرة وأصيلًا.
نظرات الزوار ترنو من بعيد، حشود آتية من كل فج عميق، متيمة بشغف الوصول، خطوات تطوي المسافات تلو المسافات، بأحلام موعودة، سيل أشواق متدفقة تذرع الدروب، أمواج بشرية تسارع الخطى بنبض واحد، قلوب خافقة بالحنين، عيون تتطلع لبريق الذهب، لقبتين وثمان منائر، سامقات تعانق السماء، أفئدة عطشى تدلف الروض المطهر، وتسلم سلامًا بحرارة اللقاء وتتلو استئذانًا بخشوع وتبتل، (السلام عليك يا غريب الغرباء.. ويا بعيد المدى.. ويا أنيس النفوس) أرواح تلف الأروقة والحضرة في ملكوت إيماني وفيض نوراني، أصوات متداخلة مسترسلة بالرجاء تلو الرجاء، آهات مفعمة بالمراد والمبتغى (السلام عليك يا أبا الحسن علي بن موسى الرضا المرتضى، يا حجة الله على خلقه، يا سيدنا ومولانا، إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله، وقدمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهًا عند الله اشفع لنا عند الله...)، تتلاقى الوجوه بانعكاسات الكاشاني والزجاج المعشق بامتدادات لا نهائية، وتسمو الذائقة بعنفوان الإبداع وجبروته اللامتناهي، مشغولات من فضة وذهب، تكسو الضريح والأبواب، يحتار العقل الذي صاغ هذه التحف الباذخة نمنمة ودقة ونقشًا فريدًا آسرًا، إنه إعجاز يبهر الناظرين.. أنفاس تتجلى تسبيحًا مع نقوش لآيات قرآنية وأحاديث نبوية دونت بخطوط الثلث والنستعليق والفارسي، وبين قيام وقعود تتراقص الزخارف النباتية البيضاء والصفراء في بحور من اللآزورد، تسبيحات المصلين تتحاور انسجامًا مع الأقواس الحانية، المطعمة بالمقرنصات والأفاريز المتداخلة بهندسات بديعة التكوين، آية من جمال وجمال من آيات حسن على حسن، تهيم النفوس ارتحالًا وجلالًا بعظمة المكان، أنامل إعجازية من كل فن وصنعة ومهارة وذكاء أضفت عبقريتها فأبدعت كيانًا من نور، سحر يسحر الألباب والأفئدة والعيون، معمار يتلألأ فخرًا لمدينة الفيروز، الحاضرة عبر الأزمنة تتلو حكايات السامانيين والديالمة والغزنويين والمغول.
أعلم يا أبا قاسم أن عينيك الفنية ستصاب بالدهشة والذهول من روعة المكان وهندساته المبهرة، فكل الذي تراه يحمل فلسفة وعمقًا ضاربًا في الحضارات والديانات القديمة، والذين شيدوه وأبدعوا عمارته فهم بحق يحملون فنونهم العظيمة المتوارثة، وإليك ما قاله روجيه جارودي: (كان الميراث المعماري لبلاد فارس غنيًا غنىً غير عادي، وعندما دخل الإسلام هذه البلاد، وجد فيها خمسة آلاف من الأعوام من التاريخ والجمال).
فلا غرابة فيما أبدعوا وتفننوا، في كل ما هو روحاني ومقدس، لأنهم شعب خلاق للفنون على مدى الأزمنة.
أبا قاسم افتح ذراعيك وحواسك الخمس فأنت بين أحضان التاريخ وحكاياته المرسلة من إرث القاجاريين وملاحم السلاجقة، وفتوحات الصفويين وفنونهم البطولية المنعكسة تشييدًا لعمارة الحرم الرضوي، كل ركن وكل قطعة وزاوية في الحرم المطهر تتكلم عن تاريخ أمم وسلاطين وفرسان وأعلام ورجال أفذاذ، وشيوخ دين (حجة الإسلام، وآية الله العظمى) قالوا كلمتهم ولم يرحلوا، فلم تزل أرواحهم حية بين ردهات وجزئيات المكان المقدس.
عزيزي متع بصرك واملأ ذائقتك العطشى وأنت تتجول بين باحات الحرم ودهاليزه وسراديبه الذي يعد أكبر وأوسع حرم للأئمة المعصومين عليهم السلام. أوصيك أن تدلف إلى مسجد (كوهرشاد) الذي يعد من أجمل المساجد الإسلامية التي بنته زوجة (شاهرخ التيموري) سنة 821 هجرية، بناء فريد من نوعه من حيث الشكل والهندسة المعمارية في العالم الإسلامي، إنه آية من آيات الفن المعماري الذي هندس بناءه (قوام الدين الشيرازي).. خذ نفسًا وتجول بين الإيوانات ومرر يدك على فخامة أعمدة الرخام السندسي المعرق، ثم دع أناملك تتقفى رسمًا لحلية النقوش ذات الخطوط الرشيقة وتكويناتها البديعة، ودع حواسك تسبح على الجدران المنتصبة جلالًا وهيبة بآيات من الزخارف التوريقية والزهرية، متع إحساسك من فيض عظمة المكان المتجلي ذوقًا وجمالًا وألقًا، الفاتن وجدًا والغاوي سحرًا.
