أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ثقافات جهلناها

إبراهيم الزين · القطيف اليومالأربعاء 8 أغسطس 2018، 10:48 ص
ثقافات جهلناها

لو تأملنا لبرهةٍ أحوالنا بدقة لاكتشفنا أن بعض الصفات الأساسية الحميدة تضعف لدينا كمجتمع إنساني يفترض أنه جُبِلَ عليها، والتي هي في الأساس جزء لا يتجزأ من أخلاقنا وتربيتنا، وأساس من تعاليم ديننا الحنيف، ولكنها أمست غريبة في بعضها، وقليلة الحضور والظهور، ومن هذه الصفات صفاتٌ أثرت سلبًا بسبب غيابها على علاقاتنا، وشرخت التواصل الحميمي والصادق بين الأفراد والأسر والأرحام والمجتمع الواحد؛ مما نتج عنه مشاكل أدت إلى التفكك والخلاف المستحكم.

إننا نحتاج أول ما نحتاج إلى نشر الثقافات الحميدة والواعية فيما بيننا، وهي الأساس التي تبنى عليه المجتمعات وتتشكل منها الإنسانية الحقة، وهي في الأصل موجودة في أصولنا وجذورنا بلا شك، وقد تربينا عليها، ولكن مشكلتنا أننا لا نرثها ممن سبقونا باطراد، غير بعض متاع الدنيا إن وجد، وللأسف أن المثاليات والأخلاق والعادات الحسنة تقبر مع أصحابها في غالبها، ولهذا، لا غرابة أن ترى كل جيل يختلف عن الجيل الآخر في قيمه ومبادئه عن الآخر، بل ربما نصل إلى انعدام هذه المثل في لحظة ما، ونعود لعصور الغاب التي لا قيمة فيها للإنسانية والإنسان.

التسامح مثلًا، والذي هو بساط للمحبة والألفة والثقة والأمان نفترشه ليجمعنا تحت سقف واحد نستظله، ونتنفس تحته الصدق والود، ونشعر من حوله بالأنس والصداقة والأخوة، والتسامح هو الدار الهانئة التي تجمع الأسرة الواحدة المتوافقة، والتي تجعل من الاختلاف عدوًا لها، وإن حدث فإن علاجه هو الاعتذار الفوري بغض النظر عن المخطئ والمصيب.. التسامح هو قبول الآخر واحترام رأيه وشخصه، وتقديره التقدير الذي يليق به، وحسب ما يظنه في نفسه.

إننا حين ننشر هذه الثقافة النبيلة، فلن يستعصي علينا أن ننشر باقي الثقافات التي يظن البعض أنها صعبة على الجبلة الإنسانية، وهي في الأساس من طبيعتها، والاعتذار أو الرجوع للحق بالاعتذار أحدها، وإن كان بشروطه التي تكفل الحق وحفظ الكرامة والصون للإنسان، فكم سينعكس من الإيجابيات الفاعلة على الأنفس المعنية، وعلى المجتمع المحيط، وعلى الثقافة العامة حين نفعل هذه القيمة أو غيرها من القيم، مما يعطي النسيج الاجتماعي رونقًا جذابًا، ووهجًا خلاقًا يصل به إلى تكامل الصفات الفاضلة في المجتمع الواحد.

من يأنف ويتأفف من الاعتذار للآخر، ويغلب المكابرة والعناد إنما يمعن في شرذمة التواصل، وتقطيع أواصر التلاحم، ومن يظن أن التسامح إهانة للنفس إنما ينشر الجفاء ويوقد القسوة والكراهية في جسم المجتمع الواحد فيفقده الأمان، وينشر التوجس والخوف والريبة بين أفراده، ليتضعضع البناء الإنساني، فلا يبحث المرء فيه عن غير ذاته، حيث تتجذر الأنانية لديه، وتستشري المصالح الذاتية عنده، وتختفي الروح الجماعية، التي من دونها لا نستطيع أن نصنع مجتمعًا فاضلًا تعمه الثقة وتسوده المحبة، ويظلله السلام.

العفو والصفح والاعتذار والتسامح وخلافها، هي بعض ثقافات جهلناها، رغم أنها من الصفات القويمة التي تتأسس عليها المجتمعات الصالحة والتي تعتمد في المقام الأول على النواميس السماوية التي نشرها الرب جل في علاه عن طريق رسله وأنبيائه، من أجل أن تكون الأرض هي الأرض التي يرثها عباده الصالحون.