عزيزي لا تنس نصيبك من وجبة المضيف (فيض آثار) فالمحظوظ من طهر جوفه من تلك البركة الشافية، وخذ زاد خير (ملح وحبات رز) وكسرة خبز وخيط أخضر، متع ناظريك في رحاب الباحات الفسيحة المفتوحة على الفضاء، وأمعن النظر لقبة (الله وردي خان) الشامخة تلألأ، وقف برهة في وسط (الصحن العتيق) وارتشف ماء من مشربة (إسماعيل الذهبي) (سقاخانة)، ثم عرج على المكتبة الرضوية التي تضم بين جنباتها مجموعة هائلة من الكتب والمخطوطات النادرة، وألقِ نظرة عليها وتخيل كم من عقول دونتها وكم من علوم حوتها. وطب مقامًا في رحاب المتحف الذي يزين أروقة الحرم، تأمل المعروضات بروية وتمعن ودقق النظر حول النفائس الثمينة بعناية وتبصر، واستقرئ أدعية وأحاديث قدسية، وأقم صلاة بجوار الأضرحة القديمة التي وضعت عند المرقد المطهر، وقلّب بصرك حول أول حجر للمضجع الشريف الذي نقشت عليه بالخط الكوفي آيات قرآنية وأسماء المعصومين وأئمة الهدى (ع )، حجر من الرخام مؤرخ بتاريخ 516 للهجرة، وارجع بخيالك إلى أبعد من ذلك للقرن الثاني الهجري وأنت ترى أشكال العملات النقدية (التي ينسب بعضها لأيام كانت فيها طوس عاصمة الدولة العباسية) وتذكر لما جرى لغريب الغرباء، وأصخ السمع لكورس نحيب النسوة المتشحات بالسواد والمصطفات عند رواق (قبة حاتم خاني)، بصوتهن الشجي، إنه موال حزن يتردد صداها منذ اثني عشر قرنًا.
عزيزي أبا قاسم اذهب وصافح (الحاج أحمد) الطاعن في السن ابن الثمانين عامًا، أقدم قارع طبل في جوقة الحرم، والتقط معه صورة للذكرى، وقل للناس: ما أروع طقس الطبول ونفخ الأبواق عند تباشير الفجر إيذانًا بهبوط نور الإمام الذي يتلألأ سطوعًا على وجوه المؤمنين الفارغين من صلاة الصبح، طقس يعاود ثانية بعد دلوك الشمس، موسيقى متوارثة، تحمل عبق الأزمنة الغابرة التي دأب الملوك والسلاطين على اتباعها منذ القدم.
عابرو طريق الحرير وبلاد ما وراء النهر، والقادمون من القرن التاسع الهجري، والمتدفقون من بين السهول والجبال، والآتون من بقاع الأرض عبر الأزمنة المتلاحقة، يحذوهم الشوق دخولًا من جميع الأبواب محملين بالقرابين والنذور والهدايا، يحطون رحلهم في الصحن العتيق، يتوزعون في فضاءات الأروقة بآمال معقودة، وأشواق لا محدودة، التماسًا لقضاء الحاجات، للمؤمنين حظوة الرجاء، بتوسلات حتى انقطاع النفس، أنفاس عشق متيمة لكافل الغزال يتبتلون في خشوع وسكون في حضرة الإمام.
أبا قاسم التمس حاجاتك، فمن يتيقن بالمعجزات يشفى، ولو بعد حين، دع إيحاءك ويقينك يأخذانك إلى أجواء روحانية الحرم المطهر بنية خالصة وشفيفة، وآنس كينونتك للحظات، وغب مغمض العينين، وخذ نفسًا عميقًا للماورائيات الروحية، وتجلى ارتحالًا بهيام أوصياء وأحباب الله، سيتسلل إليك رويدًا رويدًا صفاء النفس، وستنزاح عن كاهلك هموم الدنيا، وأثقال حمل من متاعب الحياة، هكذا ذهب فنان إيران العظيم (محمود فرشجيان) بعد أن أعيته الحيلة وعجز الأطباء عن مداواته من شلل أصاب يده المبدعة، فارتمى بجسده وسلم روحه سفرًا بجوار الضريح لأيام وليالٍ، يتوسل كرامات الإمام فتسلل الشفاء شيئًا فشيئًا إلى عافيته، وعادت عروق أنامله تنبض بالحياة والفن.
أيها الفنان أبا قاسم، اذكرنا توسلًا، عند كل زيارة وكل خطوة تخطوها في المكان المقدس ادع لنا بكل ما تجود به نفسك، فنحن حيارى في هذا الزمان المر، نطمع بنفحة من كرامات ضامن الجنة، لينفرج عنا الغم والكربات.
روي عن الحبيب المصطفى (ستدفن بضعة مني بأرض خراسان ما زارها مكروب إلا نفس الله كربته، ولا مذنب إلا غفر الله ذنبه).
أبا قاسم قلدناك الدعاء والزيارة، وغفر الله لنا ولك، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وزيارة مقبولة بإذن الله، اللهم اكتب لنا العود عما قريب.
همسة رجاء:
أبو قاسم هو رئيس جماعة الفن التشكيلي بالقطيف (الأخ الفنان محمد الحمران)، ندعو الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل، وأن يخرجه من محنته الصعبة، ويفرج كربته، بحق يوم ميلادك
يا سيدي، فهو محتاج لفيض بركاتك فقد كان ذات يوم أحد زوارك.



